العقل الكاكي

منظر السيف الذي يتناوله خطيب الجمعة قبل أن يرتقي المنبر لإلقاء الخطبة، رافقني منذ أن كنت طفلا أحضر الصلاة مع أبي في المسجد، وقد تطوّر إلى حمل البندقية الآلية نوع (كلاشنكوف)التي نراها قائمة على منابر رجال الدين في إيران، كان هذا المنظر يعطيني الانطباع الكامل أننا بصدد معركة وأنّ الخطيب سيقود معركة، وأنّ القضية التي نحن بصددها هي قضية قتال ليس إلا، بغضّ النظر عن التفاصيل، ممّا جعلني لا ألتفت إلى ما يتخلّل الخطبة أحيانا من توجيهات عامّة وأدعية ومفردات حياتية أخرى، أو أنها تبدو خارج هذا الإطار والتصوّر، أو تضيع في خضم الجوّ العسكريّ الذي بدأ يرسمه السيد الخطيب. كنت تحت رحمة مشهد السيف المسلول بيد الخطيب، مما قطع عليّ الطريق لسنوات كثيرة في أن انظر في اهتمامات أخرى جميلة في الأدب والفنون وثقافات الأمم والشعوب، لأنّها كانت بالنسبة لي ترفا محرّما في مجتمع يوشك أن يُباد (كما صوّره خطيب الجامع وألقاه في روعي)، وأغلق عقلي وعيني وطموحي (وهذا هو المهمّ) عن رؤية أيّ إنجاز أو مشاركة أو تطوير، خارج إطار التصوّر الديني، والذي يتلخّص في أنّ الدين مسجون ومضطهد ومستهدف، وأنّ الذي يحاول اضطهاده هم الكفار وفي مقدّمتهم الدولة الوطنية التي نعيش في كنفها. والتي عُبّئنا لتمييع وسرقة بوادر التنمية والتحديث فيها، وقد كان .

في أوروبا تمنع المجتمعات كلّ أشكال العنف ومفرداته وصوره الحسّية أن تقع في متناول الأطفال. وتقطع الطريق لمن يحاول أن يروج ممارسة أو نمط يدل على العنف ويوحي به، متجاوزة بذلك دعاوى حرية ممارسة الطقوس والشعائر وحرية الاعتقاد. وتأتي في مقدمة الحصانات ثقافة المواطن نفسه، وفي بريطانيا أخيرا تمّت محاكمة مواطن بريطانيّ من أصول شرقية بتهمة ممارسة الضرب بالزناجير والمطاوي التي يمارسها الشيعة في عاشوراء، أمام الأولاد، وفي السويد تمّت محاسبة آخر لتمجيده لطقوس العنف وحثّ أولاده من سويدية، على ذلك.

وحتى الجيوش العالمية الحديثة، فإنها تُخضع منسوبيها بعد خروجهم من المعارك لعملية تنظيف عقلي وروحي لما يمكن أن يعلق بهم من ترسّبات المعارك من تخلّق للصراع وإدمان عليه، وتحيل بعضهم للتقاعد المبكر، أو إجراءات أخرى تمسح به برنامج العنف الذي حمّلته إياهم أثناء التدريب. خوفاَ على شفافية الروح أن تضيع في الحمولة الزائدة للعنف. وغير بعيد عن الذهن تجربة الجنود الأمريكيين الخارجين من حرب فيتنام. وقد عزت الصحف الأمريكية ازدياد الجرائم في السبعينات إليهم صراحةَ، فالحثّ على العنف إذن والتثقيف فيه وملء الشاغر من العقل والقلب به، مرض إذا جرى أخذه بجرعات زائدة، وهو سيّء على كل حال إذا أعتمد كخيار أوحد، ومرض خبيث إذا أستخدم كبديل للحياة. وعلينا أن نستقبل المنتج التاريخي لما جرى تكريسه، وقد لاحت بوادره بوضوح في كلّ المدن والبلاد العربية والإسلامية .

تبدو مجتمعاتنا العربية والإسلامية، مجتمعات مُعَسكَرة، بصورة واضحة على مستوى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية، غارقة في (العَسْكرة) حتى الآذان. حتى أنّ لُعب الأطفال المعروضة في المتاجر تتلخّص في بنادق ومسدسات وكلاشنكوف وسيارات عسكرية ولوازم البوليس، والرائج من الأفلام الترفيهية التي تضخّها القنوات التلفزيونية، هي أفلام رامبو والجندي الكوني والمدمّر …تحاكي نزعة العطش إلى الصراع وتغذّي المخيّلة التي كوّنتها التعبئة المستمرة (دينية كانت أم سلطوية)، وطول فترات الصراع حول قضايا عدة لم يحسم أي منها منذ قرون.

ولقد كان لظهور قماش (الكاكي ) العسكري – الذي استخدمه الجيش البريطاني وجرى ترويجه ليكون زيّا لكلّ الجيوش ومن ثمّ لكلّ التنظيمات المسلّحة التي أصبحت في مجتمعاتنا أكبر من الجيش- نعمة إضافية منّ الله بها علينا، حيث احتوى (الكاكي) كلّ الاحتقان النفسي ونفّسه بهذا الشكل الذي كان ناقصاً. فلم يستطع حتى الغفير أو المخبر السرّي أن يبتعد عن هذا الزيّ لمقتضيات السرية وعدم الكشف، فتراه يرتدي المعطف والبرنيطة العسكرية، يستجدي بها بعضاَ من آيات الخوف يرضي بها الغرور .

في استطلاع قام به أحد الباحثين العراقيين في قسم الاجتماع بجامعة بغداد، ظهر أنّ نسبة 37% من الكلمات التي يتداولها الشباب في أحاديث عادية هي كلمات صراع أو تدخل في تركيبات الصراع، وأنّ نسبة 5 % فقط هي كلمات تودّد أو محبّة، وتنعدم تماماُ في الأحاديث كلمات مثل وردة أو زهرة أو ما شابه ذلك .

جرعات زائدة نأخذها من التحشيد والتعبئة وإذكاء المخيلة بما لذّ وطاب من الأعداء الحقيقيين والمفترضين، فقدنا فيها القدرة على الرجوع، وفقدنا معها الخيارات الأخرى التي كانت متاحة أو أتيحت لنا لبعض الوقت في البناء والتنمية والسير في ركاب العالم. وربما الأصعب هو جعل تلك الصورة، هي الأخيرة التي تقدم للعالم، أو يتبرع أحد ما أن يقدمها، حتى عزا البعض ذلك إلى جزء من المتوارث الفكري وإرثا فاسدا من التاريخ.

هنا يأخذ الانتصار الوهمي العالق في الذاكرة العربية والمغذى تاريخيا، معنى آخر في الانحدار الحضاري، ويعطي بعض التنفيس، ويستجيب بشكل مخادع للاحتقان، وإذا كان الانتصار كما نتصوره في بقاء القوة والمنعة ونجاح البعض في اختراق المساحات والساحات، فإن الخسارة الكبرى هي في نوعية الفرد الذي تنتجه ثقافة الصراع والموت، وتضخّه حاضنة الصراع ومدرسته من خلال تفعيل الآثار الجانبية لطول الصراع مع عدم الوصول إلى نتيجة، وكثرة المعارك وحجم الخسائر ومن ثم الحرج من الشارع الذي يريد أن يرى حجم المتحقق، والذي نجيبه دائماً بمغامراتٍ أخرى غير معقولة.

وتغليب ذات الصراع على أي قضية أخرى، وحيث الصراع لمجرد الصراع هو الوسيلة والهدف، يجعل المتصارعين لا يحسنون أيّ مهمة أو وظيفة إلا الصراع. والتعبئة الزائدة ربما تخلق حالة إنجاز كبيرة ومهمة. إلا أنها توقعنا في مطب التخلق والقولبة في قالب الصراع، حيث نظلّ مقاتلين حتى بعد انتهاء الصراع مع فشل كبير وقلة خبرة في مجال البناء والتنمية، وهذا ما سّرع بانهيار الاتحاد السوفيتي، لأنه ظل مستنفرا كل الجهود لأجل التفوق الاستراتيجي، والذي عنى له دون غيرة بناء القوة والتحشيد والتعبئة المستمرة .

كانت مسألة تذويب الثقافة العسكرية المركزة لدى الجيش العراقي المنصرف من حرب ثمانِي سنوات مع إيران، مشكلة كبيرة للقيادة العراقية، وعدم تأهيل هذه الأعداد الكبيرة للحياة المدنية، مما خلق مدرسة قريبة من هذه الثقافة، وهي الإجرام، سرعان ما ذهب إليها الكثير من العسكريين السابقين، وانتهى بهم الأمر إلى السجون، حيث صقلت المواهب العنيفة وهذبت، هؤلاء انتشروا فيما بعد في العراق، وهم المسؤولون عن الفوضى والقتل والتخريب فيه، وما يجري الآن أسّس له معمل صناعة أخلاق الصراع ، التي أذكاها القادة السياسيون وأضفوا عليها من طابعهم الشخصي (حيث هم ثوار أصلا) حتى أن مسؤولا كبيرا في الدولة زار سجن أبو غريب وقال للسجناء (المجرمين ) انتم أبطال مثلنا .

لا تعبّئ المقاتلين إلا بقدر ما تحتاج إلى المعركة. هذه المقولة التي كان بعض القادة المدنيين اليابانيين يدفعون باتجاهها، في خضم العنف الذي تسلح به العسكريون الذين قادوا اليابان. وظلت أخلاق الساموراي تقود اليابان حتى استسلمت سنة 1945 بعد هيروشيما وناجازاكي .

وكانت مهمة تجريد المفاوضين الفلسطينيين المجتمعين في القاهرة منذ شهور، من جوّ التصارع ومن المناخ الفكري المتصارع، صعبة جدا، لأن الحاضرين افترضوا مسبقا أنهم في ساحة معركة وأنها ساحة يجيدون اللعب بها جيدا، وأن أيّ نصر متحقق في هذا المجال هو نصر عسكري، وليس إرادة الوصول إلى حل ينقذ الشعب الفلسطيني. وكانت بعض تصريحات المفاوضين بعد الخروج تقول: انتصرنا. لم ننتصر، في تعبير لاشعوري عن الرغبة الباطنة من التفاوض .

هناك قناعة متأصلة في الوعي الجمعي، أننا يمكن أن نعيد التاريخ ونستنسخ تجاربه ومعالجاته وإنتاجه من جديد، ولا يتم ذلك إلا بالتحريض على القتال والاستعداد الدائم له، هذه القناعة بنيت سريعاَ ولا تستحضر بالتأكيد التغيرات العالمية المضافة، وهو وهم آثرت دول كبرى متسربة من حضارات كبيرة مثل اليابان والصين والهند، آثرت أن تعيش تابعة للعالم الحر من أن تغرق في هذا الوهم .

لا يعيش العالم الآن في غفلة ولا استراحة حضارية ولا فترة كسل حضاري، ليدعونا أن نتوهم في إمكانية أخذ المبادرة وهدايته إلى الطريق الأقوم، بطريقة وحيدة هي من ذخائر الماضي واستنساخاته، ويجب ألا نبيع هذا الوهم ونسوّقه ونغذّي معركته بالدم والمال والوقت الذي لم يبق منه متسع. ولم يعد العالم بتلك السذاجة التي يستيقظ النيام من أهل القرى والمدن على صيحات الجنود ونقع الغبار الذي تثيره سنابك الخيل و صيحات الإيمان المتعالية، لتقع المجتمعات تحت حكم مغامر ربح الجوكر في هذه المعركة غير المحسوب حسابها، ولم يعد من السذاجة بحيث يقلب حصان طروادة موازين القوى ويسلم طروادة القوية لمحارب إغريقي مخادع لم يحصل في ذلك الوقت على نوبل في السلام. كما أن سلاح الإيمان المتخيّل والمعوّل عليه بكثرة ضمن تركيبة هذا الوهم، أو أنه حقيقة جرى توهيمها في ظلّ غياب مقومات أخرى، هذا السلاح تمّ تدجينه أو كاد، ودخل هو الآخر سوق العمل والاقتصاد واستقرّ في البورصة، مدفوعا بوطأة الجوع والعري والتشريد، التي بدلت المواقف واستأذنت الإله، وأن الفجوات التاريخية على مستوى التواصل والتفاعل غائبة. وأن بروز أي مجموعة في العالم تريد السيطرة هو موضع مراقبة واهتمام ومعالجة من الجميع، كما أن هناك عدة دول تنتظر الآن دورها في القيادة وقد استوفت أغلب شروط الترشيح. وهذه قدمت أوراق اعتمادها إلى النادي العالمي المتقدم، عبر طروحات حسية ونماذج اقتصادية وسياسية وصلت نذرها إلى الاهتمام قبل أن يعلن عنها. وليس عبر مقولات لم نر منها إلا اللون الأحمر.

عملية الاستيعاب والاحتواء الثقافي والاقتصادي والاجتماعي المتطلب مهارات وعلوم وفنون لازلنا لا نجيدها إن كنّا قد انتبهنا لها أصلاَ. كما أن هناك حروبا طاحنة في مجال الأغذية والمياه والأمن الصحي نحن وقودها على الدوام، وندعو إلى مواجهتها عبر ثقافة الموت السهلة والبسيطة. وهي الثقافة التي رأيناها أيسر كثيرا وأكثر بدائية من ثقافة الحياة، لأن الأولى تستلزم سكينا للذبح فقط بينما تتطلب الأخرى فكرا وجهدا وروية ورؤية، وتستلزم تضحيات كثيرة لا يعرفها المحرضون على الموت. لقد كانت مهمة المسيح وغاندي صعبة للغاية مقارنة مع مهمة رامبو وهرقل ونسخهم الحديثة المعروضة الآن في الحياة ويتولون المصير .
هذا الوهم شجع الآخرين أن ينتجوا لنا (علكة) تسمى الصراع من أجل الصراع، وأحالونا إلى عناوين ومشاهد أخرى. وهم غير راغبين أن يخرجونا من هذا الإطار، كما أن بقية تأثيرات الجرعات الزائدة لازالت فاعلة، وتغري بقضاء بعض الوقت في الحوانيت الثورية، وتشبع حالة الإدمان، وسرعان ما يتوجه المدمنون لثقافة العنف والصراع إلى نماذج تاريخية حاضرة، تلائم كثيرا هذا الكاريكاتير، وكأنه قالب مفَصّل لهم، فعندما كان الثائر لا يليق به إلا الانخراط في الحركات الماركسية حيث يجد نفسه، أصبح المتصارع الآن يتماهى مع الحركات الأصولية المتشددة، كونها وحدها الكفيلة باستخراج طاقات العنف وتفجيرها وتبريرها ومن ثم وضع حد لحياته القلقة الصاخبة. والموجه الدينية المتشددة إطار جيد وعنوان صحيح للمتطرف، وقد تسرب إليها الكثير من المتصارعين كما دخله الكثير من الذين لم يكونوا غاضبين دينيا، إنما فقط غاضبين وافتقدوا الوعاء فوجدوه في هذا الاتجاه، وهذا ما يفسر كثرة المتسربين من كل التيارات، حتى الماركسية واللادينية والأشخاص الذين فقدوا مصالحهم وامتيازاتهم، واصطفوا وراء هذه اليافطة لمجرد أنهم غاضبون ولا يستطيعون أن يعيشوا خارج أجواء الصراع .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق