العظاءة

مع أنّ فيلم “العظاءة” الشهير أنتج في إيران وعرض فيها قبل عدّة سنوات، فإنّ تهافت الناس على هذا الفيلم بعد الاحتجاجات الأخيرة، وخروجهم إلى الشارع مندّدين بسياسات الدولة، وسخطهم على دور رجال الدين وتمسّكهم بمقاليد الحكم، أعاد هذا الفيلم إلى الواجهة مرّة أخرى. بحيث يعرّض تداوله على الأقراص المدمجة إلى السجن. إذا ما قصة هذا الفيلم؟

فيلم “العظاءة” فاز بلقب أفضل فيلم سينمائيّ وحصد معظم الجوائز في مهرجان طهران السينمائي الدولي في شباط (فبراير) 2004، كجائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل ممثل وكذلك جائزة المتفرّجين، وهو من الأفلام الكوميدية والمضحكة ذات المواصفات الفنية السينمائية الجيدة دون أن يكون فيلما فلسفيا عميقا. ولهذا أحبّه الجمهور الإيراني، خاصة أن الفيلم وضع يده على موضوع حسّاس لم تتطرّق إليه السينما الإيرانية من قبل، إمّا بسبب قدسية علماء الدين قبل الثورة الإسلامية أو بسبب سلطتهم بعد الثورة.

إنّ إقبال الجماهير الإيرانية على فيلم العظاءة هو بسبب خلفيات سيكولوجية وسياسية للموضوع، فيجب الانتباه إلى هذه المسألة المهمّة. فعلى مرّ التاريخ في الثقافة الإيرانية لم يكن هناك انتقاد جادّ وجذريّ لمؤسسة رجال الدين، ما عدا بعض الإشارات في قصائد حافظ الشيرازي وعمر الخيام، اللذين لم يكملا كلامهما وتركا مشروعهما ناقصاً.

الطوابير الطويلة التي اصطفّت أمام دور السينما في طهران والمحافظات الأخرى، لمشاهدة العظاءة كانت تنوي مشاهدة فيلم كوميديّ للصّ تحوّل إلى عالم دين وهو ما يزال يحمل معه طبائع ابن الشارع واللص في حديثه وسلوكه اليومي. ويبدو أنّ الناس أرادوا أن ينفسّوا عمّا يجري في نفوسهم إزاء شريحة اعتبرت شريحة مقدّسة عبر تاريخ المذهب الشيعيّ في إيران.. ويريدون فصل الدين عن المجتمع والسياسة والتعليم… ولم يعودوا يصدّقون أقوال هذه الفئة ولا الجنّة ولا النار! إذ يعيش الكثير من الناس على خطّ الفقر ويرون أنّ فئة رجال الدين هي المسؤولة عن هذا الوضع. صحيح أنّ الإيرانيين يؤلّفون النكات حول علماء الدين في بيوتهم وفي اجتماعاتهم العائلية أو في أماكن عملهم، لكنهم لم يتجرّؤوا على أن يطرحوها في الصحافة أو الإعلام.

{{ خلاصة قصة الفيلم :}}

رضا مثقالي معروف بالـ«العظاءة»، لشدّة شيطنته وسلوكه في الغشّ وخداع الناس والشرطة ومهارته في تسلق الجدران، لذلك وشم صورة لعظاءة على ذراعه، ويتميّز أكثر أصحاب السوابق في إيران بألقاب كهذه… يقع هذا اللص ضحية خداع لصوص هواة حيث يشاركهم في سرقة مسلّحة هي الأولى له، ولكن عندما يتسلّق الحائط يُضبط وبإطلاق رصاصات يسلّم نفسه، وبعد محاكمة يتمّ الحكم عليه بالحبس المؤبّد…لا يريد رضا تمضية محكوميته في السجن حتى مماته فيقرّر الانتحار، لكن تأتيه فرصة، إذ يتراهن مع آمر السجن على أن يتسلّق الجدار وينقذ حمامة عالقة بين الأسلاك الشائكة، غير أنّ آمر السجن يدرك نيّته بالهروب فيفشلها… ينفّذ رضا تصميمه على الانتحار ويجرح ذراعه. في السرير المجاور لسريره في المشفى نتعرّف على رجل دين، اسمه رضا أيضاً، يتداوى، يقوم بينهما حوار. في الحوار يقول اللص إنّه لا يعتقد بالجنّة والنار، ويضيف أنّ مثل هذا الكلام ما هو إلاّ حيلة من قبل رجال الدين لخداع الناس، ولكنّ رجل الدين الحقيقيّ الوحيد الموجود في الفيلم يجيبه بابتسامة ورحابة صدر، بل يقرأ له مقاطع من قصة الأمير الصغير لسانت دو إكزوبري! ويقول إنّه بعدد سكان الأرض هناك طرق للوصول إلى الله… وبعد أيام عندما يحين وقت إعادة اللص إلى السجن تبدأ إحدى نقاط ضعف الفيلم، إذ ينزع رجل الدين زيّه ويذهب إلى الحمام لكي يغتسل ولكنه لا يفعل، بل يقوم بالصلاة والمناجاة! مذكّراً إيانا بالقسّ المتسامح في قصّة البؤساء لفيكتور هيغو. فتواتي رضا العظاءة الفرصة ليسرق الزي ويخرج تحت أنظار الحارس الذي يقف احتراماً له، لأنّ هذا الحارس ضعيف البصر أرسله آمر السجن لمرافقة بطل فيلمنا بعيد محاولة انتحاره!… وفي الشارع لم تقف أيّ سيارة أجرة لرجل الدين وهذه هي إشارة خفية لعدم محبوبية رجال الدين بين الناس.. وأخيراً تقف له بعد محاولات كثيرة إحدى سيارات الأجرة، ولكنّ سائقها الشابّ لم يتوقّف حبّاً أو احتراماً له، وإنما لأنه يريد الدخول إلى شارع ذي اتجاه واحد، من الاتجاه المعاكس، فيلجأ إلى فكرة أن يُركب معه في السيارة رجل الدين الواقف في الشارع هذا، تهرّباً من محاسبة شرطيّ المرور… يأتي مأمور المرور ولمّا يريد تغريم السائق يبادر هذا الذكيّ والظريف بالقول : “اعذرني ولكن الحجي مستعجل!” ولما ينتبه المأمور إلى وجود رجل دين في السيارة يتذرّع بأنّه مستعجل أيضاً ويسمح للسائق بالمرور من هذا الشارع… ولما يصل السائق مقصده يطلب من اللصّ المتقمص شخصية رجل الدين أن ينزل ويتخلّص منه…

يريد حجة الإسلام أحمدي، أو اللص السابق، الهروب من البلاد فيسافر بالقطار قاصداً مدينة حدودية صغيرة… في القطار ثمّة عقيد في الشرطة وبضعة رجال شيوخ وامرأة وصبية شابّة، يطلبون منه أن يكون إمامهم في الصلاة، هو الذي لا يعرف الصلاة أبداً! فيقيم صلاته هامساً متمتماً وهذا المشهد هو أحد المشاهد المضحكة في الفيلم. ولما يصل البلدة الحدودية يشتبه الناس بكونه إمام جامعهم الذي كان يجب أن ترسله الحكومة! – تماماً كأحد أفلام آنتوني كوين – وفي هذه البلدة النائية يتعرّف على الناس، ومن بينهم شابّان من طلاب المدرسة الدينية يبدوان ساذجين لا يعرفان شيئاً من الأحكام الإسلامية ويطرحان أسئلة كثيرة بعيدة عن الدين. وفي أحد المشاهد نرى أحد الشابين يختلي بصديقته ويكلف الآخر بالحراسة خوفاً من الفضيحة. يمرّ إمام الجامع من هناك مصادفة فيسأله المكلّف بالحراسة أسئلة أخرى، ولكنّ بطلنا ينتبه للشاب والفتاة، فيبرّر الطالب الديني سلوكهما بأنهما يريدان الزواج ولكن أهليهما يعارضون هذه الزيجة، فيقول له الإمام المزيف «امرحا ولكن لا تسرفا»! وهنا يعرض الشاب بأنه قد أحرق يده بالسيجارة كي لا يدخن ولكنه لا يستطيع التوقف عن التدخين وأنه، أيضاً، وبضغط شديد من والده يحفظ القرآن ويدرس العلوم الدينية وهذا كله ليس من رغبته. وهنا يضيف الشاب الآخر المكلف بالحراسة من أسئلته العقيمة المضحكة مثل كيفية الصلاة في القطب الشمالي رغم طول النهار والمساء هناك، أو إذا لامس رجل جسم امرأة في الفضاء ماذا سيكون الحكم الشرعي؟!.. بعد فترة يسمح الإمام الجديد بأن يكون هناك غناء في الجامع لكي يأتي الناس إلى الجامع ويصلون، وهكذا تنجح الخطة حيث يقول هو في لقطة «سيدفعون حشد الناس إلى الجنة بشدة بحيث سيخرجون من الجانب الآخر للجحيم!… وأخيراً تفشل محاولة رضا العظاءة للهروب من هذه المدينة التي لا تبعد عن الحدود غير خمس كيلومترات، بعد إلقاء القبض على مزوّرة الجواز ومجيء مأموري الشرطة إلى الجامع لإلقاء القبض على الإمام المزيّف. فيقوم رضا العظاءة بتسليم الزي إلى صبي ويقول: «هذا الزي يغير الإنسان»، وتنتهي القصة نهاية غامضة..

ويعود نجاح فيلم العظاءة إلى قصته أو بالأصحّ إلى السيناريو. والفيلم مملوء بالكنايات والمزاح، وهذا ما يريده المتفرّج الإيراني، حيث تعب من لعبة السياسة وقد تملكه اليأس والإحباط. من ميزات الفيلم الأخرى أنه يملك إيقاعاً لا يُتعب المتفرج بل يجعله يستمرّ معه حتى النهاية..

يبدو أنّ تمرير أيّ فيلم من تحت أنظار الرقابة الصارمة لوزارة الإرشاد الإيرانية وعرضه على الشاشات – رغم أنها حذفت بعض الحوارات والفقرات، التي يبلغ طولها مجتمعة حوالي نصف ساعة من هذا الفيلم – يبدو أمراً غريبا في بلد لا يسمح القانون حتى للصحافة الساخرة أن تتطرّق إلى علماء الدين، حيث لا يحقّ لها أن تمزح معهم، لا برسم زيهم ولا بكتابة الطُرف أو النكات عنهم.

بسبب تنكّر لص في زيِّ رجل دين وتقمّص شخصيته – ممّا يعتبر من التابوهات في إيران الإسلامية – تحوّل الفيلم إلى موضوع للنقاش تناقلته فئات عريضة من المجتمع الإيراني؛ من العائلات البسيطة إلى علماء الدين البارزين ومراجع التقليد، وسجّل رقماً قياسيا في مبيعات الأفلام عبر تاريخ السينما الإيرانية منذ نشوئها قبل أكثر من نصف قرن، حيث وصل مبيع التذاكر في الثلاثة أيام الأولى إلى حوالي مائة وخمسين ألف دولار أميركي. وانتقدت الصحف المتشددة في مقالات عدة لها خلال أيام متتالية هذا الفيلم والمسؤولين في وزارة الإرشاد، بمن فيهم الوزير الإصلاحي أحمد مسجد جامعي، في ذلك الوقت، لسماحه بعرض هذا الفيلم. وتعرضت إحدى دور السينما، التي كانت تعرض (العظاءة) في مدينة رشت – شمالي إيران- إلى هجوم عناصر متشددة ومنع عرضه في بقية المدن والمحافظات. وقد أثمرت جهود الصحف ووسائل الإعلام المتشددة في تأليب أكبر عدد ممكن من علماء الدين وأتباعهم ضد الفيلم، لإيقاف عرضه في المدن والمحافظات الأخرى كمشهد – مركز محافظة خراسان، شمال شرقي إيران – وأخيراً العاصمة، إذ أعلن مخرج الفيلم كمال تبريزي بأنه سيتمّ سحب الفيلم من جميع دور السينما خلال أسبوع دون أن تصدر فتوى دينية أو حكم قضائي ضدّه.

رغم ترحيب الجماهير الإيرانية بالفيلم، فإنّه أثار ردود فعل متباينة بين علماء الدين أنفسهم، مع العلم بأنّ معظمهم طالب بمنعه؛ إذ عارض آية الله أحمد جنتي – الرجل القوي في معسكر المحافظين والأمين العام لمجلس صيانة الدستور – الفيلم دون أن يشاهده قائلا: إنه فيلم سيّئ جدا، فرغم عدم مشاهدتي له لكنه، وفقا لما نقلوه لي، يلقّن أشياء سيّئة ويجب منعه. «إنه فيلم مسيء»، أعلن ذلك الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي السابق حجة الإسلام حسن روحاني بعد مشاهدته (العظاءة)، وأعرب عن أسفه لإنتاج وعرض هذا الفيلم قائلا: حتى في عهد الشاه، الذي كان عدوّاً لعلماء الدين، لم يتجرّأ أحد على إنتاج فيلم مسيء كالعظاءة… وقال بعضهم : إنّ الفيلم لا ينوي الإساءة لعلماء الدين لكنه يعرض المشكلة الخاصة باستغلال زيّ علماء الدين..

ويؤكد العديد من المحللين أنّ أي نقد لشريحة علماء الدين لن يؤدّي إلى أيّ تغيير في نظرتها لنفسها ولسائر الشرائح الاجتماعية وعملية الديمقراطية بشكل عامّ، إن لم يأت من داخلها، أي من بين علماء الدين أنفسهم.
بعد نجاح كمال تبريزي في إخراج فيلم «ليلى في صفي»، لم يعمل إلاّ لماماً في إخراج أفلام كوميدية، ربما كان ذلك بسبب انشغاله في إخراج مسلسلات تلفزيونية أو أفلام من نوع آخر كالـ«مفتون». إنّ تبريزي ذكيّ جداً، طبعاً، بحيث ينهي كلا الفيلمين، يعني العظاءة وليلى في صفّي، بحيث لا يزعج أحداً، إذ أنّ نهايتيهما غامضتان!

بخلاف الأفلام الكوميدية الأخرى، التي ليست لها قصة بل تعتمد التهريج، فإنّ فيلم «العظاءة» لديه كلام مستتر. إنّ السخرية الموجودة في القصة تركيب من سخرية كلامية وزمان طرحها؛ حيث نرى مزاحاً ونكات جنسية ممزوجة بكلام رجل الدين الطنّان قام كاتب السيناريو بتلطيفها.

إن مستوى الإنجاز الفني والتقني مرضٍ جداً ويستطيع المرء أن يستسيغه. ويقوم الممثل الأول، پرويز پرستويي، بحمل العبء الأكبر بتمثيله الرائع. إن تمثيل دور رجل دين في إيران من الأدوار المهمة والحساسة، ونادراً ما تتوفر فرصته في السينما الإيرانية… ولكن كل من استطاع تأدية هذا الدور ببراعة خلّد نفسه في تاريخ السينما وقلوب الناس.

لرضا العظاءة وجهان بارزان؛ أحدهما ذاته السليمة واعتقادات الفتيان، وثانيهما النصب والاحتيال. ولإثبات ذلك يكفي أن نرى المقطع الذي يقوم البطل فيه بتسلّق الجدار كي يخلص الحمامة من الأسلاك الشائكة، وكلامه، وطريقة تعامله مع الناس. إذاً فالملابس ليست إلاّ وسيله لتحقيق هدفه أو تمنحه هوية جديدة يذوب فيها. ولكن هذا التحول ليس فجائياً وعرضياً حتى نقول إنه مزيّف والأصح كاذب. بل هذا التحول هو تحول ثنائي الاتجاه يعني: كما أن رضا العظاءة يتعرّض للاستحالة فإنّ هوية رجل الدين، أيضاً، تتأثر بالسلوك المتسامح والساذج لشخصية اللص، بحيث أن الكلّ يأمل أن يكون لديه هكذا إمام.. رجل دين متسامح في أحكام الشرع وأصول اعتقاد الناس، ويؤمن بأنّ ثمة، بعدد سكان الأرض، توجد طرق للوصول إلى الله.

إن فيلماً كهذا لن تكون له أيّ ذاكرة تصويرية، لأنّ المخرج «تبريزي» أعدَّ المشاهد بسيطة جداً وقليلة التكاليف لكي يجعل البطل هو الوحيد الذي يُرى، ذلك أنه أراد أن يكون كلّ ثقل الفيلم على أكتافه، ويجعله أرضية الفيلم وموضوعه، بحيث تستحيل القصة في شخصيته حتى يتغيّر اللص. وقد تمكّن پرستويي أن يؤدّي دور رضا العظاءة بجدارة ولكن بحذر شديد.

والمقاطع الأخيرة من الفيلم مؤثّرة، لأنّ التحوّل الذي أثّر في اللص السابق بعد أن عاش في زي رجال الدين، جعله يتحوّل إلى شخص يفكّر ويعيش مثلهم. وعندما يأتي مأمورو الشرطة إلى المسجد كي يقبضوا عليه، بعد إلقاء القبض على مزيّفة الجوازات واعترافها بحاجة إمام القرية إلى جواز مزيّف، يعطي بهدوء وتأمّل وبأسى، ممّا يبين لنا مدى تأثره، العمامة والعباءة والقباء إلى صبيّ، هو رمز البراءة، ويقول، في لقطة هي أشبه ما تكون بأداء طقوس دينية وروحانية، وبمظهر شخصية أسطورية مقلداً فيه الأبطال، للصبي: “هذا الزي يغيّر الإنسان “.

وما ينقذ الفيلم من أن يكون فيلماً كوميدياً بسيطاً وهجاءً فارغاً هو مهارة الكاتب، پيمان‌ قاسم‌ خاني، في خلق‌ لحظات‌ مضحكة. مع أنّ پيمان‌ قاسم‌ خاني يستهدف بنظرة كوميدية الموقع‌ الاجتماعي لفئة رجال الدين، لكنه هنا يعرض مدى براعته إذ لا يتجاوز الخطوط الحمراء كما أُشيع ولا ينتهك المقدسات – وهذه هي ذريعة الرقابة لمنع عرض الفيلم بعد ما شاهده أكثر من ربع الشعب الإيراني في دور السينما – بل‌ إنّ التحطيم الظاهري للتابو ما هو إلاّ غاية لتقوية وتمتين أركان ‌نظام القيم السائدة.

يقوم أساس‌ العمل في سيناريو فيلم العظاءة على عنصر التحول والاستحالة، العنصر الذي، برغم ذاته‌ المتناقضة‌ في تكوين وخلق الجاذبية‌ والارتباط مع المخاطب‌، كان ناجحاً دائماً.

قصة العظاءة، المبنيّة على أساس شخصية بطلها، تبتدئ سريعاً؛ رضا مثقالي‌ الذي عليه أن يستحيل شخصاً آخر: اللص المحكوم بالحبس المؤبد والذي بارتداء‌ زي رجال الدين والاضطرار إلى تأدية بعض الأعمال والابتعاد عن بعض السلوك في أرضية الحوادث الكوميدية عليه أن يتغيّر إلى رجل صالح… يحاول پيمان‌ قاسم‌ خاني‌ أن ينتقد الآراء والاعتقادات الرجعية السائدة في المجتمع، ولكنّ انتقاداته لا تتجاوز الإشارة إلى العلائم الخارجية ويتوقف في مستوى مزاح ونكات اعتياديين.

وما يقال من أنّ الأفراد المختفين وراء المنتج أو المنتجين المشاركين هم من قاموا بالإشاعة السلبية لفيلمهم وتحريض رجال الدين لتوقيفه يبدو صحيحاً، حيث قامت جهة مجهولة بتكثير هذا الفيلم على الأقراص المدمجة وحتى أشرطة فيديو بأسعار تتراوح ما بين العشرين دولار وأربعين دولار، وقامت بتوزيعها حتى وصلت نسخ كثيرة منها إلى أميركا مع ترجمة إلى الإنجليزية!

والملفت للنظر هو اللحن التركي المهموم وموسيقى الفيلم العالية التي تغطي الأغنية؛ إنها مثيرة جداً. ولا ننس الحمامة التي تجلس وحيدة في رأس الزقاق بعد إلقاء القبض على مزورة الجوازات (عذار)، أو الصبي الصامت في نهاية الفيلم الذي يجعل المراقب الصامت يتداعى إلى الأذهان.

نستطيع أن نوجز ما جاء به الفيلم فنقول إنه: أولاً القصة الجميلة ذات الحبكة المنسجمة والاستفادة الصحيحة من السخرية مما رقى بالفيلم إلى مستوى الأفلام الممتازة، وثانياً تمثيل پرويز پرستويي الرائع والمميز، وثالثاً الجوّ الملتهب، المنكمش، المحبط، الباعث على اليأس والمغموم للمجتمع، ممّا يجعله يحتاج بشدة إلى الفرح والمرح والمزاح والضحك.. والحوار الجميل والعميق في بعض اللقطات مثل قول آمر السجن لرضا العظاءة «أنا أعتقد أنك رجل جيد… أصلاً كلكم جيدون» ويستغرب اللص من هذا الكلام المؤثر فيجيبه «أروح فداك»… المونتاج، وأخيراً اقتراب الفيلم من التابو، والخطوط الحمر، والمناطق الممنوعة ولا نقول تجاوزه إياها، إذ لم يقترب أحد هذا القرب في غير الهمس والإشارات الخفية في البيوت أو محافل الأصدقاء، ما عدا احتجاجات الطلاب في جامعة طهران عام 1999 التي قمعت بعنف شديد. طبعاً، نستطيع القول إنه في فضاء الثاني من «خُرداد» (23 مايس 1997 حين انتخب خاتمي للرئاسة وعرف الشعب الإيراني بالمصطلحات السياسية الممنوعة كالمجتمع المدني والخ…) تبدّل الجوّ إلى حدّ ما بعد القمع والإرعاب الشديدين؛ حيث أقبل الناس متلهّفين على شراء الصحف الإصلاحية، التي كانت لسان حال الشعب المذعور اليائس، رغم لعبة إغلاقها من قبل القضاء المتشدد.

يقول المخرج كمال تبريزي في إحدى مقابلاته: «هذا الفيلم يريد قبل أن يكون وسيلة للمصالحة بين الناس ورجال الدين، أن يقدم اقتراحات وينتقد دور هذه الفئة (رجال الدين) لإصلاحها. يريد أن يقول إنّ أهمّ عنصر، لتقوية هذه الفئة وجعلها محبوبة، هو أن تكون على أرضية الشعب ومدعومة من قبله، وعليها أن تراقب المسافة بينها وبين الناس…».

فيلم العظاءة هو فيلم مفاجئ من كل الجوانب، لأن الكلّ قد تصوّر أنه تجاوز الخطوط الحمراء بجسارة، ولكنّ الأمر لم يكن هكذا حقاً؛ مع أنه استطاع أن يمسّ الفئة المحرّمة والبعيدة والتي تملك كل الأمور في البلاد؛ فئة رجال الدين.

في الحقيقة لم ينتهك هذا الفيلم قداسة زي «الروحانيون» (رجال الدين) بل إنه يصبّ في خانة جعلهم أكثر تقديساً، وكذلك جعل الزيُّ غايتَه صناعة الأخيار ومعرفة الذات وهداية لص من ذوي السوابق، بحيث يغيره جذرياً.

إن الشخصية الحقيقية لرجل الدين الوحيد في فيلم العظاءة هي لرجل الدين الغامض في المستشفى والمحاط، ويا للغرابة! بهالة من القداسة والروحانية بحيث يشتبه المتفرج بكونه ولياً من أولياء الله أو أحد الأنبياء، وبالأخص سيّدنا الخضر! إذ يكون هادئاً جدّاً ورزيناً ووسيماً ويتكلم بكلام متين وبرزانة ولا تفارقه الابتسامة أبداً، وتكون هناك موسيقى شجيّة وروحانية في إطار الزهد والسلوك الإنساني والمتسامح والبعيد عن التعصب والتشدد وضيق الأفق وبظاهر روحاني، إذ أنه يقرأ كتاب الأمير الصغير ويتألّم من وحدة الناس وعندما يصلي يمتلئ الجوّ من نور الله بحيث يوشك المحراب أن يصرخ !

وأخيراً نقول: إنّ فيلم العظاءة يصبّ في اتجاه سياسات نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو جزء من مشروع الإصلاحات من أجل إطالة عمر هذا النظام. وما يؤيّد هذا الكلام هو رفض سيناريوهات محسن مخملباف وبهمن فرمان آرا الجديدة من قبل وزارة الإرشاد الإصلاحية والمتسامحة، حيث يطرح هنا سؤال جدي: إذا كان «العظاءة» فيلماً ضدّ دور رجال الدين، إذاً لماذا لم يمنع من قبل الرقابة ولم يمنع عرضه إلاّ بعد ما شاهدته أعداد غفيرة من الناس في أفضل أيام العطلات، يعني أيام عيد نيروز والتي تستمر أسبوعين، وبعد ضجّة مفتعلة كان يمكن أن تمرّ بسلام لولا أنّ جهة مجهولة آثرت أن تفتعلها كي تقوم بدورها في بيع النسخ المحرمة في السوق السوداء؟

الهدف الرئيس من صنع هذا الفيلم هو تبرئة ساحة النظام ورجال الدين وإلقاء مسؤولية فشل تطلعات الشعب على رقبة بضعة رجال دين ولكن الناس – المتفرجين – أخذوا فكرة معكوسة ومغايرة تماماً عن آمال منتجي الفيلم، حيث انتبه هؤلاء فقاموا بجمعه وتوقيف عرضه، بموافقة المنتج – منوتشهر محمدي الذي أحال إدارة الفيلم وملكيته لوزارة الإرشاد كي تتصرف به كما تشاء.

{{ المشخصات :}}

نوع الفيلم : اجتماعي / كوميدي
الوقت : 115 دقيقة

مشخصات أخرى : ملون، 35 ميليمتر

المخرج : كمال تبريزي

كاتب السيناريو : قاسم پيمان خاني

المنتج : منوشهر أحمدي

مدير التصوير : حميد خضوعي آبيانه

المونتاج : حسين زندباف

الموسيقى : محمد رضا عليقُلي

مصمم الأزياء والديكور : فرهاد ويلكيجي

المكياج : مجيد إسكندري

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This