العرب والحبّ أو الثّالث المرفوع

سلمى الخضراء الجيوسي شاعرة وناقدة فلسطينيّة معروفة تنتمي إلى جيل الرّوّاد (السّيّاب ـ نازك الملائكة ـ أدونيس ـ البيّاتي ـ عبد الصّبور ـ حجازي…) ولكنّها طلّقت الشّعر منذ أكثر من عقدين، واستقرّت ببوسطن في أميركا، وتفرّغت لترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزيّة. ومنذ شهرين، كتبت إليّ تسأل إن كان بالإمكان أن أشارك في كتاب جماعيّ عن العرب والحبّ، يصدر بالعربيّة في بيروت، وبالإنكليزيّة عن مؤسّستها “بروتا” في أميركا. واقترحت أن يكون موضوع مقالي: قصص الحبّ عند العرب. فكان أن عدت إلى قصص شتّى تحفل بها كتب التّراث العربيّ مثل “الأغاني” و”العقد الفريد” و”روضة العشّاق” و”ديوان الصّبابة” و”مصارع العشّاق” و”المستطرف من كلّ فنّ مستظرف” و”روضة القلوب” و”روضة التّعريف بالحبّ الشّريف” و”كتاب التّيجان” و”تزيين الأسواق” و” أخبار النّساء” و”رشف الزّلال من السّحر الحلال”… قصص وطرائف ونوادر عن الحبّ عند العرب القدماء، كنت قرأت أكثرها منذ زمن بعيد. بيد أنّي وجدت لها هذه المرّة ـ وأنا أقرؤها قراة “واجب” ومتعة في آن ـ صدى في النّفس، مختلفا، ووقعا غير ذاك الذي أظنّني استشعرته في سنيّ الشّباب.

مدوّنة عن الحبّ قلّما نجد لها شبيها في ثقافة من الثّقافات القديمة المدوّنة، حتّى ليكاد المرء يقرّر متعجّلا غير متـلبّث ـ ما أن يفرغ من قصّة وينتقل الى إخرى في هذه المدوّنة الفصصيّة التي تبدو صورة من فنّ التّوريق العربيّ (الأرابيسك) أو مثل الأحجية الصّينيّة، وكأنّها صناديق داخل صناديق، أو هي تـرد في هيئة عناقيد ـ إلى أنّ هؤلاء العرب عشّاق بالفطرة أو أنّهم كلّهم عشقوا وأحبّوا، أو هم نذروا حياتهم للعشق وانقطعوا له. بل ربّما لا يعادل هذا القصص “العجيب” سوى تلك الأسماء التي وضعها العرب للحبّ، وإن كان أكثرها ليس منه، وإنّما هو من موجباته وأحكامه مثل: العشق والهوى والصّبوة والوجد والهيام والوله والغرام والجوى واللّوعة والفتون والجنون وما إليها من كلمات أخرى”غريبة” اضمحلّت في استعمالات المعاصرين، أو هي تثوي في “مقبرة اللّسان”، لسان العرب، أشبه ما تكون بشواهد القبور مثل:الصّلت والدّيف والسّدم والوهل والوصب والـتّـبالة واللّـمّ والرّسيس… على أنّ أسماء الحبّ هذه ليست بالضّرورة من “المترادف” اللّغويّ، فبينها فروق دقيقة وظلال خفيّة. وربّما كان الفرق من الدّقّة والخفاء، فيذهب في الظّنّ أنّها من المكرور أو التّـعداد اللّغويّ ليس إلاّ.

ولئن اشتمل هذا “المعجم العشقيّ” على كلمات غير قليلة، لا نزال نديرها على ألسنتنا بيسر وسهولة، فليس في ذلك ما يسوّغ القول إنّها من المسائل الواضحة التي يسهل تحديدها وإخضاعها لأساليب البحث العلميّ، بل أنّ كثيرا منها يكتنفه ـ على ذيوعه وانتشاره ـ قدر من الخفاء والغموض والإبهام، غير قليل. وليس بالميسور الإلمام بأطرافها والوقوف على نموّها وتطوّرها في معاجم مثل معاجمنا، تقفز فيها الكلمة من عصر إلى عصر، ومن معنى إلى معنى، عبر فجوات فاغرة ومتاهات لغويّة متشعّبة الأصول والفروع.

افترضت على هذه القصص ما افترضت، وقـلّبتها على ما قــلّـبت، دون أن آبه بوقوع هذه القصّة أو تلك ـ فليس في تقديري كبير فرق بين أن يُجترح الحبّ بشطط من الواقع أو بشطط من الخيال ـ ودون أن أشغـل نفسي كثيرا بالتّعاقب أو التّسلسل التّاريخيّ الدّقيق، فلم يكن مقتربي بالمقترب التّاريخيّ، وإن لم أغفل التّاريخ تماما ولا أنا تحاشيته. والمسوّغ لذلك أنّ هذه القصص لا يمكن أن تفهم إلاّ إذا وضعناها في سياقها التّاريخي، وربطناها بوضع عامّ جرت عليه العلاقة بين الرّجل والمرأة عند العرب مثلما جرت عليه فنون ثقافتهم ومنها فنّ القصص هذا. وهذه القصص إنّما نشأت مشافهة في ثقافة ما قبل الإسلام، ثمّ دوّنت في القرون الثّلاثة الأولى للهجرة، وأضيف إليها من قصص الحبّ في العصرين الأمويّ والعبّاسي والعصور اللاّحقة عليهما.

بل أنّ كثيرا أو قليلا فيها لا يعبأ بالتّاريخ، وينقل الشّخصيّة من عصر إلى عصر غير حافل ولا مكترث: فقد عاش جميل بثينة في صدر الإسلام (القرن الأوّل للهجرة) وبالرّغم من ذلك، نجده في اللّيلة السّابعة والثّلاثين بعد السّتّمائة من” ألف ليلة وليلة”، يروي حكاية عشقه لهارون الرّشيد الذي عاش في القرن الثّاني للهجرة. فلا مناص إذن من اعتبارهذه القصص والحكايات مفردة من مفردات الثّقافة أو رمزا من رموزها. وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ كلّ قصّة في هذه القصص،إنّما هي فعل الذّات المنشئة أو الكاتبة، مثلما هي فعل الذّات العاشقة في الآن نفسه. والأمر هنا أشبه بتعبير الحلم، فهو لا يتكوّن من صور الحلم، وإنّما من سرد الحالم لها. أي أنّ الصّور الحلميّة التي تمثّل قاعدة “التّعبير” أو التّفسير ليست صور الحلم “محلوما”، وإنّما تلك التي يرويها إنسان مستيقظ، ويستدعيها من حيث هي حمّالة معنى، على أنّه معـنى ظاهر مرتهن بمعـنى باطن، وكلاهما لا يوجد إلاّ بوجود قرينه. ولكن دون أن يسوق ذلك إلى استنتاج متعجّل كأن نقرّر أنّ أيّ قصّة من هذا القصص، شأنها شأن الحلم، ليست إلاّ ذريعة من بين ذرائع شتّى يتّخذها كاتبها (وهو ليس العاشق) لتجميعات حرّة مرسلة غير مقيّدة.

فإذا كان سرد الحالم متمكّنا من الحلم، دون أن يكون هذا ذاك، فإنّ كتّابة هذا القصص متمكّنة من الصّورة، ولكن دون أن تكون هذه تلك. وأيّ تراسل مفترض بينهما إن هو إلاّ باطل خادع. والأمر في حال الحلم أو عند” تعبيره” أو تفسيره بعبارة أدقّ، راجع إلى تباين بين وضع”حلميّ” ووضع” يقظ”. ففي اللّحظة التي يتكلّم فيها الحالم، فإنّ العبور من النّوم إلى اليقظة عبور من نمط من الإدراك إلى نمط آخر. والمسالة هنا لا تتعلّق بتعبير مجازيّ وإنّما بقانون فينومينولوجيّ (ظاهراتيّ)، حيث بُنى الإدراك الحلميّ تتعارض والإدراك الواعي. لنقـل إذن إنّه مثلما تـتـبـدّد صور الحلم ومعها “الفضاء” الذي كان يضفي عليها هيئة، حالما يتحوّل الرّسم الجسميّ، وينشرخ استقلاله بذاته، بأوّل خروج من الذّات يضع المستيقظ في وضع تمكّن أو وعي، فإنّ كتابة هذا القصص إذ تعـبُر من خطاب شفهيّ إلى خطاب مكتوب، يمكن أن تكون هي أيضا فعل تبديد أو مراوحة بين معـنى للحبّ ينشده العاشق، ومعـنى يؤدّيه كاتب القصّة، فلا يكون لصورة الأوّل نفس البنية التي لصورة الثّاني.

لهذا لم أشغـل نفسي كثيرا بالتّدقيق التّاريخيّ ولا بـ”واقعيّة” هذا القصص، فشتّان بين قصّة مضاض ومي، أوعروة وعفراء أوعنترة وعبلة في صيغتها الشّفويّة “الجاهليّة” التي نجهل عنها كلّ شيء، وصيغتها المكتوبة أو المدوّنة في العصور الإسلاميّة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍. ولن يكون بميسورنا أبدا أن نخلص إلى القصّة في أصولها الشّفهيّة أو أن نستردّ هذه الأصول قبل أن تطولها الكتابة وتلوي عليها. وإنّما حاولنا أن ننظر إلى هذه القصص التي دوّنها العرب المسلمون، في ضوء “جديد”، آخذين بالاعتبار آصرة القربى بين الذّات وخطابها، وهي التي تقتضي منّا التّمييز بين الذّات العاشقة وشخصيّة العاشق. ولكن دون أن يستتبع ذلك الفصل بينهما كلّ الفصل، وبحثنا مسوق في جوانب منه، إلى الاستئناس بسيرة هؤلاء العشّاق، واستقراء أخبارهم والوقوف على الــتّـأثّرات التي ألمّت بهم، والإلمام بأحوال عصرهم. فقد يكون ذلك من مستلزمات فهم قصص الحبّ عند العرب، إذ لا مفرّ من وجود علاقة زمنيّة مكانيّة بين هؤلاء العشّاق وقصص عشقهم.

فلم أكن بالذي يتجافى عن الشّخصيّة ـ وليس لها من حقيقة في هذا القصص سوى الاسم (مرقــّـش الأكبر ـ عبدالله بن عجلان ـ هند بنت النّعمان ـ عنترة وعبلة ـ وضّاح اليمن ـ جميل بثينة…) ـ ولا يرتضي أيّ جهد في وصف البيئة أو هو يمرّ بها لماما، عسى ألاّ أنكر على البيئة نصيبها، وأجحف بحقّ هذه القصص، وبدلالتها وقيمتها ومزيّتها.

وباختصار، فإنّ ما يعــنينا من هذه القصص رؤية العرب للحبّ. فلم يكن في ثقافتهم مجرّد حالة أو عاطفة جيّاشة أوأهواء وتباريح تشطّ بها النّفس ويحترق الوجدان، على نحو ما نجد في كثير من الأغاني الرّائجة عندنا اليوم. إنّما هو مفهوم يتـكفـّـل بتجريد العلاقة الإيروسيّة من فساد الموروث البلاغيّ الذي يراكم على الحبّ صورا تفاوت بين الرّجل والمرأة، وتذهب بعمقه الأنطولوجي. ونعـني بالأنطولوجي ما تزخر به هذه القصص من لحظات تتكثـّـف فيها حالة الحبّ حيث يضاعف الإنسان وجوده بوجود آخرلا مثـيـل له إلاّ تجربة الموت،على ما يبدو. وما أسرع الموت إلى هؤلاء العشّاق، عشّاق العرب،كما نرى في غير قصّة من قصصهمم.

ونعـني بالمفهوم المراس المعرفيّ حيث الحبّ تفكير في ما يفعله بنا وبه الزّمان. حيث الحبّ يخاف على نفسه من فعل الأبديّة به، فيحاول أن يلتفّ عليها قبل أن تلتفّ عليه. حيث الحبّ رغبة في الآخر يستوي مرآة يتعـرّف فيها المحبّ إلى ذاته، ويحصّـل وعيا بمشروطيّة الآخر لهذه المعرفة، رغم غيريّة هذا الآخر. أي هو يحصّـل وعيا بضرورة الآخر له. وقد لا نماري في أنّ غيريّة الآخرـ على ضرورتها ـ هي مصدر شقاء الحبّ في كثير من هذه القصص، أو شقاء الضّرورة، بعبارة أهل الفلسفة. وتلك على ما نرجّح، مفارقة الحبّ /المعرفة في تبسيط مشطّ لاريب!

من الظّواهر التي تسترعي انتباه القارئ في هذه المدوّنة أنّ القصص هي نفسها أو تـكاد، يتناقلها لاحق عن سابق، وخلف عن سلف، دون أن يأبه ـ على مايبدو ـ للانقلابات الحاصلة في هيئة كلّ زمان ومكان. وكأنّ أمر هذا القصص من أمر الشّعر عند العرب، فهو يبني حضورا زمنيّا كليّا، فيثبّت زائلا ويحوّل عابرا أو غابرا إلى حال أو ديمومة. وقد لا يستغرب ذلك في ثقافة ظلّ أساسها ـ على شيوع الكتابة وذيوعها بنسبة أو بأخرى ـ النّقل والحفظ والانتماء الحميم إلى المعروف المتداول. وفي هذا ما يدفع إلى التّساؤل إن كانت هذه القصص تنضوي إلى نمط أدبيّ واحد أم إلى أنماط أدبيّة متعدّدة؟ أهي محكومة بسياق دلاليّ واحد أم هي تصل تماسّا ومجاورة، بين أجواء دلاليّة متنوّعة؟

إنّ أكثر هذه القصص تكاد لا تنفكّ عن صورة استعاريّة كبرى: صورة الذّات العاشقة التي تعاني من وطأة عالم ثقيل أعمى، لا طاقة لها على تحمّـله، أو صورة الزّمن المكابد الذي يرتسم في صورة حسرة وحنين وذكرى، حيث تبتلى الذّات وتعـرب عن سريرتها باعتبارها ذلك الجزء من الفرد الذي لا سلطان له عليه، والذي يكله إلى نفسه عاجزا،على نحو ما نجد في قصص الحبّ البدوي (عروة ـ المرقّش ـ عبدالله بن عجلان ـ جميل..)، وهذا لا ينفي ولا يطمس صورة أخرى لذات لها “سيولة” ملفوظة تناسب “أنا” عاشق قُدّ بشكل مختلف. فثمّة “ذات” تجعـل من الحبّ عالما داخليّا مغلقا تـلجه لتجد نفسها أو لتستكشفها. وثمّة ذات منبسطة في قصص الحبّ الحضري تنظر إلى الخارج، وتتجمّع على قدر ما تتجرّد في وعي تـنوّعها.

على أنّ ما يسترعي الانتباه حقّا في قصص الحبّ البدوي أو العذري، أنّ أسلافنا ـ على احتفال تراثهم بالحبّ ـ لم يعرفوا الحبّ كما نعرفه. فقد تعاملوا مع جسد المرأة من حيث هو جسد مشطور، نصفه الأعلى للعاشق ،ونصفه الأسفل للزّوج:

وللحبّ شطر مطلق من عقاله / وللبعل شطر ما يرام منيع

ومن ثمّ كان من الجائز عندهم أن تكون المرأة زوجة مخلصة لزوجها، وعاشقة أو معشوقة وفيّة لعاشقها أو معشوقها في ذات الآن، دون أن يستتبع ذلك أيّ شعور بالإثم، سواء عندها أو عند زوجها أو عشيقها‍‍‍. وكأنّ المرأة ليست إلاّ هذا”الثّالث المرفوع” بعبارة أهل الفلسفة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This