العقل السكولاستيكيّ

لمهمّة الأولى والأساسية للعالِم هي البحث عن الحقيقة اليقينيّة وكشف الأخطاء وتفنيد الأوهام والكذب والزيف. وهذه المهمة مشروعة ومبرّرة نظرا إلى أن التناقض موجود في الكون، والأطروحة لها من يؤيدها ومن يعارضها وكل من الخصوم يزعم قول الأشياء كما هي. العالم ينبغي عليه أن يختار أيها الأصح، بتمييز الصواب من الخطأ والحقيقة من الوهم عن طريق البرهان العقلاني. هذه من البديهيات اليقينية، ولكنها تغدو نافلة وغير مشروعة إن جُحدت التناقضات، ورُفض وجود معايير ثابتة للتمييز بينهما، أو وَقع تنسيب كل المقاييس وإفراغها من دلالتها الموضوعية الشاملة.

  النشاط النظري الاستكشافي البحت لا يقبع خارج مجال الحياة الفعلية، لأن الذات العارفة ليست بكِيَانٍ مستقل عن التشريطات الاجتماعية واللغوية التي تُؤطرها في جميع إنتاجاتها النظرية وخياراتها العملية. فالإدعاء بالتعالي أو البحث عن الموضوعية المطلقة، أو الطموح لتحديد إطار مرجعي ثابت، هي من أوهام العقل السكولاستيكي كما يقول أركون. ما العقل السكولاستيكي؟ إنه عقل الوضوح والتميّز؛ العقل الذي لا يَركُن أبدا للتناقضات، أي العقل السَّويّ الذي يطرح الإشكالات الجدّية ويَجمع المعطيات بدقّة ويحلّلها، ثم يحاول استخلاص النتائج وتقديم الحلول. والغاية التي يصبو إليها ـ دون أن يَخجَل من ذلك ـ هي بلوغ الحقيقة لذاتها.

هنا تكمُن بالتحديد رذيلته، ذلك لأن هذا العقل الحسابي، تقتصر مهمّته، حسب أركون، على « التبحّر الأكاديمي وتراكم المعلومات، ويَنسى أركيولوجيا المعرفة وتعرية المسلمات الضمنية الخاصة بكلّ خطاب بشري[1]». السؤال هو مِن أين استمدّ أركون هذه التسمية التحقيريّة لهذا الصنف من العقل؟ مِن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: « وأما بيير بورديو فقد راح من جهته ينتقد ما دعاه بالعقل السكولاستيكي[2]».

من المُرجّح أن أركون قد قرأ أطروحة السوسيولوجي بورديو، في كتاب “تأملات باسكالية” (Méditations pascaliennes)، وهذا الكتاب إن تمَعنّا فيه بعَين ناقدة،  ليس إلاّ بيانا ضد العقل التنويري والفلسفة. والأمر لا يقتصر على هذا الكتاب ،فإن بورديو كان قد عرض رأيا مماثلا في مؤلف له حول هايدغر ممّا أحرج الفلاسفة وأثار فيهم بعض الشكوك والتحفظات. ففي مراجعة لكتاب بورديو “الانطولوجيا السياسية لهايدغر” يقول غدامير: « إن أي قارئ فلسفي، يستطيع أن يلاحظ فقط بشيء من الذهول أو الامتعاض أن كل ما كان يعتبره مسائل تخص المعرفة والحقيقة، والتي لأجلها يشتغل في مجاله الأكاديمي، تغدو في نظر هذا السوسيولوجي، أشياء دون أيّ مضمون خاص، أيّ موضوع وبالتالي لا تمتلك أية حقيقة ممكنة. يبدو أنّ الفلسفة، في عيني بورديو، تمثل نوعا من الخدعة الروحية التي تحاول تبرير وجودها كما لو أنها مؤسسة اجتماعية جديرة بالتشريف». ويقول غادامير بأن تصوّرا للفلسفة من هذا القبيل هو نوع من “الكاريكاتور (Karikatur)”.

الأطروحة المركزية التي عرضها بورديو في التأملات الباسكالية، معروفة جدّا ورائجة في الساحة الثقافية الفرنسية، وقد ردّدها فوكو في مواضع عديدة من كتبه، ألا هي غياب الشفافية العقلانية في أيّ صنف من أصناف الإنتاج المعرفي؛ ذلك لأن الوعي المتجرّد، الذي يلوّح به الفلاسفة، هو محض ادّعاء، إن لم يكن وهما باطلا. وكسوسيولوجي فإن بورديو قد اعتبر كل فعالية نظرية مشروطة بثلاثة أنواع من التقييدات التي تطال الذات والموضوع: المكانة الاجتماعية التي يتبوّؤها الفرد، والسبل المؤدية إليها، والانتماء إلى جنس ما، بالإضافة إلى المعتقدات الخاصة، يعني معتقدات فلسفية ـ دينية، من حيث هي مسلمات مخصوصة بالمجال الذي يتحرك فيه المُفكر، وأخيرا الآراء المسبقة التي تُهيكل بادئ الرأي (doxa) والمرتبطة بالسكولا، أي بأوقات الفراغ[3]. العالِم الذي يدّعي الحياد والتبحّر الموضوعي هو في غير وعي منه بالتشريطات الخارجية التي تقيّده. لقد حدس باسكال هذا الوهم وتفطّن إلى “حقيقية” أننا « آلة بقدر ما نحن عقل. وهو السبب في أن الأدَاة التي يحصل بها الاقتناع ليست بالإثبات الوحيد. فما أقل الأشياء المُثبَتة! إن البراهين لا تقنع إلاّ العقل. لكن العادة تصنع أكثر البراهين تصديقا وقوّة؛ فهي تُمِيل الآلة وهذه تجرّ العقل دون أن يفكّر[4]». إن أقوال باسكال، حسب بورديو، تُنبّهنا إلى الفارق، الذي يعمل الموقف السكولاستيكي على تغييبه، بين « ما هو متضمَّن منطقيّا وما هو مُنجَرّ عمليّا[5]» طبقا لنهج “العادة” الذي « دونما عُنف ولا فنّ ولا برهنة، يجعلنا نؤمن بالأشياء[6]».

الاعتقاد إذن هو المحرّك الأقوى لكل النزعات الإنسانية، وهو العنصر اللاواعي الكامن تحت أي نشاط علمي. ما مُهمّة العقل إذن؟ ولماذا نُنتِج المعرفة ونَطمح إلى اكتشاف قوانين الطبيعة والتاريخ؟ ما الجدوى من الهمّ النظري أصلا، إن كانت العادة أقوى من كلّ شيء؟ لست أدري كيف تُفسّر هذه “النظرية” تَشبّث العلماء بمواقعهم المعرفيّة وتفانيهم في دراسة الكون. طبقا لنهج بسكال وبورديو، ليست طموحات العلماء إلاّ “أوهاما نبيلة” كما قال نيتشه.

بورديو يتّهم الفكر المحض، أو ما أسماه بالاستعداد السكولاستيكي (la disposition scolastique) بعدم قدرته على إدراك السكولا (la skholè) ـ ذاك العنصر الأول والأكثر تحديدا ـ و« يَميل إلى تعليق مقتضيات الوضعية [الخاصة]، ضغوطات الضرورة الاقتصادية والاجتماعية، والاستعجالات التي تفرضها أو الأهداف التي تطرحها[7]». العقل التنويري ذاته لا ينجو من هذا النقد المُدمِّر، ويبدو أن أركون قد ساير بورديو في  تهجّمه على العقل وإلقائه اتهامات خطيرة. وبخصوص العقل التنويري يقول بورديو بأن مجرّد التذكير بالشروط الاجتماعية التي تتحكّم في آليات بروز الفكر الكلي، يمنع من التضحية في سبيل ذاك « التفاؤل الكلي الساذج لنزعة التنوير الأولى[8]». التباسات عقل التنوير وازدواجيته تَكمُن في دعوته للشمولية النظرية والأخلاقية، وفي محاولة تنظيره لـ”إنسانية” (humanité) ـ خارجيّة أو مَحلّية ـ دون شرط أو قيد. هناك إمبريالية الكلّي (impérialisme de l’universel)، ـ حسب بورديو ـ وهذه الإمبريالية تَمظهرت في مبادئ الثورة الفرنسية التي أفضت بصانعيها إلى شمولية مزيَّفة لأنهم كانوا يريدون، في حقيقة الأمر، تكريسها لخدمة مصالح الدولة القومية. أما الموقف الناكر لهذه الكلية الحقوقية والأخلاقية، الذي يتّسم بالتقوقع الخصوصي والقومية واللاعقلانية، فإن بورديو يُلقي بالمسؤولية على العقل التنويري وعلى إمبريالية الكلّي التي حاولت تفعيلها الثورة الفرنسية. الأنوار ليست أنوارا، بل هي ظلامية (L’obscurantisme des Lumières)، وهذه الظلامية تأخذ أشكالا متعدّدة، منها مثلا “صنميّة العقل” (fétichisme de la raison) والتعصّب للكلّي اللذان « يَبقَيان مُنغلقَين أمام كل المظاهر التراثية للاعتقاد واللذان ـ مثلما يشهد بذلك العنف المضادّ لبعض الإدانات الموجهة للأصولية الدينية ـ لا يَقِلاّن ظلامية وعتمة من أولئك المُدانين[9]».

        لن أواصل مع بورديو أكثر من هذا، ومَن أراد المزيد فعليه بكتابه: ” تأملات بسكالية”. لكن ملاحظة لا أريد السكوت عليها، وهي أن العدمية النظرية قد أدّت بصاحبنا إلى حدّ الخلف اللغوي ـ المنطقي، وذلك بِنَحتِه عبارة تُذكّرنا بعبارة “الحصان المُجنّح”، أعني “ظلامية الأنوار” (L’obscurantisme des Lumières). أما إمبريالية الكلي فهي حصان طروادة في أيدي اليمينيين الذين أنكروا دائما شمولية الأفكار، وجَحدوا كلية مفهوم الإنسان طبقا لنظرة اسمية تدعو إلى الخصوصية والتفرّد. نحن نُرجع إلى بورديو اتهاماته للكلية ونقول بأن نكرانها هو الذي قاد إلى الاستعمار وإلى أبشع أنواع العنصرية والتقتيل الجماعي. التاريخ يشهد بأن هذه الأفكار حينما نضجت وتفشت في جميع شرائح المجتمعات الغربية قادت إلى أنظمة شمولية دموية مثل النظام النازي، الذي دمّر، سواء على المستوى النظري أو على أرض الممارسة، المفهوم الكلّي للإنسان وخصّصه إلى قلّة قليلة، أي إلى شعب الأسياد (Herrenvolk)، أمّا اليهود والغجر والشيوعيون والأمة السلافية، وبالجملة كلّ الضعفاء في أيّ شريحة اجتماعية، فلا ينطبق عليهم مفهوم الإنسانية. إن « التاريخ الإيديولوجي لكارثة ألمانيا ـ كما يقول أحد الفلاسفة المعاصرين ـ لَهُو تاريخ الذوَبان الاسمي المستمرّ لمفهوم الإنسان وصولا إلى القفزة الكيفية المتمثلة في الرايخ الثالث[10]». وليس من سبيل الصدفة، أن منظري اليمين الجديد (La nouvelle droite) يتبنّون مثل هذه الأفكار، أعني الاسمية الأنثربولوجية ويعادون بشدّة المفهوم الشامل للإنسانية ومبادئ الثورة الفرنسية، كما فعل زعيمهم في فرنسا (Alain de Benoît) الذي قال بأن « كلّ تصوّر للعالم مناهض للمساواة هو اسمي» ولذلك، فإن ضدّ «الكليانية المساواتية»، التي تمظهرت في البداية مع المسيحية (يسمّيها بُلشفية العصور القديمة)، يجب الرجوع إلى تعدّد الآلهة وإلى اسمية الوثنية.

ليس من الحصافة العلمية التهجم على عقل التنوير بهذا الشكل لأنه لا بديل له، ومَن خرج عن عقل التنوير وعن المبادئ الشمولية فإن مصيره الوحيد هو الارتماء في أحضان اللاعقل والترويج للعدمية النظرية وتَقوية مواقف اليمينيين والعنصريين.  لكن يبدو أن أركون لا يعبأ بهذه المخاطر، ولا يُقيّم الاستتباعات العملية السلبيّة التي قد تَنجَرّ عنها، بل إنه تَبنّى مواقف بورديو ووصف نقده للعقل بأنه كان نقدا ثاقبا، ويَتَحسّر على تجاهل العلماء لإنجازاته وكيف أنها لم تَلق « أيّ صدى لدى العلماء الكبار الذين بنوا شهرتهم بالذات على تبنّي الفرضيات والمجريات السلبية لهذا العقل السكولاستيكي بالذات[11]».

 ——————————————————————————-

 

 

[1] م. أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص، 52.

2 م. أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص، 223

3 P. BOURDIEU, Méditations pascaliennes, Éditions du Seuil, Paris 2003, pp. 24-26. « Ces présupposés appartiennent à trois ordres différents : il y a d’abord, pour partir du plus superficiel, ceux qui sont associés à l’occupation d’une position dans l’espace social, et à la trajectoire particulière qui y a conduit, ainsi qu’a l’appartenance à un sexe ( qui peut affecter de maintes façons le rapport à l’objet, dans la mesure où la division sexuelle du travail s’inscrit dans les structures sociales et dans les structures cognitives, orientant par exemple le choix d’objet). Il y a ensuite qui sont constitutif de la doxa propre à chacun des différents champs (religieux, artistique, philosophique, sociologique, etc.) et, plus précisément, ceux que chaque penseur particulier doit à sa position dans un champ. Il y a enfin les présupposés qui sont constitutifs de la doxa génériquement associée à la skholè, au loisir, qui la condition de l’existence de tous les champs savants ». Ibid, p. 24.

 4B. PASCAL, Pensées et opuscules, éd. Brunschvicg, Paris, Hachette, 1912. Br., 252, cit in P. BOURDIEU, Méditations pascaliennes, ibid, p. 26. 

استعملتُ الترجمة العربية مع بعض التحويرات الطفيفة. انظر: بليز بسكال، خواطر، ترجمة ادوار البُستاني، المكتبة الشرقية، بيروت ـ لبنان 1972، ص، 91 ـ 92.

5P. BOURDIEU, Méditations pascaliennes, ibid, p. 26.

6 بليز بسكال، خواطر، م. س، ص، 92. (مع تحوير).

 

7 P. BOURDIEU, Méditations pascaliennes, ibid, p. 27.

8 Ibid, pp. 112-113.

9 Ibid, pp. 113-114.

10 D. LOSURDO, Universalismo e etnocentrismo nella storia dell’Occidente, Quattroventi, Urbino 2000, p. 45.

11م. أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ن. م، ص، 18.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق