العربة التي صارت قاطرة / سمير عطاالله

عرفت تونس خلال 65 عاماً رئيسين للجمهورية: هل هذا دليل استقرار ام دليل ديكتاتورية؟ هل كان يحق للحبيب بورقيبة، الذي عاد من المنفى بالاستقلال، ان يبقى في الحكم حتى الاصابة بالخرف؟ هل يعادل الاستقلال، ما افضى اليه حكم بورقيبة، غياب التجربة الديموقراطية ووصول قائد سابق للشرطة الى رئاسة الدولة؟ وماذا يمكن ان يفعل قائد سابق للشرطة اذا وصل الى رئاسة الجمهورية، في بلد يضم اكبر نسبة من المثقفين والمتعلمين في العالم العربي؟ يفعل الذي فعله. يقرر البقاء مدى الحياة، هو وفريق الشرطة ورجال المخافر.

فجأة، يقطع عليه هذه الابدية في الحكم، عاطل عن العمل في السادسة والعشرين من العمر، لا يملك ثمن رخصة لبيع الخضار على عربته، فيما شرطة زين العابدين بن علي تصر عليها، أشعل الشاب النار في ثيابه وفي فقره وفي بأسه وفي بطالته. ومعه احترقت أبدية بن علي. وربما احترقت ايضاً ثقافة الابديات في جمهوريات افريقيا والعالم العربي.

لم تكن تونس وحدها تحترق. كانت مدن الجزائر ايضاً تغلي غضباً على ذلك التزاوج المرير بين البطالة والغلاء. بين الاهمال الرسمي ومرارات الناس والاطفال وعجز الرجال عن القيام بأدوار ارباب العائلة، لكي تدرك ما اعني، يجب ان تمرّ بمقاهي المغرب العربي في اي ساعة من ساعات النهار، حيث الشبان يقتلون الوقت والمستقبل حول تفول فناجين القهوة واعقاب السجائر والثرثرة. وحيث مواقف المروءة والشجاعة الوحيدة في استعادة عنترة والزير ابو ليلى. او، ايضاً، ان تقرأ عن طفولة المغربي محمد في "الخبز الحافي". او كيف عاش والد الكاتب التونسي العفيف الاخضر حياته برمتها: خبزة شعير وبضعة تمور.

لم تكن تونس مع بن علي على كل هذا الفقر. وقد حزن العقيد معمر القذافي لرؤية جاره يخرج بعد 23 عاماً فقط في السلطة فقال: "ألم يكن في امكان التونسيين ان ينتظروا ثلاث سنوات اخرى"؟ وممّ يشكو التونسيون، قال القائد الليبي، فهم يتمتعون برابع اقتصاد عربي وبميزان تجاري فائض، ويصدّرون حتى الى فرنسا، أكثر مما يستوردون. وهذا بالضبط ما سمته "الوطن" الجزائرية "الديكتاتورية السياحية". فقد فتح بن علي بوابات الشواطئ الجميلة امام الاجانب، ونسي ان يفتح شبابيك التنفس امام شعب ذهب ذات يوم يطرق أبواب روما.

كما قام سبارتاكوس (71 ق. م.) في روما قام سبارتاكوس آخر في حي الفقر، في سيدي بوزيد. من الهراء الاتكال على دوام النعم. صحيح ان الشعوب تنام مع اهل الكهف، لكن احداً لا يدري من يقوم ليوقظها. او متى. الذي ايقظ بولونيا الى الحرية كان عامل كهرباء في حوض غدانسك، ثم اصبح رئيساً تحت اسم ليخ فاونسا. الذي بدأ اسقاط تشاوشيسكو في تشيوارا، قرب بوخارست، عامل لا نعرف اسمه حتى الآن. هتف، فهتف خلفه عشرة. ثم عشرون. ثم رومانيا.

لم ينقل زين العابدين بن علي وحده عن تشاوشيسكو، بل نقلت ليلى بن علي الكثير والمحزن عن ايلينا تشاوشيسكو. كانت ايلينا، التي منحت نفسها دكتوراه في الكيمياء، تحب معاطف الفراء الباريسية، وتكدسها. وكانت ليلى طرابلسي تحب الذهب والالماس والاراضي والمشاريع وتكدسها ايضاً. ولا اعرف الى اي مدى غامرت صحيفة رصينة مثل "الموند" عندما ذكرت يوم الاثنين، ان الرئيس التونسي ترك البلاد ومعه 1,5 طن من الذهب.

تروّج أشياء كثيرة عندما تسقط الانظمة، وخصوصاً في الاخلاقيات. لكن السائد ان الفساد الذي كان يحيط بعائلة بن علي، كان تماماً عكس التقشف الذي أحاط بعائلة الحبيب بورقيبة، كان ثابتاً ان لزوجته، الوسيلة بن عمار، تأثيراً عليه وفي قرارات قصر قرطاج. لكن وزيره الاول محمد المزالي يروي في مذكراته انه عندما ذهب لمقابلة السيدة بورقيبة أدهشه انها ترتدي ثوباً من القماش البسيط وتنتعل خُفّين رخيصين.

تضايق فرنسوا مورياك، ضمير فرنسا الناصع، من كثرة المدائح التي يطلقها الشاعر الشيوعي لوي اراغون (عينا السا) ورفاقه، للنظام البلغاري في صوفيا. وكتب ذات يوم: كم تبدو صوفيا جميلة وممتعة من ضفاف السين وتلال مونمارتر.

اكثر ما أظلمني في تونس عندما ذهبت لحضور القمة العربية هناك، كانت صحفها التي تشبه صحف بلغاريا في الخمسينات. صحف ضحلة بلا كتّاب وبلا اخبار وبلا اعلانات، اشبه بالجريدة الرسمية. اخبار المشاريع الزراعية وبرقيات المحافظات الى حامي تونس. حتى ورق الصحف كان من الخمسينات. ومن بلغاريا. وفي المقابل تزدهر في الجزائر والمغرب صحافة، بالغة المهارة والانتشار.

نسيت شرطة العاصمة، وهي تحدد للشعب التونسي ماذا يقرأ من برقيات التأييد، ان "الموند" توزع في تونس اكثر من اي مكان آخر خارج فرنسا. ولم يكن قد بلغها بعد، ان عصر التنوير لم يعد يعني الفكر التنويري بل مئات الفضائيات والهواتف المحمولة ومواقع الانترنت وآلاف الطلاب العائدين من جامعات فرنسا، الذين اصبحوا يرون في فولتير ظاهرة متخلفة.

دائماً يظن المستبدون، ان المتغيرات تقع في مكان آخر. عندما دعت "جبهة التحرير" الجزائرية الى انتخابات عامة أذهلها ان خصومها اقترعوا لخصومها ولخصومهم معاً. ثلاثة ملايين مستقل، فضّلوا الاقتراع لـ"جبهة الانقاذ" على البقاء في ظل الحزب الذي قادهم الى الحرية والاستقلال. فقد نسي الناس الحرية ولم يعودوا يرون سوى الفساد الذي غرقت فيه دولة غنية بالثروات الطبيعية والنفط والزراعة والمواسم؟

المرحلة التي جاء فيها بورقيبة، هي المرحلة التي استقلت فيها جميع دول المغرب: ادريس السنوسي في ليبيا، محمد الخامس في المغرب. وبن بللا والرفاق في الجزائر. جميعها اختارت اما الرجل الواحد واما الحزب الواحد. او اختير لها. فقد كانت مصر 23 يوليو هي النموذج والمثال، خصوصاً انها لعبت دوراً اساسياً في دعم الحرب على الاستعمار. ولم تكن مصر بعيدة عن الملكيات في ذلك. ويروي الاستاذ حكمت قصير انه عندما حمل رسالة خاصة من ليوبولد سنغور الى عبد الناصر، فوجئ ان الرئيس يعلّق في مكتبه صورتين فقط، احداهما لمحمد الخامس.

الواقع ان الانظمة الملكية في بلاد المغرب هي التي انشأت هيكلاً سياسياً يقرب من التمثيل الديموقراطي. وفتحت الرباط الباب امام الاحزاب، بما فيها الشيوعي. لكن القبضة الامنية تشددت مع مجيء الحسن الثاني، لشعوره ان مصر والجزائر تحاولان اطاحته. ثم ازدادت المخاوف بعد سقوط السنوسية في ليبيا، وتصاعد حملة مصر الناصرية وحلفائها على بورقيبة وسياسته الخارجية، ومنها الدعوة، عام 1965، الى قبول قرار التقسيم. ومن اقدار العرب ان منظمة التحرير التي قادت الحملة على بورقيبة "وعمالته" عادت فهاجرت من بيروت الى تونس، حيث جعلت مقرها حتى الآن.

تلك هي متغيرات العالم العربي وتحولاته. واذا كانت تلك المتغيرات قد بدأت منتصف العقد الماضي مع "الضباط الاحرار" في مصر، فلعل ما حدث في تونس اول هذا العقد يكون امثولة لعودة ما الى الحياة المدنية والقانون المدني واخراج الامة من ثقافة الطوارئ والقوانين الخاصة. واذا كان من ميزة ما، في ربع قرن من اسلوب بن علي في حكم تونس، فهي الامثولة التي انتهى اليها. لم يسقط في انقلاب ولا في مذبحة، بل امام عربة بائع خضار، تحوّلت قاطرة.

 

عن جريدة النهار البيروتية 19/1/2011

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق