العراق عشية انهاء القوات الامريكية العمليات القتالية / سعيد الشهابي

لم يكن محتوى خطاب الرئيس الامريكي، باراك اوباما، يوم امس بعدم حديثه عن 'انتصار' في العراق مفاجئا للمراقبين، خصوصا ان سحب القوات الامريكية من هذا البلد سوف يعقبه ارسال قوات اضافية الى افغانستان التي ما تزال تتحدى ارادة البيت الابيض. اما المشهد العراقي عشية انتهاء الانسحاب الامريكي فما يزال مضطربا على اصعدة عديدة: امنية وسياسية وانسانية.

هذا المشهدا يعاني من غياب الرؤية الواضحة لدى المراقبين ازاء مستقبله في ظل الركود السياسي من جهة واستمرار التجاذب والتنافر بين الطبقة السياسية من شتى الاطياف، من جهة اخرى. ويأتي الانسحاب ليزيد المشهد تشوشا، بدلا من ازالة غموضه. فهذا الانسحاب كان مقررا منذ ايام الرئيس السابق، جورج بوش، وقد أملته الاعتبارات والحسابات الامريكية الداخلية من جانب، والحقائق على ارض الواقع العراقي من جانب آخر، ومن هذه الحقائق استمرار الخسائر البشرية الامريكية التي بلغت قرابة الـ 4400 قتيل خلال السنوات السبع الماضية، وتنامي الشعور الوطني الرافض لاستمرار الوجود الاجنبي على الاراضي العراقية. ويزيد المشهد تشوشا عجز زعماء الكتل السياسية عن تشكيل حكومة جديدة برغم مرور ستة شهور على الانتخابات البرلمانية التي اجريت في شهر آذار/ مارس الماضي والتي لم تحقق فوزا ساحقا لأي من الكتل التي خاضتها. ولا يبدو تشكيل الحكومة اقرب الى التحقق عما كان عليه بعد الانتخابات مباشرة. وبرغم هذه الحقائق، فلم يعد امام الامريكيين خيار إطالة بقائهم القتالي، بل ان انسحابهم العسكري تمهيد لما يسمى 'الانسحاب الكامل' مع نهاية العام المقبل. وما يزال الجدال متواصلا حول حقيقة الانسحابات الامريكية ومدى وجود نية حقيقية لدى واشنطن باستقلال العراق بشكل كامل وعدم التدخل في شؤونه او السعي للهيمنة على خيراته او التحكم في سياساته الخارجية او النفطية او العسكرية.

وهناك ثلاثة جوانب لتقييم مدى استعداد واشنطن لجعل انسحابها حقيقيا والسماح للعراق باسترداد سيادته كاملة: فمن الذي سيقرر سياسات العراق الخارجية خصوصا في مجال علاقاته الاقليمية؟ ومن الذي سوف يحدد ايديولوجيته العسكرية واحتياجاته الفنية؟ ومن الذي سوف يتحكم، بشكل فعلي في سياساته النفطية؟ وربما تكون الاجابات بشكل موضوعي على هذه التساؤلات مؤشرا لمدى الاستقلال المستقبلي لهذا البلد الذي ما يزال يدفع فواتير باهظة لتخلصه من النظام السابق. اما الجانب الامريكي، فقد اصبح هو الآخر مطالبا على الصعيد الداخلي باعادة تقييم السياسات التي انتهجها رؤساؤه السابقون، خصوصا الرئيس جورج بوش، والتي ادت الى ثلاث نتائج سلبية: اولها تعمق الكراهية للسياسات الامريكية بسبب ما يعتبره العرب والمسلمون استهدافا عسكريا وامنيا مباشرا للبلدان الاسلامية، وثانيها تراجع هيبة امريكا المنيعة، وتحولها الى 'نمر من ورق' في نظر البعض، وتشجيع مجموعات مثل طالبان لاملاء شروط الانسحاب الامريكي من افغانستان، بعد ان اتضح العجز الامريكي عن حسم 'الحرب ضد الارهاب' عسكريا. ثالثها: تراجع الولايات المتحدة في الجانب الاقتصادي، ودخولها في كساد شديد تواصل اكثر من ثلاثة اعوام، وما يزال مصدر تهديد لموقع امريكا الاقتصادي. فبدلا من التركيز على التصنيع والتسويق وتطوير القطاعات المالية، اصبح المسؤولون في البيت الابيض مشغولين بتسويق سياسات الحرب والتدخل من جانب والسعي لاحتواء آثار تلك السياسة من جهة اخرى خصوصا مع تصاعد اعداد الضحايا الامريكيين وتقلص فرص الحسم العسكري على من تعتبرهم اعداء لامريكا. ففي مقابل الصعود الاقتصادي للصين والهند، ما تزال الولايات المتحدة تعيش الكساد خصوصا مع استمرار الانفاق العسكري على الحروب التي اصبح المواطنون الامريكيون يعتبرونها 'عبثية'.

ويأتي اكمال الانسحاب العسكري الامريكي من العراق تنفيذا للوعود التي ألمح اليها جورج بوش وأكدها باراك اوباما بعد صعوده للبيت الابيض. ولكن ثمة شكوكا كبيرة بان الانسحاب العسكري لا يعني انتهاء التدخل الامريكي في الشؤون الداخلية للعراق. وبعد سبعة اعوام من محاولات الهيمنة على ذلك البلد، بدأ الامريكيون يدركون صعوبة اخضاع اهله لهيمنتهم، خصوصا مع الاصوات المتواصلة المطالبة بخروجهم من كافة الاطياف السياسية. هذه حقيقة أشار اليها السفير الامريكي الجديد في بغداد، جيمس جيفري الذي قال قبل ايام: 'اعتقد… أن العراقيين وطنيون لا يحبون أن يهيمن عليهم أحد أو يملي عليهم ما يفعلونه لا الولايات المتحدة ولا ايران ولا أي من جيرانهم الآخرين.' وقد عجز الامريكيون حتى الآن مثلا عن اجبار الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 على مد الجسور مع الاسرائيليين. هذا برغم ان الامريكيين سمحوا للموساد الاسرائيلي بالتوغل في العراق بشكل خطير. وفشلوا كذلك في فك ارتباط العراق بايران، وهو ارتباط، مهما كان تواضعه، مزعجا للجانب الامريكي. كما فشلوا في استدراج العراق، برغم محنه المتواصلة، العام الماضي للوقوف في خندق 'الاعتدال' خلال العدوان الاسرائيلي ضد غزة، وبدلا من ذلك، حضر العراق قمة الدوحة التي كانت تضم الدول الاكثر رفضا للعدوان. وقد أزعج ذلك الموقف الجانب الامريكي كثيرا، ولو حدث في عهد الرئيس السابق، لربما عبرت واشنطن عن غضبها باسلوب آخر. ومع ذلك فهي تسعى بشكل متواصل، وبدعم مادي مباشر او عبر وسائط عربية، للتأثير على تركيبة الحكم المستقبلي، لضمان وجود عناصر مقربة منها فيه. السفير الامريكي كان واضحا من انزعاجه من الموقف الايراني، ملمحا الى انه يقدر عدد الضحايا الامريكيين في العراق الذين سقطوا على ايدي مجموعات مرتبطة بايران يعادل ربع العدد الكلي للضحايا الـ 4400. وبرغم ان هذا 'تقدير شخصي' الا انه يؤكد قلق واشنطن من تفاقم ضحاياها العسكريين اذا لم يسحبوا من العمليات القتالية. وبرغم الانسحاب الامريكي العسكري، فسوف يبقى التسابق بين واشنطن وطهران مستمرا. ويعي الساسة العراقيون ضرورة احداث توازن بين النفوذين الامريكي والايراني، ليستطيعوا الاستفادة من الطرفين ويقدموا التنازلات الأقل لأي منهما. الامر المؤكد ان مستقبل العراق السياسي لا يرسمه القادة العراقيون وحدهم، وانه مطالب بسياسات ومواقف متناغمة مع الرأي العام في الفضاء المحيط، وان العراق لا يمكن ان يعيش خارج التأثير والنفوذ، برغم الكوابح الامريكية ضد ذلك.

الجانب الآخر الذي سيكون معيارا لمدى استعداد الولايات المتحدة لاحترام استقلال العراق، يتمثل بالجانب العسكري. فالأزمة العراقية انما بدأت بسبب القوة العسكرية المتنامية لذلك البلد، خصوصا في الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العراقية الايرانية. وربما شعور صدام حسين بشيء من القوة بعد تلك الحرب، كان من اهم دوافعه لاجتياح الكويت في مثل هذه الايام قبل عشرين عاما. وكانت هناك خشية من امتلاك العراق جيشا كبيرا باسلحة غير تقليدية، نووية وكيماوية وجرثومية، الامر الذي دفع الامريكيين لاستهداف بغداد منذ ذلك الوقت. وقد ادت الحربان اللاحقتان الى تدمير الامكانات العسكرية للعراق بشكل كامل. واصبح على النظام الحالي اعادة بناء ذلك الجيش. والسؤال هنا: من سيبني هذا الجيش؟ وما مدى القوة المسموح له بالوصول اليها وامتلاكها؟ من الذي سيحدد ما يحتاجه اعادة بناء ذلك الجيش الذي تمت تصفيته تماما وتسريح جنوده وضباطه بعد سقوط بغداد مباشرة؟ فهناك تسابق على تسليح العراق، بين دول عديدة من بينها الصين وروسيا وفرنسا، وهي تتسابق لتلبية قائمة الاسلحة التي يحتاجها العراق وتصل قيمتها الى مليارات الدولارات وتتضمن طائرات مقاتلة متعددة المهام للدفاع عن المجال الجوي للبلاد. ولذلك تبدو واشنطن في وضع صعب: وتواجه خيارات اصعب: فهل تسمح للعراق بالتسلح وفق احتياجاته؟ ام تتحكم في ذلك؟ انها تدرك خطر الظهور في زي الاحتلال والتحكم خصوصا مع فشلها في حسم الوضع الامني. ولذلك تميل واشنطن للاشراف على عملية التسليح بشكل فاعل. وقبل شهرين قال راي أوديرنو، قائد القوات الامريكية في العراق ان واشنطن تعتزم تزويد العراق بطراز قديم من طائرة F16 المقاتلة ادعى انه 'تم تجديده مؤخرا'، ولكن ذلك لن يحدث الا بعد نهاية العام المقبل، وان ذلك سيحدث على مدى سنوات. وفي مقابل تلك الطائرات القديمة، اقرت واشنطن تزويد 'اسرائيل' بـ 75 طائرة من احدث طائراتها المقاتلة F35. كما تخطط الولايات المتحدة لتزويد الجيش العراقي بـ140 دبابة أمريكية من طراز 'إم 1 أي 1 ـ أبرامز' بدءا من شهر آب/أغسطس المنصرم حتى أواخر العام المقبل. ووفقا للخطة فسوف تدخل هذه الدبابات الحديثة في خدمة الفرقة التاسعة الميكانيكية العراقية التي تتمركز في وسط البلاد. هذا يعني ان الولايات المتحدة سوف تبقى مهيمنة على القوة العسكرية العراقية بدون منازع. ولذلك فالقادة العراقيون مطالبون بموقف رافض لاخضاع المؤسسة العسكرية للقرار الامريكي، وبدء التفاوض مع الدول الاخرى لشراء ما يحتاجه الجيش العراقي.

الجانب الثالث يتمثل بالسياسة النفطية للعراق. فقد كان 'قانون النفط' الذي طرح بشكل علني قبل ثلاثة اعوام قد اثار الكثير من اللغط، بين مؤيد ومعارض. فبينما اعتبره المؤيدون دفعة جديدة لقطاع النفط من اجل جذب استثمارات اجنبية لقطاع النفط الذي يعاني من مشاكل مستعصية، رأى معارضوه انه سوف يؤدي الى هيمنة الشركات الاجنبية على قطاع النفط وبذلك تسقط سيادة العراق على ثروته الاهم. وهناك خلاف بين بغداد وكردستان حول الادوار المنوطة بشركة النفط الوطنية والشركات الاجنبية، اذ تصر بغداد على تمكين الشركة الوطنية من دور اوسع في القطاع النفطي، بينما تفضل حكومة كردستان منح امتيازات اكبر للشركات الاجنبية. النفط في العراق يمثل عنوانا واسعا لما جرى في العقود الاخيرة، نظرا لما يمتلكه من احتياطات تعتبر الثانية او ربما الاولى في العالم. ولتأكيد الاطماع الاجنبية في نفط البلدان الاسلامية أعلن مؤخرا عن اكتشاف حقل نفط كبير في شمال افغانستان يحتوي على 1.8 مليار برميل نفط. وقالت الحكومة الأفغانية في وقت سابق من هذا العام إنها اكتشفت موارد معدنية تقدر قيمتها بـ3 تريليونات دولار. وربما تساعد هذه 'الاكتشافات' على فهم بعض دوافع الوجود العسكري الامريكي في ذلك البلد الذي يتمركز فيه حاليا أكثر من 120 ألف جندي تابع لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) والقوات الأمريكية. فهل انه من قبيل الصدفة ان يكون كل من افغانستان والعراق مستهدفين بهذه الحالة من الاضطراب السياسي والامني؟ ان بامكان العراق، فيما لو توفرت له ظروف الاستقرار والامن والتحرر الحقيقي من الاحتلال، ان يتحول الى واحة من الخير والامن والحرية والديمقراطية. ولذلك فهو مستهدف في استقلاله وامنه وتطويره ووفاق اهله، وسيظل ذلك ما لم يرتفع الساسة العراقيون الى مستوى المسؤولية ويتمردوا على الظروف المفروضة عليهم، ويتفقوا على ممارسة ديمقراطية تجعل الشعب قادرا على ممارسة حقه المشروع في تحديد مصيره وادارة بلده.

هذه الجوانب الثلاثة ستكون مؤشرا لمدى قدرة العراق على استعادة سيادته وامنه، ومدى صدق الامريكيين في دعاواهم بالانسحاب من البلد الذي أقاموا فيه أكبر سفارة لهم في العالم، وعددا من القواعد العملاقة التي أنشئت في مواقع حساسة خصوصا على الحدود مع ايران. ولا شك ان عجز القادة العراقيين عن التوصل لصيغة حكومية عملية قد اصاب العراقيين بخيبة امل كبيرة، وشجع اعمال الارهاب التي تحصد ارواح المدنيين في كافة المناطق الشيعية والسنية. اما الانسحاب الامريكي الذي قيل انه اكتمل في 31 اغسطس، فسوف يخلف وراءه بلدا محطما، فشلت قوات الاحتلال في اعادة اعماره. هذا الاحتلال سوف يترك وراءه شعبا يعيش ربع سكانه تحت خط الفقر، ويضم مليون أرملة وثلاثة ملايين يتيم، وبطالة تصل نسبتها الى 30 بالمائة. هذا الاحتلال جعل العراق يعاني من حالة فساد مستشرية دفعته لاحتلال المركز 176 من جملة 180 دولة على صعيد الفساد حسب تصنيف مؤسسة الشفافية الدولية لمؤشر الفساد عام 2009. لا شك ان السياسيين يتحملون جانبا كبيرا من هذه الاخفاقات، ولكن اللوم الاكبر يوجه للاحتلال الاجنبي الذي أطاح بالبنية التحتية للبلاد بعد اسقاط نظامه السابق، واصر على التعامل مع الوضع العراقي بعقلية عسكرية بعيدة عن العقل والتخطيط والاخلاص للبلاد واهلها. ان ما حل للعراق كارثة انسانية ومأساة بشرية لا يمكن التقليل من شأنها، خصوصا مع استمرار المعاناة الحياتية والامنية بشكل يومي. فالعراق اليوم يدفع فواتير عقود من الحروب والاستبداد والاحتلال، وتبدو أبواب الفرج موصدة امام اهله، ما لم ينته الاحتلال ومعه روح الحقد والتباغض والتقاتل بين ابنائه، وعقلية الاستئصال والاستحواذ التي عمت نخبه السياسية وكذلك قطاعات واسعة من مواطنيه. لقد حان الوقت لنهضة داخلية، تتجاوز القيم التي فرضتها ظروف الاحتلال كالمحاصصة والطائفية والارهاب والفساد، وتكرس الممارسة الديمقراطية ليصبح هذا البلد العربي الكبير انموذجا في الممارسة السياسية في منطلقة عانت، وما تزال، من الاستبداد والاحتلال والتخلف والتبعية. لو استطاعت النخب العراقية تحقيق ذلك، لأمكن التغاضي عن سلبيات السنوات السبع العجاف منذ الحرب المدمرة التي شنها التحالف الانجلو- أمريكي على بلاد الرافدين.

 

عن جريدة القدس العربي 1/9/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق