العقل عندما تسوقه فكرة العداء

منذ منتصف القرن العشرين استقرّت الدول العربية كدول مستقلة، باستثناء دولة فلسطين التي تجاهد من أجل الوجود، لكن المفارقة أن هذا الاستقلال لم يتكرس في العقل السياسي السائد في المنطقة، فاستمرت مقولات ما قبل الاستقلال، مستندةً في ذلك إلى التهديد الخارجي وكأن المنطقة عرضة للاستعمار في أية لحظة.

ومن الطبيعي في هذه الحال أن يجد هذا الرهاب ضالته في الاحتلال الأميركي للعراق، والتهديد الإيراني، فيكتمل الطوق الذي يبدأ بإسرائيل، ولا نعني بذلك الطوق الاستراتيجي بقدر ما نعني العقل المحاصَر الذي يتغذى على فكرة الخطر. وعلى ذلك يمكننا فهم هذا العقل على أنه أقرب إلى عقلية التحرر الوطني، التي يفترض بها أن تعود إلى زمن ولى، وعقلية كهذه كفيلة بتغييب فكرة الصراع ضمن التفاعل الحضاري الطبيعي، فيُختزل الصراع إلى حده الأقصى، أي الصراع المسلح، وهي الجبهة التي تمتلك فيها القوى الموجودة في المنطقة القدرةَ على إزعاج الخصم أو إرباكه، من دون حصد نتائج حقيقية بسبب تفوق الآخر في هذا المضمار أيضاً.

بمعنى آخر، فإن الهدف المعلن من المناوشة هو إفشال مخططات ومشاريع الهيمنة، وهذا ما يتحقق جزئياً بالنظر إلى الغايات المعلنة لهذه المشاريع، أي أن قوى الممانعة في المنطقة قادرة أحياناً على الإفلات من الخسارة الكاملة، والاكتفاء بنصيب منها. وفي المقابل لا تملك هذه “القوة السالبة” إمكانية التفاوض وصناعة التسويات، إنها بالأحرى قائمة على ما ترفضه، أما ما تريده فيبقى في إطار التمنيات التي لم تتحول إلى استراتيجيا وسياسة حتى الآن.

ينطوي الرهان على “القوة السالبة” على فكرة مفادها قدرة المجتمعات العربية على تحمل الخسارة، وبالتالي فإن الخسارة الحقيقية المؤلمة تحدث في الجانب الآخر، ولهذا لا تقاس كلفة هذه المخططات وفشلها محلياً، بقدر ما تقاس كلفتها بالنسبة للآخر. بل إن الكلفة الباهظة محلياً قد تكون محلّ اعتزاز، فتتحول من موضع الألم الإنساني إلى الفخامة والتشدّق اللفظيين، كما في كلفة استقلال الجزائر. وفي حدث ساخن كالحدث العراقي سنرى التركيز على تداعيات الحدث في الشأن الداخلي الأميركي، وكلفته المادية على الميزانية، وعلى الأخص كلفته من الجنود الأميركيين، أي تكرار النقد الأميركي الداخلي للحرب. بينما يتراجع الاهتمام بكلفة الفشل الأميركي عراقياً وإقليمياً، وكأن الخسارة هنا قدر محتوم تنبغي الاستكانة له، فيغيب الحوار حول الموازنة بين تحمل الخسارة أو محاولة تقليلها على الجانبين، إذا لم يكن هناك احتمال لتقليلها في الجانب العراقي فقط. إن معادلة مئات ألوف القتلى العراقيين، مقابل آلاف قليلة من القتلى الأميركيين، تبدو مقبولة، بل وتصل إلى حدّ البداهة، في دلالة على المنطق الذي يحكم المنطقة. وبصرف النظر عن المنطق الأخلاقي، فقدت دول الجوار العراقي الفرصة التي اغتنمها المنافس الإيراني على أفضل وجه، حتى بدا المشروع الأميركي في بعض جوانبه وكأنه يحقق مصلحة إيرانية بالدرجة الأولى!.

وإذا كانت مقارنة الدول العربية بإسرائيل ظالمة، بالنظر إلى النخب اليهودية القادمة من قلب الحداثة الغربية، فإن هذه المقارنة مشروعة سواء بالجار الإيراني أو الجار التركي اللذين يتقاسمان مع المجتمعات العربية إرثاً ثقافياً ضارباً في القدم، ومستوى من التقدم لم يكن شديد التفاوت إلى سنوات قريبة خلت. ولعل الجار التركي هو الأسبق والأكثر حسماً في خياراته طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فانحياز تركيا إلى حلف شمال الأطلسي وضعها في موقع المشارك، بخلاف دول المنطقة التي تنعمت مؤقتاً بمناخ العيش على تناقضات القطبين، ثم انكشف فقرها السياسي في مرحلة القطب الواحد. وعلى هذا الصعيد لا تفوتنا الإشارة إلى أن الجار التركي حسم خياراته مبكراً، باتجاه الاصطدام والاشتباك بالحداثة الغربية، من دون الدخول في سجالات عقيمة حول موضوع الهوية والحفاظ على الخصوصية التركية. وربما علينا الاعتراف بما أحدثتْه هذه الصدمة في قلب المجتمع التركي، فلا نستطيع الآن مقارنة الحوار حول هوية تركيا بالحوار المماثل في الجوار العربي.

إن هوية تركيا الإسلامية تبدو بالمقارنة شأناً رمزياً، ولم يعد الجيش وحده حامياً للعلمانية، فثمة قوى مجتمعية تقف على الضدّ من أي نزوع أصولي إسلامي أو تحويل الإسلام إلى شأن إجرائي يومي، كما أن تسلّم الإسلاميين للسلطة لم يغيرّ في توجّه تركيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا كان ثمة معارضة للتوجه الأوروبي فهي متمثلة في التيار الذي يتطلع إلى النموذج الأميركي، أي إلى الغرب في المحصلة. يُظهر الحوار الدائر الآن اختلافات حول هوية تركيا، وهذه سمة الهويات المركبة المعاصرة، وهو ما قد يمنع الوقوع في فخّ الهوية ذات البعد الواحد، البعد الذي كان إقصائياً ودموياً عبر التاريخ.

ربما يمكننا وصف العقل السياسي السائد في المنطقة العربية بأنه عقل تاريخاني “إمبراطوري”، فالتياران القومي والإسلامي يتشاركان في النزعة الرومانسية ذاتها في النظر إلى التاريخ، ويتجاهلان أن “الأمة”، سواءً “العربية” أو “الإسلامية”، لم تكن موحَّدة إلا في فترات قصيرة من تاريخها الإمبراطوري. وفي واقع الأمر شكّلت تاريخانية الفكر القومي أرضاً خصبة للتيار الإسلامي، فالإسلاميون يرون، عن حقّ ربما، أن العروبة لم تكتسب موقعها الجغرافي والحضاري إلا بفضل الإمبراطورية الإسلامية. وعلى هذا قد لا يكون من الغرابة أسلمة التيار القومي، مع أن نشأة هذا التيار تميزت بالابتعاد عن الدين، خاصة وأن غالبية روّاده ينحدرون من مذاهب وأديان تختلف عن المذهب الرسمي للإمبراطورية العثمانية الحاكمة آنذاك، لكن النصف الثاني من القرن العشرين شهد انتشاراً للتيار القومي في أوساط الغالبية، سواءً الإسلامية أو المذهبية، وسنشهد مع نهايات هذا القرن ما يشبه التحاقاً قومياً بالقاطرة الإسلامية، يجد أحد تمثيلاته مؤخراً في المؤتمر القومي الإسلامي. وسنجد في الأصولية “الثورية” ما يدعم هذا التحالف، فالطرفان لا ينظران إلى الدول القائمة بوصفها دولاً مستقلة، بل بوصفها صنيعة القوى الاستعمارية. ولا ينظران إلى الأنظمة القائمة على أنها، في جانب منها، تمثيل مبتذل لتخلف هذه المجتمعات وضعفها، بل بوصفها أنظمة تابعة وعميلة فحسب. والطرفان أيضاً مشغولان بوهم القوة، بحيث لا ترضيهما الكيانات الصغيرة القائمة. إنهما يخوضان معركة “الاستقلال”، وفكّ الارتباط مع الآخر، بمنطق متقادم، وبحيث تبدو الهوية الجغرافية والهوية البشرية كلاً متماسكاً وصافياً، لا يعكّر نقاءهما سوى الأجنبي وبعض عملائه في الداخل.

على النقيض من الأوهام الإمبراطورية، والبارانويا الجماعية، سنجد التفكير السياسي الإجرائي منصباً على البحث عن منقذ، في غيابٍ لفكرة الشراكة الفاعلة والحقيقية. فمع نهاية عهد الانتداب راجت فكرة استدعاء الولايات المتحدة الأميركية كدولة انتداب، بدلاً من فرنسا وانكلترا. وعلى هذا فُهم إيجابياً الدور الأميركي في إيقاف العدوان الثلاثي على مصر، من دون النظر إلى الصراع الدولي على مناطق النفوذ. لكن تصاعد الهيمنة الأميركية وتدخلاتها في المنطقة سيدفعان مرة أخرى باتجاه التعلق بأوهام الديغولية الفرنسية كمناهضة لأميركا، أو التعلق بأوهام مماثلة تجاه الاتحاد السوفياتي. ولا نلاحظ خلال الحقبة الماضية التحاقاً فاعلاً لأية دولة عربية في منظومة دولية، باستثناء المشاركة المصرية في تأسيس حركة عدم الانحياز.

أما ما يبدو تناقضاً بين الإيديولوجيا القومية، أو الإسلامية، وفكرة البحث عن منقذ فلربما نجد له حلاً في علم النفس، حيث تدلّل الفجوة بين الشعار والممارسة على عمق الأزمة المعاصرة، مقارنةً بالماضي الذي يتجلى على هيئة الفردوس المفقود. وحيث لم يتبقَّ من هذا الماضي سوى فكرة الموقع الاستراتيجي الذي تحتله الدول العربية، مضافاً إليه السلعة الاستراتيجية الأبرز وهي النفط، فقد استكانت النخب العربية إلى فكرة المساواة بين العرب والظروف الطبيعية التي أوجدتْهم في قلب العالم القديم، ومنحتْهم ثروة طبيعية.

إنهم مرة أخرى لا حيلة لهم في تكوين الثروة، أي أنهم يستثنون العامل البشري كعنصر حاسم في خلق الثروة، فيقتصر الدور البشري على إدارة ضعيفة لها، وبما يجعل منها نقمة في بعض الأحيان، فتبدو المنطقة فقط على أنها محط أنظار الطامعين الذين لا همّ لهم سوى سلب خيراتها.

تتقاسم النخب الحاكمة والنخب المعارضة لها العقليةَ ذاتها، مع أن المعارضات العربية ظلت دائماً خارج الحكم، وإلى حد كبير خارج الممارسة السياسية، فاستقرت النخب الحاكمة بفعل العطالة، أو بفعل توازن الضعف بينها وبين مجتمعاتها. ومن ثم فقد تحولت هذه النخب في معظمها إلى نخب عائلية، مع تحول الأنظمة الجمهورية إلى جمهوريات وراثية.

وقد أدى احتكار السياسة من قبل النخب الحاكمة إلى احتكار العلاقة مع الآخر، وتم تصوير أية علاقة سياسية بين المعارضة والقوى السياسية النافذة في العالم على أنها بمثابة الخيانة الوطنية. واستطاعت الحكومات العربية تسويق نفسها على أنها البديل المعتدل عن معارضة أكثر عداء وتشدداً تجاه الغرب، يُضاف إلى ذلك وجودها كقوة فاعلة وحيدة، ونعني بذلك القوة ضمن/على مجتمعاتها. أما على صعيد السياسية الخارجية فيتكرس التفكير الانفعالي، ويقرّ المسؤولون العرب بعجزهم عن الفعل، وعلاقاتهم الخارجية تحكمها ضرورات السياسة المعاصرة فقط، وأية مقارنة بين عدد المسؤولين العالميين الذين تستقبلهم المنطقة وعدد المسؤولين العرب الذين يزورون العواصم الفاعلة في العالم تدلل على حجم المبادرات العربية فيما يخص قضايا المنطقة. بل إن نسبة كبيرة من زيارات المسؤولين العرب للعواصم العالمية تتم على أرضية مبادرات ناجزة من تلك العواصم، فيبدو الخيار الوحيد المتاح إما القبول بها، أو ممانعتها. وهذه الممانعة الرسمية غالباً ما تبدأ على أنها ممانعة مبدئية، ثم تتوالى التراجعات لنرى إقراراً بالأمر الواقع بعد فوات الأوان، وبعد أن أصبح مطلوباً المزيد من التنازلات.

أما إقليمياً فمن السهل ملاحظة أن الاتصالات الإقليمية البينية هي اتصالات موسمية، وتتم غالباً على قاعدة الأزمة وردّ الفعل، لا على قاعدة استشراف المستقبل. وربما كانت السمة الغالبة لهذه الاتصالات هي مجيئها أيضاً بعد فوات الأوان، وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن، أو ما لم يعد ممكناً، إنقاذه. وحتى مشاريع الانفتاح الاقتصادي البينية أتت متأخرة ومحدودة، فالتجارة البينية العربية تعتمد بمعظمها على صناعات تحويلية وتكميلية، مما يجعل هذه التجارة مهددة بالفشل مع انضمام هذه الدول إلى منظمة التجارة العالمية، وتوفر السلع المنافسة جودة وسعراً وخاصة من شرق آسيا، ولهذا لا تبشّر العلاقات الاقتصادية المستجدة بوضع الأساس لمنظومة إقليمية متينة بعد فشل التجمعات القائمة على ظروف محض سياسية. أي أن العلاقات البينية العربية بقيت على الضد من الأفكار القومية أو الإسلامية، أو تآزر الاثنتين، وهذه المفارقة تبدو طبيعية تماماً بالنظر إلى طبيعة الممارسة السياسية، أو غيابها على الأرجح، فالأفكار في هذه الحالة لا تأخذ مكانتها عبر امتحانها في الواقع، بقدر ما تأخذ مكانتها من الحصار الذي تعيشه. فغياب الديمقراطية منع فرصة اصطدام الفكر القومي، أو الإسلامي، بآليات الواقع. ومن المعلوم أن الشمولية تتغذى على القمع، وبدلاً من أن يكون الواقع مصدر الأفكار ومرجعها يتم استيلاد الأفكار من الأفكار أيضاً، وتصبح الأفكار هي المصدر والمآل بآن واحد.

من الطبيعي أن تزداد أزمة العقل التحرري، ويشعر أكثر فأكثر بالحصار، مع حركة العولمة بما هي تهديد لفكرة الهوية. وإذ استفاق العرب متأخرين على العولمة فقد وجدوا أنفسهم بين استحقاقاتها وبين استحقاقات المشاريع التي لم ينجزوها بعد. أما المشاريع الوطنية، التي غُيّبت طويلاً، فهي اليوم أبعد منالاً من أي وقت مضى مع انفجار التناقضات الداخلية، والتلويح بإعادة رسم خريطة المنطقة. وفيما عدا ذلك تتطلب المسألة الوطنية اجتراح حلول خلاقة ترسم الحدود الفكرية في العلاقة مع الآخر، بدءاً بالجوار القومي والإسلامي، فالهوية الوطنية ستقوم على بؤرة من التجاذبات الثقافية المعقدة، كما أنها ستصطدم بالاتجاه الجديد في التشريعات الدولية الذي يتعارض في بعض جوانبه مع مفهوم السيادة. إن الصراع المركب الحالي يضيف عناصر أزمة جديدة، ويعزز فكرة العداء حيث يبدو التنافس على المنطقة على أشده، فتأتي الضغوط من جهات عديدة، وأسوأ ما يفعله العقل في هذه الحالة هو الاستجابة لهذه الضغوط، ومواجهة الحصار باستكماله.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق