العلمانية كجهادية دنيوية (1/2)

عندما يدور الكلام عن العلمانية فغالباً ما يتم تناولها بوصفها آلية -من طبيعة قانونية في المقام الأول- للفصل بين الدين والدولة، وبالتالي لتسوية العلاقات بين الأديان المختلفة، كما بين الطوائف المختلفة داخل الدين الواحد. ولكن وجهاً آخر للعلمانية يمكن أن يكون مهماً كل الأهمية للعالم العربي-الإسلامي، وذلك من حيث أنها عنصر فاعل أساسي في جدلية التقدم والتخلف. فمن منظور هذه الجدلية حصراً، وبالعودة إلى الأصل الغربي للعلمانية كما للديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان وسائر مذاهب الحداثة، نستطيع أن نطرح السؤال التالي: لئن تكن أوروبا الغربية هي التي سبقت إلى اجتراح مأثرة الحداثة، فهل مرد تقدمها هذا إلى أنها كانت مسيحية، كما يرى ذلك بعض فلاسفة الحضارة ومن طاب لبعض المستشرقين أن يصطاد أطروحتهم هذه في المياه العكرة لما سيسميه صمويل هنتنغتون بـ”صدام الحضارات”؟ أم أن مرد تقدمها ذاك هو إلى أنها كانت هي السباقة أيضاً إلى التعلمن كما نرى نحن؟

وبالفعل، وفيما يخص الإطار الجيو-ثقافي، العربي-الإسلامي، فإن لهذا السؤال أهمية قصوى: فلئن تكن أوروبا الغربية قد تقدمت لأنها كانت مسيحية تحت مظلة كاثوليكية-بروتستانتية مزدوجة أو متناحرة[i]، فهذا معناه أن فرص القارة الجيو-ثقافية الإسلامية، العربية وغير العربية على حد سواء، في التقدم ستظل معدومة إن لم يكن إلى الأبد، فلأجل غير مسمى من الزمن. بل أكثر من ذلك بعد: فبما أن الإسلام يرتبط ارتباطاً تأسيسياً باللغة العربية، فإن العالم الإسلامي العربي سيبقى مستبعداً من حلبة السباق الحضاري أكثر حتى من العالم الإسلامي غير العربي، باعتبار صميمية علاقته اللغوية بالإسلام، على عكس حال باقي القارة الإسلامية التي قد تستطيع أن تنجز “فطامها” بسهولة أكبر، كما يشهد على ذلك المثال التركي بالأمس والمثال الماليزي اليوم.

أما إذا كانت أوروبا تدين بتقدمها لعلمنتها، لا لمسيحيتها، فهذا معناه أن فرص القارة الجيو-ثقافية الإسلامية، العربية وغير العربية على حد سواء، في التقدم ستكون موفورة بتمامها إذا أنجزت هذه القارة نفس سيرورة العلمنة التي أنجزتها القارة الجيو-ثقافية الأوروبية الغربية، وربما في مسافة زمنية أكثر قابلية للانضغاط بحكم المفعول التسريعي لقانون التطور المتفاوت والمركب[ii].

إذن ما الآليات التي تحكمت بمولد الحداثة الأوروبية؟ بل ما تعريف هذه الحداثة أصلاً؟

بين عشرات التعاريف التي يمكن أن تعطى للحداثة يستوقفنا من وجهة النظر التي تعنينا هنا التعريف الذي اقترحه مرسيل غوشيه عندما أقام بين التحديث والعلمنة علاقة ترادف: الخروج من الدين[iii]. ذلك أن القارة الجيو-ثقافية الأوروبية الغربية كانت مسكونة سطحاً وعمقاً بالدين، وما كان لها أن تشق طريقها إلى التحديث إلا بالقطيعة مع النظام المعرفي الديني للقرون الوسطى.

وهذه القطيعة هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم العلمنة sécularisation التي يمكن لنا أن نعرِّفها بدورنا، بالتضامن مع تعريف مرسيل غوشيه ولكن بالرجوع هذه المرة إلى مفردات المعجم العربي الإسلامي، على أنها جهاد في سبيل الدنيا كخيار بديل عن الجهاد في سبيل الآخرة[iv].

هذه الجهادية الدنيوية، التي لا نتردد في أن نقول بأنها أحدثت في مسار البشرية انعطافاً بمائة وثمانين درجة، تلبست شكل علمنة على مستويات عدة:

أولها–ومهما بدا ما في ذلك من مفارقة- هي العلمنة الدينية. فلوثر، بكسره احتكار الكنيسة الكاثوليكية للإيمان الديني، ردّ هذا الإيمان إلى الشخص البشري، وأوكل إلى عقله المتمتع بالسؤدد الذاتي مهمة تأويل النصوص المقدسة. وقد ترتبت على ذلك نتيجة خطيرة من منظور الحداثة: فالأب الذي صار هو المسؤول –لا الكاهن- عن التعليم الديني لأولاده، صار ملزماً بأن يتعلم قراءة النصوص المقدسة بنفسه وبأن يعلِّم هذه القراءة لأولاده بدورهم. وهكذا اقترن الإصلاح البروتستانتي بثورة حقيقية على صعيد محو الأمية وتحطيم احتكار رجال الدين لعملية القراءة والكتابة[v].

وثانيها العلمنة الثقافية. فمنذ بوكاشيو (مؤلف الديكاميرون) في القرن الرابع عشر إلى رابليه (مؤلف غرغنتوا) في القرن السادس عشر تطورت حساسية أدبية جديدة، ذات منزع دنيوي ومنعتقة من ربقة التصور الديني للعالم. وهذه الحساسية الجديدة هي التي تمخضت، مع سرفانتس ودونكيشوته في القرن السادس عشر، ودانييل دوفو وروبنسونه في القرن السابع عشر، عن ظهور نوع أدبي جديد هو الرواية التي هي بالتعريف فن متمحور حول الإنسان في مصائره الدنيوية.

وثالثها العلمنة اللغوية. فتلك الحساسية الأدبية الجديدة ترجمت أيضاً عن نفسها بالتمرد على لغة المقدس التي كانتها اللغة اللاتينية، وبتكريس اللغات العامية الدنيوية ورفعها إلى مستوى لغات قومية تكرس بدورها القطيعة، على مستوى الشعوب والدول، مع وحدة الكنيسة المسكونية وإمبراطوريتها المقدسة.

ورابعها العلمنة “الإنسانية”. ونحن نضع هذا النعت بين مزدوجين للإشارة إلى أنه، وإن يكن مضافاً من حيث الاشتقاق إلى الإنسان، فهو مضاف في الدلالة إلى “الإنسانيات” Humanités؛ وهو الاسم الذي أُطلق، في سياق العلمنة الثقافية واللغوية، على دراسة الآداب اليونانية والرومانية القديمة. والواقع أن الإنسانيات بهذا المعنى تعادل عملية إحياء حقيقية للثقافة الوثنية للعصور القديمة، وردّ اعتبارها كاملاً إليها بعد أن كانت تمثل بالنسبة إلى الثقافة الدينية المسيحية للقرون الوسطى ما تمثله “الجاهلية” بالنسبة إلى الإسلام.

وخامسها العلمنة العقلية. في سياق هذه العودة إلى الجاهلية الوثنية أعيد اكتشاف الفلسفة اليونانية. والحال أن الفلسفة هي بالتعريف “التفكير بالعقل في العقل” من حيث أن العقل معطى أول ومطلق. ومع هذا الإعلان للسؤدد الذاتي للعقل كفت الفلسفة عن أن تكون خادمة اللاهوت لتعمل في إمرة العقل وحده وتحت سيادته. وقد لا نغالي إذا قلنا إنه منذ تلك اللحظة التي باتت فيها سلطة العقل لا تعلو عليها سلطة أخرى، بدأ تاريخ جديد للإنسان من حيث أنه، بين سائر الكائنات الحية، هو الكائن الوحيد الذي يصنع نفسه بنفسه ويعيد خلق نفسه بنفسه بقوة عقله.

وسادسها العلمنة العلمية. ففي الوقت الذي تغيرت فيه صورة العالم القديم مع اكتشاف كريستوف كولومب للقارة الأمريكية في نهاية القرن الخامس عشر، جاءت الثورة الكوبرنيكية لتسدد طعنة صماء إلى الصورة التوراتية للكون ولتحدث انقلاباً في المركزية بحيث فقدت الأرض حظوتها التي حبتها بها نظرية الخلق التوراتية / الإنجيلية / القرآنية وغدت مجرد كوكب يدور بصَغار وجبرية حول مركزه الشمسي، بدلاً من أن تكون مركزاً تدور حوله وتتعبد له سائر أفلاك الكون. وهذه الثورة الكوبرنيكية، التي عززتها “الهرطقات” الكوسمولوجية لغاليليو الذي اضطر إلى جحد اكتشافاته العلمية تحت ضغط محاكم التفتيش، وجدت تتويجها في الانقلاب الذي لا يقلّ ثورية الذي أنجزه داروين في القرن التاسع عشر، والذي أجهز بصورة نهائية على قصة الخلق التوراتية عندما ردّ –وقد استغنى عن أسطورة آدم كأب للبشر- أصل الإنسان إلى الحيوان. ورغم كل إدانات الكنيسة وسائر الأجهزة الدينية في العالم، فإن الثورة الكوبرنيكية / الغاليلية / الداروينية استطاعت أن تكتسح جميع المقاومات وأن تكرس حق العلم، وبالتالي العقل البشري، بالتحرر من الأساطير الغيبية وفي التثوير الدائم واللامتناهي للمعرفة الدنيوية.

وسابعها العلمنة الطبقية. فلأول مرة في التاريخ رأت النور طبقة دنيوية خالصة، حصرت جهادها بالأرضيات دون السماويات، ومَحْورت فلسفتها حول المادة لا الروح، هي البورجوازية. ففضلاً عن تثويرها لتقنيات الإنتاج وللعلاقات الاجتماعية، أرست شكلاً جديداً للحكم يتمثل بالديمقراطية التمثيلية التي تستند إلى مرجعية مباطنة، محورها المواطن، لا إلى مرجعية مفارقة مصدرها إلهي. ولئن أمكن للبورجوازية أن تكون سباقة إلى رفع شعار العلمانية وأن تستغني بقدر أو بآخر، وبكيفية ثورية أو تدرجية، عن خدمات الكنيسة، فلأنها ولدت من الأساس كطبقة منتجة، على عكس الطبقة الإقطاعية القديمة الطفيلية التي كانت طفيليتها بالذات تجبرها على التحالف مع الطبقة الكهنوتية تمويهاً لواقعها وشرعَنَةً لاستغلالها. أضف إلى ذلك أن أسلوب إنتاجها بالذات كان يفكّها من أسر التصور الديني للعالم، وذلك بالتضادّ مع الطبقة المنتجة القديمة –أي الفلاحية- التي كان أسلوب إنتاجها هي، يربطها بالسماء، أو بالأحرى بمطر السماء الذي كان البشر يرهونه –قبل أن يتطور علم الأجواء العليا- بإرادة إلهية.

وثامنها العلمنة القانونية. ففي نهاية القرن الثامن عشر جاء إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية ليحوّل المركزية من الله إلى الإنسان، ولينقل مبدأ السيادة وحق التشريع من الله وخلفائه على الأرض إلى الأمة وممثليها في المجلس النيابي. وقد نصّ البند الثالث من إعلان حقوق الإنسان والمواطن أن: “مبدأ كل سيادة يكمن أساساً في الأمة، ولا يحق لأي هيئة ولأي فرد (ولو كان الملك) أن يمارس السلطة ما لم تكن منبثقة صراحة عنها”. ومنذئذ بات التشريع وما يستتبعه من سنّ للقوانين موضع تطوير وعقلنة دائمين بالاستناد إلى مرجعية بشرية خالصة، وطبقاً لحاجات الزمان والمكان، ومن منطلق القيم التي يحددها البشر لأنفسهم بأنفسهم دونما تقيد بوثنية أي نص أول[vi].

وتاسعها العلمنة السياسية. فتواقتاً مع العلمنة القانونية التي حصرت مبدأ السيادة بالأمة، واستتباعاً للعلمنة اللغوية التي كرست العامية لغة قومية، كان لا بد من اختراع وتكريس إطار جيوبوليتيكي جديد للدولة تمثل في ما سيُعرف لاحقاً باسم الدولة/الأمة أو الدولة القومية التي قدمت الثورة الفرنسية نموذجها الأول قبل أن تعممها في شتى أنحاء أوروبا الغربية والوسطى، وحتى الشرقية، ثوراتُ 1948 القومية والديمقراطية. وبديهي أن تبلور الدولة القومية جاء نتيجة مخاض طويل تمثل أولاً في تقلص السلطة الزمنية والرقعة الجغرافية للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ثم في ظهور الممالك السلالية التي صادرت من بابا روما حق الحكم الإلهي، وبات ملوكها يصفون أنفسهم، أو يصفهم البابا نفسه تسليماً بالأمر الواقع، بأنهم ملوك المسيحية[vii]. ولكن رغم هذه المرجعية الإلهية المعلنة فإن الممالك السلالية قد مهدت لتَعَلْمُن ولتَقَوْمُن الدولة في أوروبا، وذلك بقدر ما مثلت انشقاقات دولانية عن الإمبراطورية البابوية المقدسة، وهي الانشقاقات التي تطابقت حدودها في أغلب الحالات مع الحدود اللغوية القومية. وإنما في إطار هذه الانشقاقات المُرْكِسة عن المركز البابوي أمكن، بين ثورتي 1789 و1848، اختراع وتطبيق مبدأ سيادة الأمة التي لا تعلو على مرجعيتها الدنيوية أية مرجعية أخرى حتى ولو كانت من طبيعة لاهوتية. ومبدأ الدولة القومية المعلمنة هذا هو الذي سيحيل إلى متحف التاريخ آخر الإمبراطوريات المقدسة في التاريخ، سواء منها الإمبراطورية الإسبانية-البرتغالية الكاثوليكية التي انفصلت عنها مستعمراتها الأمريكية لتؤسس نفسها في دول قومية، أو الإمبراطورية النمساوية الكاثوليكية أيضاً، أو الإمبراطورية البروسية البروتستانتية، أو الإمبراطورية العثمانية الإسلامية السنية. وحتى الإمبراطوريات التي حافظت على وحدتها ولم تتفكك، مثل الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية، والإمبراطورية الصينية الكونفوشية، فقد كفت عن أن تكون مقدسة، ونسبت نفسها ومبدأ الشرعية فيها إلى إيديولوجيا دنيوية خالصة هي الماركسية[viii].

وعاشرها وآخرها العلمنة الجنسية. وربما تكون الكشوف التحليلية النفسية لسيغموند فرويد وحفرياته في قارة اللاشعور في مطلع القرن العشرين هي التي قدمت لهذه العلمنة ركيزة سيكولوجية مماثلة لتلك التي قدمتها للعلمنة العلمية الثورة الكوسمولوجية الكوبرنيكية والثورة البيولوجية الداروينية[ix]. وقد تفتقت هذه العلمنة عن تحرير مزدوج للحياة الجنسية البشرية من ربقة الجريمة وربقة الخطيئة معاً. فباستثناء ممارسة الجنس مع القصَّر أو بالاغتصاب، لم يعد أي شكل من أشكال هذه الممارسة يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. يصدق ذلك سواء أعلى العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج أم على الممارسات الجنسية المثلية أم تلك الموصوفة بـ”الشاذة”. وبالإضافة إلى رفع يد الكنيسة عن الحياة الجنسية للإنسان وإقرار مؤسسة الزواج المدني، فقد جرى قانونياً استبعاد مفهوم الخطيئة عن شتى أشكال العلاقات الجنسية، وتم إقرار الحرية التامة في هذا المجال، بما في ذلك حرية الاعتقاد بالخطيئة لدى المؤمنين، شريطة ألا يحدّ هذا الاعتقاد من حرية الآخرين في الممارسة الجنسية. وبمعنى من المعاني يمكن القول إن العلمنة الجنسية جعلت من الإنسان سيد جسده، مثلما جعلت منه العلمنة العلمية والفلسفية سيد عقله، بدون أية مرجعية مفارقة أو متعالية إلا لمن يريد أن يقيد ممارسته الجنسية عن طوع إرادة واختيار بمثل تلك المرجعية. وإنما ههنا، أي في مجال الممارسة الجنسية، يمكن أن نتحدث ليس فقط عن “خروج من الدين”، بل كذلك حتى عن “خروج على الدين”. فالأصل في الجنس المعلمَن هو الإباحة، والإباحة تلغي الخطيئة ومفهومها. وغني عن البيان أن هذه العلمنة الجنسية هي التي اصطدمت ولا تزال تصطدم بأعتى مقاومة من الكنيسة، وبشكل خاص في البلدان ذات الموروث الطُّهراني، ومن سائر الأجهزة الدينية الأخرى في العالم، لأنه بدون مفهوم الخطيئة أو الحرام يفقد الدين –ومعه كل سلطة دينية- ركيزة حيوية من ركائزه.

إن هذه السلسلة المتتامة من أشكال العلمنة -مقترنة بالثورة الصناعية-[x] هي التي آلت بأوروبا الغربية إلى اجتراح مأثرة الحداثة، وهذا قبل أن تجد سيرورة العلمنة هذه تتويجها القانوني ابتداء من مطلع القرن العشرين في الإشهارات الرسمية لمبدأ فصل الدولة عن الكنيسة كما حدث في فرنسا عام 1905[xi].

هذا التمييز بين العلمنة كسيرورة تاريخية وحضارية وبين العلمانية كآلية قانونية ضروري لا لتفهم واقعة الحداثة الأوروبية وحدها، بل كذلك لتفهم واقعة تعلمن المجتمع بالتوازي والتواقت مع تعلمن الدولة في البلدان الأوروبية على خلاف ما حدث في روسيا البلشفية أو تركيا الكمالية حيث أجبرت الدولة المجتمع على اعتناق العلمانية وفرضتها عليه فرضاً كإيديولوجيا أو حتى كدين بديل.

– يتبع –

—-

[i] – لنا أن نلاحظ أن هذه الدعوى الفلسفية والاستشراقية معاً تستبعد من حلبة السباق الحضاري أوروبا الشرقية التي كانت متقاسمَة في حينه بين روسيا الأرثوذكسية والإمبراطورية العثمانية الإسلامية السنية.

[ii] – كان تروتسكي هو من صاغ قانون التطور المتفاوت والمركب هذا عندما لاحظ في كتابه عن تاريخ الثورة الروسية أن الأمم التي قد تدخل متأخرة إلى حلبة السباق الحضاري تستطيع أن تستدرك فواتها التاريخي وتحقق تطوراً مركباً لا بسيطاً وفق مبدأ التوالي الهندسي لا العددي، فتنجز في عشرات من السنين ما انجزته الأمم التي سبقتها إلى التقدم في مئات من السنين.

[iii] – حذار من تفسير “الخروج من الدين” على أنه “خروج على الدين”. فقولة مرسيل غوشيه التي ارتقت إلى نصاب المقولة الإبستمولوجية التأسيسية في السجالات حول الحداثة، لا تعدل إعلاناً على الطريقة النيتشوية بموت الدين، بل تلحظ فقط، من خلال استقراء واقع المجتمعات الغربية الحديثة، أن المجال العام في هذه المجتمعات لم يعد يتَبَنْيَن بالدين، وأن هذا الأخير قد باتت فاعليته محصورة بالمجال الشخصي. ومن هذا المنظور تحديداً فإن “الخروج من الدين” قد يكون ضرورياً حتى لعدم “الخروج على الدين”، لأنه السبيل الوحيد لعدم إقامة علاقة تعارض وتناف بين الإيمان الديني والحداثة، وذلك بقدر ما أن فصل الروحي عن الزمني، وبالتالي حصر الدين بالمجال الشخصي، يعتقان هذا الأخير من قيود التصورات الإيديولوجية المتقادمة بالضرورة مع تطور التاريخ والتثوير الدائم للعلم.

[iv] – نؤثر هنا تعبير sécularisation المشترك بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية على تعبير laïcisation الذي تنفرد به اللغة الفرنسية، لأنه أوضح دلالة منه على هذه النزعة الدنيوية.

[v] – بخصوص دور الإصلاح البروتستانتي هذا في الثورة التعليمية التي كان لها باع طويل في صنع الحداثة، راجع دراستنا عن كتاب عمانويل تود: اختراع أوروبا، في كتابنا هرطقات، منشورات رابطة العقلانيين العرب، دار الساقي، بيروت 2007، ص 187-203.

[vi] – كنموذج على سعة نطاق العلمنة التي نجمت عن الثورة الفرنسية وشملت بلدان أوروبا الغربية نذكر جملة التدابير والقوانين التي صدرت عن جمهورية الألب الغربية التي جسدت نسخة مصغرة من الثورة الفرنسية. فهذه الجمهورية الصغيرة، التي قامت سنة 1797 والتي ستصبح هي المملكة الإيطالية لاحقة، تجرأت على أن تقف موقفاً حازماً من الكنيسة في بلد يكاد يتطابق في الهوية مع المذهب الكاثوليكي، فرفعت أيدي الأساقفة عن التعليم ومالت إلى أن تجعل منه عاماً وإلزامياً تتولى الدولة الإنفاق عليه. وفضلاً عن أنها “ألغت امتيازات النبلاء، ومنعت التعذيب، وضمنت المساواة لليهود” فقد “جاهرت بطابعها الدنيوي، ففصلت فصلاً تاماً الدين عن الحقوق السياسية والمدنية، وصادرت وباعت أملاك الكنيسة، وسمحت بالزواج المدني، وأخضعت المواكب الدينية لرقابة مشددة، ومنعت قرع أجراس الكنائس ليلاً، ونزعت صور القديسين التي كانت تزين الشوارع، وأطلقت على الشوارع التي كانت تحمل أسماء القديسين أسماء علمانية جديدة” (نقلاً عن روبرت بالمر: 1798 : الثورة الفرنسية وامتداداتها، ترجمة هنرييت عبودي، دار الطليعة، بيروت 1982، ص 237).

[vii] – كان الملوك لا يحكمون باسم الأمة أو باسم الشعب، بل باسم الله نفسه. وهذه الحاكمية الإلهية كانت تتمثل في ألقابهم. فعن ملك فرنسا كان يقال، رسمياً، إنه الملك المسيحي جدا، وعن ملك إسبانيا إنه الملك الكاثوليكي، وعن ملك إنجلترا إنه حامي الإيمان. وعلى جبهة الإسلام أيضاً كان الخلفاء العباسيون، ابتداء من الانقلاب المتوكلي، لا يلقبون أنفسهم إلا بالإحالة إلى الله: المنتصر بالله، المستعين بالله، المعتمد على الله، المكتفي بالله، المستعصم بالله…

[viii] – لئن تكن الإيديولوجيا الماركسية قد شهدت سقوطاً مدوياً في العقد الأخير من القرن العشرين فليس من شك في أن هذا السقوط يعود، في أحد أسبابه، إلى أن الماركسية المطبَّقة أعادت تأسيس نفسها في ما يشبه أن يكون ديناً جديداً من طبيعة شمولية. ومن ثم نستطيع أن نقول إن هذا السقوط ترجم بدوره –ولو بعد طول تأخير- عن انتصار مبدأ العلمنة الذي يتعارض مع أي مبدأ مفارق للحاكمية، سواء أكانت حاكمية الله أم الحزب الواحد أم الزعيم الأوحد. وبمعنى من المعاني يمكن القول إن مبدأ العلمنة بات يتماهى سياسياً مع المبدأ الديمقراطي من حيث أن الديمقراطية ليست هي فقط حكم الشعب، بل كذلك حكم المتغير والمؤقت والنسبي والجزئي وما سوى ذلك من مفردات المعجم الأرضي، بالتعارض مع حكم الثابت والدائم والمطلق والكلي وما سوى ذلك من مفردات المعجم السماوي.

[ix] – عن العلاقة العضوية بين هذه الثورات الثلاث أنظر القصة الرمزية الرائعة: حكاية بلا بداية ولا نهاية لنجيب محفوظ كما حللناها في كتابنا: الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية، دار الطليعة، ط. 4، بيروت 1988.

[x] – هل يمكن أصلاً فصل الثورة الصناعية، التي انفردت أيضاً أوروبا الغربية وحدها بالسبق إلى إنجازها، عن سيرورة العلمنة الشاملة؟ فككل ثورة فإن الثورة الصناعية تمثل نوعاً من قطيعة، وكما في كل قطيعة فإن الدور الأول يعود إلى العقل البشري. ووحده العقل الذي حررته العلمنة من قيد السلفيات والغيبيات يمكن أن يثور ويثوِّر معه التقنية ووسائل الإنتاج.

[xi] – أما أن العلمانية هي نفسها سيرورة تاريخية فإن فرنسا –وهي البلد الأكثر جذرية والأسبق إلى التعلمن في العالم- تقدم مثالاً على أنه ليس هناك صيغة واحدة وناجزة ونهائية للعلمنة. فعبثاً حاولت الدولة العلمانية الفرنسية أن تعيد تعميد مدنها وشوارع مدنها بأسماء دنيوية، ولكن الموروث الديني الضارب في القدامة كان ينبعث من رماده ويعيد فرض نفسه بقدر أو بآخر من النجاح. والشاهد على ذلك يقدمه مثلث الحي اللاتيني في باريس الذي لا تزال شوارعه تحمل أسماء قديسين: سان جرمان، وسان ميشيل، وسان جاك. كذلك لم تستطع الدولة المعلمنة الفرنسية أن تستبدل جميع الأعياد الدينية بأعياد مدنية. فإلى اليوم لا تزال فرنسا تعطل رسمياً إلى جانب عيد الثورة وعيد النصر وعيد العمل، بأعياد ذات طابع ديني صرف مثل عيد الميلاد والفصح وعيد صعود المسيح والعذراء وعيد العنصرة وعيد جميع القديسين. والعجيب أنه عندما أرادت الدولة أن تلغي عطلة عيد صعود العذراء (وهو عيد استحدثته الكنيسة الكاثوليكية عام 1950) اصطدمت بمعارضة الاتحاد العمالي والحزب الشيوعي اللذين دافعا عن مبدأ العطلة بحد ذاته وليس عن العيد من حيث هو عيد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This