العراق ما بين الحربين العالميتين في رسائل ضابط إنكليزي

 


مازالت رسائل “المس بيل” مصدراً مهمّاً من تاريخ العراق قبل تأسيس الدولة العراقية وبعده، وستبقى مادّة لقراءة تاريخ العراق المعاصر، وهذا الضرب من المنتج الفكريّ والأدبيّ والتاريخيّ التوثيقيّ يدعى(أدب الرسائل)، وهو مازال شحيحا في الثقافة العربية. بيد أنّ ثمّة استثناءات صادرة، كما هو حال  رسائل الضابط الإنكليزي سيرل بورتر  الذي وضع أقدامه على أرض العراق مع جحافل الجيش الإنكليزي المهاجم من الفاو إبان أحداث الحرب العالمية الأولى عام 1914.  ويبدو أنّه غرس في واقع الأرض التي  وطأها ووقائعها، فشغف بأهلها وهام بسياقات الحياة، وغمرته أحداثها، حتّى تاق إلى نقل تلك الأحاسيس المرهفة إلى شقيقته دورا  القاطنة في (بنكلور) المدينة الواقعة في جنوب الهند أين مكث وعائلته منذ عقود.


سرد سيرل بورتر بأسلوب مشوّق ولمّاح، ووصف العراق والعراقيين وتقاليدهم وأدقّ تفاصيل حياتهم في رسائله. وحدث أن جمعت (دورا) الرسائل التي حصل عليها بعد وفاته المفاجئة في بورتسموث عام 1947، بعدما وصلتها في سفينة من الهند. ثم حدث أن شغفت بالعناية بها  وجمعها وتبويبها ثمّ تعريبها، ابنته “أمل” التي كانت نتاج زواج سيرل من لولو البغدادية العراقية رغم ما حلّ ببعض الرسائل من مصير مجهول بين رزم ما صودر من أوراق للسيّدة أمل وأمسى جزءا من غنائم أجهزة مخابرات السلطة. وهكذا يمكن حصر أحداث الرسائل بين أعوام(1914-47).

وأمل بورتر من الشخصيات النافذة في الثقافة العراقية، فولادتها ونشأتها عراقيتان وثقافتها موسوعية متعدّدة المصادر، وسيان عندها بين الإنكليزية والعربية، وهذا نادر الحدوث. وقامت الأستاذة أمل  بتعريب  رسائل والدها وتبويبها في الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار ميزوبوتاميا في بغداد بطبعة أنيقة. كان قد شغف بتلك الرسائل الدكتور المعمار علي ثويني وساهم في التعريف  بالرسائل منذ عدّة سنوات وقدّم للكتاب ذاكرا: سيرل بورتر (بورتر تعني باللاتينية البوّاب)، عاش في نفس الفترة التي عاشت بها الخاتون (بيل) حتى وفاتها المفاجئة عام 1926. وكان يشكو من عنجهيتها وطبعها البرجوازيّ والرجوليّ، وذكر أنّه كان يشاهدها تمتطي حصانها على شاطئ دجلة متمشّية مع عشيقها العراقيّ الشاب (ناجي الكرادي). وربما يكون هذا الاسم هو المصدر في التسمية التي أطلقها العراقيون على الأنكليزي(أبو ناجي).


وسيرل بورتر(بريطانيا 1895-بغداد 1967 ) شخصية تناستها الأحداث، ولاسيما بعد المناخات التي عجّت على العراق بعد ثورة تموز  1958، ورغم  مكوثه في العراق وتأسيسه لمنظومات الكهرباء بها فهو من أسّس لأولى محطّات توزيع الكهرباء في بغداد وكركوك دون عناء، وكم أتمنّى أن يكون لدينا مثله ليجد لنا حلاّ سحريا اليوم.


لقد مكث بعد رحيل جلّ الجالية  الإنكليزية، التي لم يكن يهتمّ بطقوسها وربّما يكون هذا سبب قطيعته للمجتمع المخمليّ البريطانيّ الذي كان يعيش مترفّعا على سواد العراقيين. وربّما الأمر وارد من سجية متواضعة ودمثه وشغفه بطبقات الناس الدنيا وعامّتهم، ونزعة إنسانية جعلته يندب ويبكي بشدّة استغربها حتّى أولاده حينما اغتيل المهاتما غاندي (1869-1948)، وهو يصرخ: بابي . بابي. لقد قتلوا الإنسانية في قتلك. وعكس سيرل صدق مشاعره وتوجّهاته الفكرية الإنسانية الوسطية التي تتبنّى هموم الناس وترسم أحلامهم في الخلاص والقسطاس.

نجد في الرسائل  فضاء رحبا وعفوية  في البوح دون تكلّف أو محاباة أو انشغال بالإطلاع عليها، فلم يدر في خلده أنّ رسائله ستكون محلّ حظوة ابنته ثمّ  مقروءة بعد وفاته بأربعة عقود ونيف وستؤرّخ لمرحلة تأسيس العراق الذي مكث شاكيا باكيا من الاستلابات المتكرّرة والانكسارات المتراكمة، والأهمّ أنّ في ثنايا السّرد  الكثير من العظة التي يوجّهها  لمن أحبّهم صادقا في عراقٍ كان يحلم أن يكون مضيئا ويانعا .


كان مغرما بعيون النساء ورقّة طبعهنّ، حتى القرويّات منهنّ وإحداهنّ (خزعليه) الجميلة المدبّرة التي تشعّ كلماته شغفا وعشقا وإعجابا بتلك (المعيدية) التي لم تأخذ قسطها من التعليم لكنّ سمات التجمّل والجمال والخبرة الشهرزادية كامنة حيّة فيها منذ أنانا وعشتار.  ففي إحدى رسائله يذكر “أنا عاشق الهندسة والرياضيات وأصبحت (دانتى القرن العشرين)….. لن أؤلّف كتابا أهمّ من الكوميديا الإلهية، بل سأقوم بعمل جبّار وعظيم  جدّا وهو خلق سجّادة  طائرة وسأنتج منها الآلاف وأعمّمها لكلّ أهالي بغداد ….إنّني الآن أحلّق عاليا في السماء على بساط سندسيّ لم اسرقه من علاء الدين ولم يجلبه لي الجنّيّ ولم تمنحني إيّاه شهرزاد بل  أوحته لي (بياتريس )العراقية الرائعة. وفي إحدى رسائله يصف لأخته أزقة بغداد وجماليتها  يذكر: أزقّة بغداد الضيّقة لها  جماليتها العالية، لا اعتقد أنّ من شقّها قد تجاهل ذلك، وكما يقول سكانها فإنّ هذه الأزقّة تمتدّ عميقا في التاريخ ولا فضل (للعصملى) فيها أبدا، لقد أهمل الأتراك  هذه البلاد تماما. ويتناقل القوم طرفة تحكى عن الحاكم التركي المنقول حديثا إلى بغداد بعد أن غضب عليه أسياده هناك  حينما كانت ولاية بغداد منفى للمغضوب عليهم. ويصف سيرل الحياة البغدادية فيذكر أنّ  صاحب محلّ البقالة يصنع في بيته أو يشتري ممّن يصنع في حقله اللبن والجبن والقيمر (بالمناسبة هل حكيت لك عن القيمر أم لا قولي لي لأحدّثك عن ألذّ ما أكلت  طوال عمري الذي عشته في الهند أو أوروبا…..!)  لا أفران للخبز بالشكل الذي قد اعتدنا عليه، فكلّ عائلة توفّر لنفسها خبزها، الحياة هنا رائعة، لم تفسد بعد، كلّ شيء لم تمسّه يد الصناعة، هل ستبقى هذه الواحة الصحراوية لي كما أراها الآن … أكاد أسمعك تقولين “بالرومانسية”…نعم اشعر بالرومانسية  والفوضى تغمرانى الآن.  تحاول إدارة القوّات إيجاد حكومة مناسبة، وتضارب الآراء والمصالح يعيق كلّ شيء، وهذا البلد مقسّم في أفكاره وتطلّعاته، لقد انتهت الاضطرابات الآن وكانت في أوجها في شهري حزيران وتموز). نجد في ثنايا الرسائل الكثير مما يمكن أن نطبقه على أحوال اليوم فالعراق لم يتبدّل رغم المناخات، والناس هم الناس.

لقد تناست  الأحداث هذا الرجل وغاب مثل الكثير من المشاريع البشرية التي طوتها الأحداث والأيّام ولاسيما بعد ثورة تموز 1958، بعد أن طفت طبقات جديدة على سطح المجتمع كان مصدرها الرّيف على خلاف الطبقات المخملية السابقة  المنحدرة من بيوتات الذوات وطبقات السلطة الوارثة والمورثة لبعضها البعض، وسادت بعد تأسيس الدولة العراقية ثم بادت. ويبدو أنّ الدولة التي نقلتها الخاتون بيل مسطّرة على الورق إلى مجسّدة كدولة ومنعكسة في النفوس والضمائر،   لم تكن متجانسة البتة، وربّما أريد لها أن تكون كذلك مثلما هو حادث اليوم، فثمّة من مكث يحمل الضغينة على المسحوقين أو يجهلهم،  وشعر بعلياء منزلته وقامته فوق قامات أهل البلاد، وهذا ما ازدراه سيرل بورتر دون مهادنة، بعدما سكنته ملائكة العراق  فأحبّه وأهله وثقافته، وعشق الحياة الوادعة فيه وطرائق العيش والأكل وتزوّج مرتين من سيّدتين عراقيتين، فبعد وفاة الأولى اقترن بالثانية، ومكث يلهج لأبنائه  بمحبّة العراق وأنّه أحسن من بريطانيا، وأنّ أناسه هم الأطيب الذين يمكن العيش بينهم، وحينما سألوه عن السبب وراء عدم رغبته في العيش ببريطانيا، كان يجيبهم بعفوية: أنتم لا تعرفون قيمة هذا البلد، فالعراق خير بلدان الدنيا. وتقمّصته الثقافة العربية، ولم يزدرِها كالبعض، حتى كان يصحّح المفردات لأبنائه، وتحكي أمل أنّها حينما كانت صغيرة وهي خارجة  بمعيّته من الدار أطلقت كلمة (زبل) على ركام البناء في الخارج، فقال لها (ليس زبل وإنما أنقاض) .


كان يحضر صخب الجالغي ويهيم في طرب (سليمة مراد) ومجالس الأنس البغدادية وشطّ دجلة، وسرد خواطره عن (أرشد العمري) الذي اعتمده في مشاريعه والشاي المهيل من يد (خزعلية) ،ومفارقات الحياة في كركوك المزدانة بتلاوينها، وكلها  خواطر جديرة بالتأمّل والإيحاء والقراءة النفسية والاجتماعية. توفّي (سيرل) الإنكليزي البغداديّ عام 1967  وكان يوصي بأن لا يبرح ثراها فدفن في بغداد ليكون روحا وجسدا فيها.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق