العقل

قد لا يكون قولا جديدا أنّ ثمة هوّة واسعة تفصل مجرّدات العقل التي أسّستها اشتغالاته في فضائه التاريخي الخاصّ، ومسار تطوره المحدد بتاريخ المركز وجغرافيته، ذلك المسار المشروط بجهاده الخاص وقوانين تطوره الداخلية التي جعلت هذا العقل يغتسل بضوئه الذاتي ويستنير بارتشاحاته الداخلية، فيما يخوض نزالا شرسا، ضدّ أوهامه وأوثانه، وفي كلّ مرة يحوّل آلامه إلى فرح، إنه فرح العقل حين يقترب من ذاته أكثر فأكثر في إطار تجادله مع الواقع وجداله مع الذات، حيث أعلن عن مقولات ومفاهيم شكلت فضاء”نظريا” احتلت فيه هذه المقولات والمفاهيم بوصفها واقعا كثيفا كامل مساحته، لتجرّ خلفها تاريخه هذا بوصفه تنويعة على أشكال عقله للعالم الذي يسبح فيه، كذلك حمل إمكان إعادة انتشاره خارج الجغرافيا التي أنبتت فرضياته التأسيسية، أي إمكان تجلّيه الكونيّ فيما بات يعرف بالبعد الكونيّ للعقل، أو الروح الكونيّ، أو الروح الإنسانيّ.. ولا فرق.

لكن من الراهن القول أنّ ثمة هوّة كبيرة بين ذلك العقل واشتغالاته ومجرداته ومحرزاته الواقعية، وبين عقلنا نحن بكل ما ينطوي عليه من يقينيّات وأنساق ثابتة وأجهزة مفاهيمية سكونية أنتجت منظومات مغلقة اعتقدت أنها اجترحت على نحو نهائي جميع الحقائق المفترضة، واطمأنت إلى شرعية منجزاتها التاريخية على مستوى ما يتعلق بالإنسان والعالم والعلاقات، بحيث استحال كل ذلك إلى طبقات كتيمة يصعب أن تمرر تيارات الحياة المتجددة وما تقتضيه من ضرورات إعادة النظر المتواصلة بالثابت والقارّ، وضرورة المسّ بما ينظر إليه على أنه ثوابت الذات الثقافية والأخلاقية المحمولة على رؤيتها الخاصة التفسيرية للمصير والعالم والعلاقات. ويبقى راهنا السؤال : لماذا بقي العقل بصيغته العقلانية ممركزا “في أرضه الأولى، فيما بقي مضمرا” عندنا في صيغة إمكان فقط؟

كلا العقلين كان أمينا لتلك الصيغة الهيغيلية الشهيرة “كلّ ما هو واقعيّ عقلانيّ وكلّ ما هو عقلانيّ واقعي” بانتظار ما سيسفر عنه جهاد العقل في رحلته التاريخية.

إذا “ثمّة عقل وعقل، واقع وواقع، تاريخ وتاريخ، عقلان وفرق، وواقعان وفرق وتاريخان وفرق” يعينه الاختلاف وربما التناقض، بحكم التاريخ والجغرافيا والزمن والقوانين الداخلية والمسار وحضور السؤال والشك والبحث، إذا اختلاف الشرط والشروط أي باختلاف الذاتي والموضوعي بكلام بديل، وليس لي أن أقول الجوهري أو الماهويّ بحكم الإيمان بكونية العقل وفيضها الذي ينتج مفاعيل كوكبية الانتشار على الرغم مما يوصلنا إليه العجز أحيانا، وكسل البحث وتشاؤم التفكير، من خفض للتوتّر بين الواقع والممكن ينتهي بالركون إلى استنتاجات تأتي على الضد من نفحات العقل الكونية والإنسانية.

العقلان : عقل الذات وعقل الآخر بكلّ ما أنجزه من مراجعات وما أحدثه من قطيعة مع ماضيه وما أطلقه من مبادرات وتساؤلات، شكلت ما يفترض أنّه مقدمات تأسيسية، ضرورية ومنطقية، أي تاريخية، لإعادة تأسيس الذات، والشروع بالانطلاق صوب سمائه اللانهائية.

إذا، “هو يسير جهة ذاته في رحلة شاقة، أصاب كثيرا” وأخفق كذلك، أنتج خرابا “هائلا” ربما، لكنّه بنى كذلك عمرانا” هائلا” في سفره الانطولوجي هذا، يعيد إنتاج ذاته، يفكّك ويركّب، يراكم ويفتتح ويمضي، إنه يفرح ويشاغب ويهدم ويعاين ما أنتج من دمار كذلك، هكذا يتشكل دوما “فيما يخربش ويرسم ويمحو ويعيد التدوين فقد أنتج المفاهيم والمقولات والقيم والنظريات والمناهج والعلوم، ابتكر وأبدع وفك مغاليق، افتتح ويفتتح دوما” مناطق مجهولة للمعنى، احتفى بالإنسان وخلق التكنولوجيا، أطلق مفاهيم الحرية والعلمانية والديمقراطية والتعبير الحرّ والفردية، في لحظته الليبرالية النيّرة، اعترف على نحو مبدئيّ ونهائيّ بالعالم  القائم الآن وهنا، على أنه عالم الواقع والحياة، عالم الدينونة، وبذلك كان الروح الإنساني يمضي- بانتصاراته وهزائمه-على درب آلام طويلة ومتعرّجة، نحو النموّ والانبساط في العالم الواقعي، يتعين في الواقع بهيئة منتجات مادية وروحية، رغم أنّ عالم اليوم خلّف إنسانا يبكي إذ يضحك، ويتألّم فيما هو سعيد دون أن يدرك لماذا.

ذاك نموذج للعقل الإنساني، بكلّ ماله وما عليه، لا يحدّه في سعيه نحو الكشف والتقصّي أية حدود إيديولوجية تؤسّس أوثانا مقدّسة، تثقل حركته إن لم نقل بأنّها تجمّده لصالح قوى ومعتقدات غيبية، تفسّر وتشرح على نحو سحريّ مسائل العالم والإنسان والمصير، هو عقل ينفتح على العالم بوصفه حقل ممكنات يجليها مسعى تاريخيّ مشفوع بالتقصّي والتجربة والاختبار، يتأمل ويراكم لحين الوصول لفتوح جديدة، تفسح في المجال لخطوات إضافية، تكوّن بدورها أرضية لانطلاقة قادمة.

وهكذا دونما توقّف يفتتح أقاليم جديدة للمعرفة والعلم، وإذًا للمعنى. أمّا عقلنا نحن فهو نموذج آخر، تشكّل في سياق تاريخيّ مختلف، وتموضع على نحو قاد إلى تشوّه مكتسب في قوانين تطوّره الداخلية، أدى إلى توقف زمنه الخاص الذي استحال زمنا “دائريا”، صادر التدفق التاريخي والتقدم الطبيعي للحياة، وبدا كأنه يكرر العالم في مختبرات وعيه الديني الذي تعين في منتجاته المادية والروحية، بما فيها مشروع الدولة الذي ظلّ أمينا لحلف السلطتين الدينية والزمنية، مع تبادل الهيمنة، لقد مضى عقلنا في مقترحه التفسيري للعالم بطابعه الديني، إلى صوغ فرضيات تأسيسية أنتجت لحظة مقدسة، تمتد في تاريخنا، ويعاد تكرارها بأشكال أكثر تشوها كلما تقدم فينا الزمن، بحيث تتسع مساحة المقدس وتضيق مساحة التنوير والتفكير والتأمل، إذا تضيق الرؤية ويتخثر الوعي، هكذا هو عقلنا يجترّ أهواءه ورؤاه ومعتقداته، ينتج بؤسه الخاص ويعيّنه في واقع يغذيه ويغتذي منه، في مشهد شبه راكد يميت الإمكانات المفترضة التي تحتجب خلف ستار من الصراع العدمي على ذروات السلطة والقوة والثروة والمشروعية، هكذا كان عقلنا ينتج في واقعنا أوثانا متزايدة، فيما ننوس بين بؤسين : بؤس الوعي وبؤس الواقع، مرة أخرى تكرر صيغة هيغل الشهيرة، ومرة أخرى لا تطير بومة منيرفا إلا في الظلام.

يبقى السؤال كيف تأتى لعقلنا أن يجانب إمكانه الكوني، ويفسح في مجاله الخاص لكل هذا التشظي في حقوله ومستوياته المتعددة ، ويتيح لهذا العماء أن ينداح في عالم تفوح منه رائحة الدم وشهوة السلطة الذئبية؟

بكلام بديل : لماذا كان عقلنا يصرّ على تديين العالم، لا بل على تطييفه، في تصور يجعله معلقا خارج التاريخ، تاريخه هو تاريخ شرح للنص المقدس، أو ركام النصوص المقدسة، ولا فرق بين المقدس الديني والدنيوي، ولا فرق بين نظريات الله ونظريات البشر.

هل يشرح هذا كون عقلنا نفسه بقي معلقا خارج العالم وخارج الدنيا، مغتبطا بيقينياته، دون محاكمة أو مراجعة جدية من شأنها أن تعيد له الاعتبار، بما هو عقل للعالم في التاريخ؟ هل يشرح هذا كون العقل بقي إلى هذه اللحظة معادلا للمحنة والحرب؟ على الرغم من كوننا محكومين بافتراض حاسم يتمثل بضرورة أن يكون العقل معادلا للروح، أو على الأقل هكذا هو الحلم الذي يراود بني البشر. 

يتعين في ظل الأحداث العاصفة في منطقتنا، والتي تمثل إرهاصا بانعطاف تاريخي، نأمل أن يحمل رهانات مختلفة للعقل، في بعده السياسي على الأقل، الذي من المفترض أن يعين محموله السياسي المتمثل بالدولة، بعد أن يعيد الاعتبار والتجسيد لفكرتها بما هي مسعى طويل لمطابقة الشكل والمضمون، أي الشكل السياسي للمضمون الاجتماعي، تتمثل بدوة هذا التطابق أو المطابقة بالحضور المؤسسي للدولة، بما هي أحد ظهورات العقل، وتجسيد للروح العمومي، المتعين في القانون والحق بوصفهما روح الدولة، دولة الإنسان وحقوقه، دولة الكل الاجتماعي.

إذا يتعين بموازاة هذا الانعطاف المأمول، الذي ربما بشّر بعقل مغاير، يفتتح عهدا “جديدا”، قد يكون المتغير السياسي فيه قاطرة لبقية الحيّزات الفكرية والثقافية، في نطاق لحظة مختلفة، يتعين أن يعيد أو نعيد محاكمة هذا العقل، ولا سبيل سوى ذلك من أجل التفكيك، وإعادة البناء بل وإزالة البلايا التي تكرس وثنية العقل وأمية الروح.

لا بدّ من إقامة الحدّ المنهجي – المعرفي والأخلاقي على العقل، ومخرجاته في آن، بوصفهما انطباقا “بائسا” أنتج منظومات كانت تعيد باستمرار وهم العالم، وعالم الوهم، وقد آن الأوان أن يكف عقلنا عن مغامرته العمياء التي جعلت منه فضاء للعدم !

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق