العكاز

رنّ جرس الهاتف في الهزيع الأخير من الليل. من هذا الذي يفعلها في مثل الوقت. من هذا الذي يريد أن يقطع عليه حلمه اللذيذ وقد كانت أحلامه كوابيس طيلة الشهور الماضية أو ربما بعضا من السنوات الماضية؟ أصمّ الرجل أذنيه ولكنّ الرنين لم ينقطع، لكأنّ بعضه آتٍ من داخل الحلم وبعضه آتٍ من خارجه. هذه لا يفعلها غير أبيه ولكنّ أباه مات. سلﱠ الرجل نفسه على مضض من حلمه اللذيذ ونضا الغطاء عن رأسه ومدّ يده إلى السماعة وجاء الصوت:

– الصحبي؟ أهذا أنت؟

حبس الرجل أنفاسه أو هي انحبست كأنّ في رئتيه كيسا من رمل

– الصحبي؟ هل تسمعني؟ أنا مختار. هل تسمعني؟

– أسمعك يا سيدي

كان ينادي أباه”سيدي”. هكذا هم في ريفهم القصيّ.

– أسمعك يا سيدي. ولكنك متّ منذ مدّة.

– من قال لك إني متّ؟

– الطبيب. الناس. كلهم يقولون إنّك متّ.

– قلت لك ألف مرة لا تصدّق الأطباء. هذه حياتي أنا ومماتي أنا. ما دخل الناس في هذا؟ كانت إغفاءة منّي. ربّما طالت بعض الوقت ولكنها كانت إغفاءة لا أكثر ولا أقلّ.

– ولكن من أين تكلّمني الآن؟

– تسألني؟ الأحرى أن أسالك أنا. إلى أين أخذتموني دون علمي؟ لا تفعلوها ثانية. الحياة هنا مملّة ورتيبة. أنا لا أتحمّل هذا. سأعود إلى البيت.

– كيف لك أن تعود وقد متّ؟ ماذا نقول للناس؟

– ما دخل الناس في هذا؟ هيّئوا أغراضي ورتّبوها حيث تركتها. أرجو ألاّ تكونوا أتلفتم أو فرّطتم في شيء منها. سأعود إلى البيت، ولكن قل للمنصف لا يحشر نفسه كثيرا في ما يعنيه وما لا يعنيه. لا تأكل من هذا. لا تشرب من هذا…أو لا تقل له شيئا. أخشى أن يحجم عن زيارتي.

– أهلا بك في كلّ وقت. البيت بيتك… هل تعلم؟ لقد ماتت أمي.

– أعلم. رأيتها هناك. سألتها أن تعود معي. قالت إنها متعبة ولا تريد أن تعود. أنت تعرف أنها قليلة الكلام. حدّثني كيف هي الأحوال هناك؟

– كما تركتها. لم يتغيّر شيء. أخبار فلسطين والعراق وأفغانستان كما كنت تسمعها. بوش راحل عن قريب ولكن سيخلفه رجل أشدّ صلفا وغطرسة (حدث هذا والحملة الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية على أشدّها).

– والأحوال عندنا في تونس؟

– دعنا من هذا يا سيدي. ربّما يتنصّتون علينا.

– ماذا? أيتنصّتون عليّ حيّا وميتا؟

– الأحوال هنا كما تركتها أيضا ويبدو إنّها لن تتغيّر قريبا.

– يبدو أنّ الحياة عندكم أيضا مملّة ورتيبة… اسمع لقد غيّرت رأيي… لن أعود إلى البيت… الأمران لا يختلفان كثيرا هنا وهناك. نفس الضجر والرتابة… اسمع يا ولدي. لقد نسيت عكّازي وراء الباب. أرسله إليّ في أقرب فرصة. ربما يستطيع المنصف أن يفعل هذا.

– ماذا تفعل بالعكاز هناك؟ هل مازالت ركبتك تؤلمك أم هل هو فعل البرد هذه الأيام؟

– أنت كثير الأسئلة يا ولدي. نسيت أن أشحن الهاتف. ستنقطع المكالمة.

أغمض الرجل عينيه ولكن هل فتح عينيه أصلا؟ وحاول أن يتسلل مجدّدا إلى حلمه الجميل علّه يلحق ببقية باقية من لذّة هاربة مولّية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق