العلمانية كجهادية دنيوية (2/2)

بالإحالة إلى العالم العربي-الإسلامي لنا أن نلاحظ أن جميع بلدانه قد عرفت أشكالاً متفاوتة من العلمنة، وإن لم يكن أي منها قد انتهى إلى إشهار علمانيته بصورة جذرية ونهائية[1]. ولئن تكن هذه البلدان متفاوتة تفاوتاً ملحوظاً في حظها من التقدم والتخلف، فلا شك أن أحد المعايير التي يمكن اعتمادها في قياس هذا التفاوت هي درجة التعلمن. فباستثناء البلدان الخليجية التي أنجزت قدراً من التحديث المادي العمراني البحت بفضل عامل “برّاني” لا يقاس عليه هو المنّ النفطي، فلنا أن نلاحظ أن البلدان العربية الأقل تخلفاً هي بصفة عامة الأكثر تعلمناً، والبلدان الأكثر تخلفاً هي بصفة عامة أيضاً الأقل تعلمناً. ولكن خلافاً للدعوى التي يروج لها اليوم الأصوليون وبعض المفكرين الشعبويين الذين يسعون إلى استرضاء جمهور الأصوليين، فإنه لا وجود لأية دولة عربية علمانية، بما في ذلك بطبيعة الحال الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية المشتطّة التي بات يطيب للأصوليين وللشعبويين على حد سواء نعتها بأنها علمانية، وهذا حتى يعللوا دكتاتوريتها الواقعية بعلمانيتها المزعومة[2].

وأما أنه لا وجود لأية دولة عربية علمانية بالمعنى الناجز للكلمة فالدلائل والقرائن عليه أكثر من أن تُحصى.

ونحن لن نتحدث هنا عن الدول الخليجية النفطية التي لم يخرج أي منها من تحت عباءة الدين، والتي يلعب بعضها أخطر دور في ما سنسميه إعادة تديين المجتمعات العربية.بل سنقصر كلامنا على الدول العربية الأخرى الموصوفة تارة بأنها تقدمية،وأخرى بأنها متعلمنة أومتلبرنة أومعتدلة. فجميع هذه الدول العربية تنص في دساتيرها إما على أن الإسلام هو دين الدولة، وإما على أن الإسلام هو دين رئيس الدولة، وإما على أن الإسلام هو المصدر الوحيد أو الرئيسي للتشريع.

وهكذا ينص دستور كبرى الدول العربية وأسبقها إلى التحديث والتعلمن –ونعني مصر- على أن “الإسلام هو دين الدولة… ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”.

وفي الوقت الذي يتميز فيه دستور الجزائر بدرجة عالية من التعلمن، بحكم قوة حضور موروثها القانوني من العهد الكولونيالي الفرنسي(وفرنسا هي الدولة السباقة الأولى الى التعلمن في العالم)، فإنه يفرد مع ذلك مادة تنص باختصار على أن “الإسلام دين الدولة”.

ويصدق الأمر بالمثل على تونس. فلئن تكن هي أبكر الدول العربية إلى العلمنة النسبية لقانون الأحوال الشخصية، فقد نص دستورها على أن “الإسلام دينها”، وإن يكن هذا النص لا يخلو من التباس: إذ هل المقصود أن الإسلام هو دين تونس/الشعب أم دين تونس/الدولة؟

وبالمقابل، إن ثالثة دول المغرب العربي ذي الموروث الكولونيالي الفرنسي، أي المملكة المغربية، تجهر في دستورها بعدم علمانيتها من خلال إعلانهأن “المملكة المغربية دولة إسلامية… والإسلام دين الدولة… والملك أمير المؤمنين… وهو حامي حمى الدين… وشخص الملك مقدس لا تُنتهك حرمته”.

أما الدولتان الصغريان في الشمال الإفريقي، ليبيا وموريتانيا، فإن دستور أولاهما ينص على أن شعبها كان ولا يزال “مستعيناً بالله متمسكاً بكتابه الكريم مصدراً للهداية وشريعة للمجتمع… والقرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية الليبية”. وتنفرد موريتانيا بين سائر الدول العربية باعتماد الإسلام في تسميتها بالذات: الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وتنص في دستورها على أن “أحكام الدين الإسلامي هي المصدر الوحيد للقانون… ورئيس الدولة الإسلام دينه”.

ومع أن دستور آخر دولة عربية إفريقية –ونعني السودان- يتميز عن سائر الدساتير العربية بإقراره بالتعددية الدينية (والإثنية) للشعب السوداني، فإنه يتضمن مع ذلك مادة تنص على وجوب أن “تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تُسنّ على المستوى القومي وتطبّق على ولايات شمال السودان”.

أما في المشرق العربي فتطالعنا أولاً حالة معكوسة تتمثل بلبنان. فميثاقه الوطني، الذي يكرس الطائفية السياسية، ينص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسيحياً ومن الطائفة المارونية، شريطة أن يكون رئيس الوزراء مسلماً ومن الطائفة السنية، ورئيس المجلس النيابي مسلماً ولكن من الطائفية الشيعية. أما سورية، أسبق دول المشرق إلى التعلمن والتحديث النسبيين، فعلاوة على أن دستورها ينص أن “الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع”، فإنه ينفرد بالنص على أن “دين رئيس الدولة الإسلام”[3].

واستلحاقاً بدول المشرق نستطيع أن نضيف اليمن التي ينص دستورها على أن “الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات”.

وحتى دستور دولة فلسطين، التي لم تقم بعد، فإنه ينص بالمثل على أن “الإسلام هو الدين الرسمي في فلسطين” و”مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”.

أما أخيراً العراق فإن الدستور الذي كان معمولاً به في عهد صدام حسين ينص على أن “الإسلام دين الدولة”. كذلك فإن الدستور الجديد المصاغ في عهد الاحتلال الأمريكي، والمعروف –على سبيل التنديد- باسم “دستور برايمر”، ينص على أن “الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساسي للتشريع… ولا يجوز سنّ قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”[4].

وإذا تجاوزنا الدساتير إلى الممارسة فلنا أن نلاحظ –في معرض ردنا على الأطروحة الأصولية/ الشعبوية عن “الدكتاتورية العلمانية”- أن كبرى الدول العربية وأكثرها جمعاً، منذ الانقلاب الناصري عام 1952، بين باطن من الدكتاتورية وظاهر من العلمانية لا تشترط الإسلام في دين رئيسها فحسب، بل أيضاً في كوادر الجيش العليا التي يحظّر على “المواطن” المصري القبطي الارتقاء إليها. بل أكثر من ذلك: فهذا المواطن نفسه –رغم أن مواطنته هذه تفترضه مساوياً كأسنان المشط لكل مواطن آخر في الحقوق– لا يحقّ له أن يشغل وظيفة متواضعة مثل تدريس اللغة العربية بحجة أن هذه اللغة هي لغة القرآن.

وعلى أي حال ليس هناك من دولة عربية واحدة لا تجعل من التعليم الديني تعليماً إلزامياً في جميع المدارس العامة وفي جميع المراحل التعليمية بلا استثناء. بل الأنكى من ذلك أنها توكِل هذا التعليم لا إلى مدرّسين “متعلمنين” أو متخرجين من كليات الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل إلى خّريجي المعاهد الدينية وكليات الشريعة والجامعات الدينية ذات المنزع التقليدي الخالص- مثل الأزهر والزيتونة والقرويين- التي ترفع لواء المحافظة والسلفية وتتنكر حتى لحركات الإصلاح الديني التي قادها نهضويون من أمثال الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده[5]. بل إن “الدينيات” تتخطى مجال التعليم الديني الصرف لتحتل مكانة الصدارة حتى في الكتب المدرسية “الدنيوية” مثل كتب القراءة واللغة والأدب والتاريخ والتربية الوطنية. وعلى هذا النحو يمكن القول إن المدرسة العربية هي الخلية الأولى اليوم، في الدول العربية، لإنتاج وإعادة إنتاج الأصولية الدينية، وإن في تفاوت ملحوظ تبعاً للدول ولدرجة “تعلمنها”[6].

ثم إنه ليس هناك من دولة عربية واحدة ، حتى لو كانت موصوفة بأنها “تقدمية” ،لا تجعل من الشرع الإسلامي بصورته التقليدية مصدراً أحادياً إلزامياً في مجال الأحوال الشخصية،مع كل ما يترتب على ذلك من تمييز وإجحاف بحق المرأة، ولاسيما في موضوع الإرث الذي يحدّ فيه حقها بنصف حق الرجل[7]. وهذا ينطبق حتى على تونس البورقيبية، “المتعلمنة” إلى حد كبير في هذا المجال، لأنها تميّز هي أيضا تمييزاً حاداً بين الرجل والمرأة في الإرث، فتعطي الذكر ضعف حظ الأنثى [8].

وباستثناء تونس هذه المرّة، ليس هناك دولة عربية واحدة، مهما تكن درجتها من التعلمن، لا تجعل شهادة المرأة بقدر نصف شهادة الرجل[9].

وليس هناك دولة عربية واحدة تبيح زواج المسلمة من غير المسلم. وإذا كانت تبيح زواج المسلم من غير المسلمة فإنها تشترط في أولادها منه التنشئة على دين زوجها. وهي على كل حال لا تبيح أن تدفن الزوجة غير المسلمة إلى جانب قبر زوجها المسلم، لأن جميع المقابر في العالم العربي الإسلامي تخضع لتفرقة من طبيعة أبارثيدية حقيقية تبعاً للاختلاف في الدين، بل حتى تبعاً للاختلاف بين الطوائف في الدين الواحد. ففي سوريا ولبنان مثلاً هناك مقابر للمسلمين وللمسيحيين وللدروز (كما لليهود قبل قيام إسرائيل)، ولكن للسنة مقابرهم الخاصة التي لا يدفن فيها الشيعي، وكذلك للشيعة مقابرهم الخاصة التي لا يدفن فيها السني، والأمر بالمثل بالنسبة إلى مقابر الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس والسريان، الخ. ثم إن اللامؤمن نفسه لا يملك خياراً في ألا يدفن في غير مقبرة طائفته الأصلية ووفق طقوسها الدينية، كما لا يملك أن يمتنع عن دفن جثته وأن

ينص في وصيته على إحراقها كما الحال في المقابر الأوروبية “المعلمنة”.

بيد أن السلاح الأمضى في يد السلطة الدينية للتحكم بالحياة الجنسية والاجتماعية للبشر يبقى هو الزواج. ومع أن الزواج ليس في الإسلام “سراً” تحتكر الكنيسة تسييره كما الحال في المسيحية، فقد اصطدم إقرار الزواج المدني –ولا يزال- بمقاومة من المؤسسة الدينية الإسلامية لا تقل عتواً عن تلك التي اصطدم بمثلها في بلدان المسيحية الكاثوليكية. وحتى في بلد مثل لبنان متعدد الأديان والطوائف، فإن الراغبين في الزواج المدني يضطرون إلى عقده في قبرص. وعلى أي حال، إن الأولاد المتحدرين من زواج مدني يبقون في نظر المؤسسة الدينية العربية، سواء أكانت إسلامية أو مسيحية، أولاداً غير شرعيين، هذا إن لم يعتبروا أولاد زنا، ومحرومين بالتالي من حق الكنية والإرث معاً.

وعلاوة على غياب الزواج المدني فإن ممارسة الحياة الجنسية في غير إطار الزواج الشرعي، أو بأشكالها المعدودة “شاذة” من قبيل الجنسية المثلية، لا تعتبر فقط مجرد خطيئة يحاسب عليها المؤمن في الآخرة، بل تعتبر أصلاً جريمة تعاقَب بالرجم حتى الموت أو بالجلد، أو في أحسن الحالات بالحبس. ومن هذا المنظور المحدد فإن بعض البلدان العربية، ومعها بعض البلدان الإسلامية، تقدم في مطلع القرن الحادي والعشرين هذا مشهداً مفجعاً لمجتمعات لا تزال تعيش وفق إيقاع القرون الوسطى وحساسيتها التي لا تجرحها همجية الرجم والجلد ،مثلما ما كانت همجية المحارق تجرح حساسية أوروبا المسيحية القروسطية [10].

وأخيراً، إن حرية العقل –التي هي المدماك الأول في بناء الحداثة- لا تزال في جميع البلدان العربية محدودة السقف بعدم الجهر بعدم الإيمان. بل إنها لا تزال محدودة السقف، كما في سودان النميري والترابي الذي أعدم محمود محمد طه شنقاً، بعدم الخروج على العقيدة القويمة ولو من منطلق إيمان واجتهاد مغايرين. ومع أن كثرة من الدساتير العربية تنص على حرية الرأي، فإن القوانين السارية المفعول لا تزال تعتبر جريمة الرأي واحدة من أفدح الجرائم.

إذن ما من بلد عربي بعلماني، وإن يكن هناك بونٌ شاسع في درجة تعلمن كل بلد عربي على حدة. وبما أن العلمنة، كما رأينا في مثال أوروبا الغربية، هي آلية، ليس فقط للفصل بين الدين والسياسة، بل عتلة أيضاً وأساساً للإقلاع الحضاري، فلنا أن نلاحظ أن العجز الحالي للبلدان العربية عن هذا الإقلاع –في الوقت الذي تتهيأ فيه الصين والهند، بعد التنانين الصغيرة الأربعة، لتكرار المعجزة اليابانية– يمكن أن يرجع في أحد أسبابه على الأقل إلى توقف سيرورة العلمنة أو حتى تراجعها. والواقع أن استئناف هذه السيرورة –وصولاً إلى العلمانية الشاملة ولو في مستقبل غير منظور بعد- باتت ضرورة مصيرية. فالعالم العربي، في عالم أقلعت جميع قاراته وأشباه قاراته –خلا إفريقيا السوداء- لم يعد يملك حتى خيار المراوحة في مكانه. فما لم يتقدم فإنه مهدّد بالانكفاء نحو قرون وسطى جديدة. وليس من قبيل الصدفة أن القوى السياسية والإيديولوجية الموصوفة وصفاً غير مطابق بأنها “أصولية”، والعاملة من أجل تسريع عجلة هذا الانكفاء، لا تعادي شيئاً اليوم كما تعادي العلمنة والعلمانية. فهذه القوى الناشطة تحت لواء القدامة تدرك بنوع من حدس غريزي ما لا يدركه العقل الشعبوي السائد اليوم في أوساط النخب المثقفة العربية، وهو أن ما تسميه إعادة أسلمة المجتمع، أي تنقيته وتطهيره من أوشاب العلمنة “المستوردة من الغرب”، هي الطريق المضمون الذي يقود مباشرة إلى مقبرة الحداثة “الكافرة”.

وبما أن هذه الحداثة كانت شرعت بالتسرب إلى العالم العربي خلال ما اصطلح على تسميته بـ”عصر النهضة”، فإن إعادة أسلمة المجتمع تلك ترتبط ارتباطاً عضوياً بإعادة تديين الثقافة. وإعادة التديين هذه هي أهم ما يميز المشهد الثقافي العربي في العقود الأخيرة. وقد أخذت إعادة التديين الثقافي هذه، في ما أخذت،وفي ما يتعلق بالثقافة العالمة المكتوبة، شكل إغراق للمكتبات بملايين النسخ الرخيصة الثمن أو حتى المجانية من الكتب التراثية ذات المنزع السلفي والحنبلي المتشدد، وكذلك شكل توظيف للتكنولوجيات الإعلامية الحديثة، ولاسيما شبكة الأنترنت المحقونة بمئات المواقع الدينية المتطرفة والمغذية،كما رأينا في الدراسة السابقة، لثقافة الفتنة الطائفية.أما على صعيد الثقافة الشعبية الشفهية فتتكفّل بإعادة التديين خطب المساجد التي أفلح الأصوليون في تخطيطهم للسيطرة عليها،والكاسيتات والأشرطة السمعية-البصرية التي أغرقت بها المكتبات والأسواق الشعبية وحتى البقاليات، وأخيراً الفضائيات التي تخاطب الملايين والملايين، بمن فيهم الأميون الذين يتجاوز تعدادهم في العالم العربي المئة مليون. ونخص بالذكر هنا قناة الجزيرة، أوسع الفضائيات العربية نفوذاً وتأثيراً باعتمادها استراتيجية ذكية تقوم على احتضان التعددية السياسية، التي يفتقدها أشد الافتقاد العالم العربي المحاصَر بالدكتاتوريات، لتمرير واحدية دينية نكوصية. وقد كانت الحاضنة المادية لإعادة التديين هذه هي الدولارات النفطية التي وظفت بمليارات ومليارات في خدمة استراتيجية الانتقاض على عصر النهضة وموروثه الثقافي، وتحويل قيادة الفكر العربي المعاصر من الأفغاني والكواكبي وقاسم أمين والطاهر الحداد وفرح أنطون وطه حسين وسائر النهضويين إلى ابن تيمية وتلامذته من النيو-وهابيين، وإلى سائر مجددي السلفية المتزمتة في القرن العشرين بدءاً بسيد قطب وانتهاء بيوسف القرضاوي.

—-

[1] – ممن تصدى من الباحثين لدراسة ظاهرة تعلمن الدولة في العالم العربي-الإسلامي عزيز العظمة في كتابه العلمانية من منظور مختلف.

[2] – الواقع أننا نستطيع أن نعكس العلاقة المزعومة بين الدكتاتورية والعلمانية. فخلافاً لما يروج له الأصوليون والشعبويون فإن الطبيعة الدكتاتورية للأنظمة العربية، ولاسيما منها ذات الأصول العسكرية، هي التي تجعلها تراوغ، بل تتراجع في موضوع علمنة الدولة كما المجتمع، هذا إن لم تنهج مسلك الممالأة الدينية تسوّلاً لنزر من الشرعنة التي تفتقدها افتقاداً تاماً. وحسبنا هنا أن ننوه بأن هذه الأنظمة الدكتاتورية لا تجرؤ، رغم كل عتوها وجبروتها، على أن تتصدى لظاهرة متفاقمة، وهي الآذان بمكبرات الصوت، مع أن التصدي لمثل هذه الظاهرة سهل من وجهة نظر دينية خالصة، باعتبار أن استعمال مكبرات الصوت في المآذن هو “بدعة” مستحدثة لم تعرفها المساجد قبل منتصف القرن العشرين. وقد كنا رأينا أن جمهورية ديمقراطية صغرى، مثل جمهورية الألب الغربية، لم تتردد في منع دق أجراس الكنائس ليلاً رغم التجذر العميق للشعب الإيطالي في الكاثوليكية (لنفتح هنا قوسين لنشير إلى أن الدولة العربية الوحيدة التي حظرت الآذان بمكبرات الصوت هي تونس البورقيبية. ويوم أصدر الحبيب بورقيبة قرار الحظر هذا لم يكن دكتاتوراً على طريقة العسكريين العرب، بل كان زعيماً وطنياً وشعبياً ذا شرعية ثابتة).

[3] – على سبيل المقارنة لنلاحظ أن دولة متعددة دينياً وطائفياً، ولكن علمانية مثل الهند، لا تمنع دستورياً ولا واقعياً أن يكون رئيسها من الأقلية المسلمة، لا من الأكثرية الهندوسية، كما هو واقع الحال اليوم مع رئيسها عبد القلم.

[4] – إنه لمما يلفت النظر أن هذه الاستمرارية الدستورية بين العهدين الصدامي والبرايمري تجد ترجمة لها في الموقف من العلم الوطني العراقي. فقد كان صدام حسين، في مسعاه إلى توظيف الدين في الشرعنة السياسية، قد عمد إلى “تديين” العلم العراقي -الموروث من العلم “المعلمن” للجمهورية العربية المتحدة- من خلال الأمر بإضافة عبارة “الله أكبر” إليه. والحال أن العهد ما بعد الصدامي لم يجرؤ ليس فقط على إلغاء هذه الإشارة الدينية، بل لم يجرؤ حتى على إلغاء الغلطة الإملائية التي تتمثل بوضع همزة قطع فوق ألف الوصل في كلمة :ألله.

[5] – يضطلع الأزهر من هذا المنظور بالدور الأخطر. ذلك أن عدد الطلاب في جامعة الأزهر يتجاوز اليوم 110 آلاف، كما يبلغ عدد طالبي التسجيل نحواً من 450 ألف طالب. ولكن ما هو أبلغ دلالة بعدُ من تضخم الأزهر بما هو كذلك تكاثر المعاهد الابتدائية والإعدادية والثانوية التابعة له والمعروفة باسم المعاهد الأزهرية. فقد قارب تعداد طلبتها اليوم المليونين. وقد عرفت هذه المعاهد تطورها الأول في عهد عبد الناصرقبل أن يتسارع في عهد السادات، ثم تضاعفت سرعة تطورها في عهد مبارك ليرتفع عددها من نحو ثمانمائة إلى نحو تسعة آلاف. وعلاوة على ذلك فقد أنشئت مئات من المعاهد الأزهرية في بلدان إفريقيا مثل نيجيريا وتنزانيا وكينيا وتشاد والصومال وجنوب إفريقيا وجزر القمر، ولاسيما السنغال التي تأوي اليوم أكثر من376 معهداً أزهرياً. بل امتدت حركة التوسع الخارجي هذه إلى آسيا، ولاسيما باكستان وإندونيسيا وماليزيا، وكذلك الهند والصين، وحتى إلى أوروبا وأمريكا.

[6] – يمكن للقارئ أن يراجع في هذا الموضوع الفصل الممتاز عن “التربية والحداثة” الذي كتبه محمد الشرفي، وزير التربية والتعليم والعلوم في تونس بين 1989 و1994، في كتابه: الإسلام والحرية، الالتباس التاريخي.

[7] – الجدير بالذكر أن هذه القاعدة الفقهية التمييزية بين الجنسين تطبق حتى على غير المسلمين من مواطني الدول العربية، خلا لبنان الذي يطبق قواعد تشريعية متباينة تبعاً للانتماء الديني أو الطائفي للوريث أو الوريثة. وقد خرقت الدولة السورية مؤخراً هذه القاعدة عندما أعفت طائفة الروم الكاثوليك من تطبيق الشرع الإسلامي السني عليها في مجال الإرث، فصارت الكاثوليكية ترث بقدر ما يرث الكاثوليكي. ولكن هذا الاستثناء لم يشمل بالمقابل الطوائف المسيحية الأخرى مثل الروم والسريان الأرثوذكس، وهذا ما احدث بلبلة وحِراكاً مطلبياً في صفوفهم.

[8] – قد يكون ضرورياً هنا أن نتوقف لنشير إلى أن التشريعات المعمول بها من هذا المنظور في جميع البلدان العربية إنما تجد مرجعيتها المفترضة في الآية 11 من سورة النساء: “للذكر مثل حظ الأنثيين”. ولئن سوّدنا هنا كلمة مفترضة فلأن هذه الآية ،إذا أخذت في نسبيتها التاريخية، تبدو أكثر إنصافاً للمرأة بكثير من التشريعات السائدة اليوم في العالم العربي الإسلامي. فهذه الآية لم تنزل تاريخيا لتظلم المرأة، بل لتنصفها بالأحرى. فالمرأة العربية -كما يوضح جواد علي في دراسته الكلاسيكية: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام- ما كانت في الجاهلية ترث شيئاً، إذ كان كل الميراث يذهب إلى الابن البكر أو إلى الذكور القادرين على القتال. ومن ثم فإن الآية المذكورة ضمنت للمرأة حدّاً أدنى كانت محرومة منه حرماناً تاماً. والحال أن ضمانة قانونية للحدّ الأدنى لا تعني حدّاً للحدّ الأعلى –أي حدّ المساواة كما في الحالة التي نحن بصددها. ولكن ما حدث هو أن الاجتهادات الفقهية السلفية والتشريعات العربية الإسلامية، بدلاً من أن تأخذ بغائية تلك الآية، أخذتها بحرفيتها، وأخرجتها عن منطق نسبيّتها لتخلع عليها طابعاً مطلقاً. وهكذا، وبدلاً من ضمانة حد أدنى، جعلت من الحدّ الأدنى حدّاً أعلى ودائماً ديمومةً سرمديةً.

[9] -غني عن البيان أن هذا التمييز في الشهادة بين الرجل والمرأة، الذي يخلّ إخلالاً خطيراً بمبدأ المساواة القانوني والديموقراطي بين الجنسين، إنما هو نتيجة إلزامية للتطبيق الميكانيكي للشرع الإسلامي الموروث من دون أي محاولة- ضرورية كل الضرورة هنا -لإعادة فتح باب الاجتهاد. وحسبنا هنا أن نشير إلى أن قاعدة نصفية شهادة المرأة ينطبق عليها نفس مبدأ النسبية التاريخية الذي قلنا إنه ينطبق على آية الإرث. فالآية 282 من سورة البقرة ضمنت هي أيضاً للمرأة الحق في نصف شهادة في زمن كان مضنوناً عليها فيه حتى بربع شهادة. وعلى أي حال، إن الآية المذكورة تحصر الشهادة بعقود الدين المحررّة لدى كاتب بالعدل. وبالمقابل، إن الآية الثامنة من سورة النور- وبصددها يمكن إعادة فتح باب الاجتهاد لمن يريد إعادة فتحه- تنصّ نصاً صريحاً على التعادل التام بين شهادة الرجل وشهادة المرأة في موضوع أخطر بكثير من موضوع عقد الدين: ألا وهو موضوع “الزنا” باللغة العتيقة، أو “الخيانة الزوجية” بلغة أكثر حداثة.

[10] – في الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، أي في تشرين الأول/أكتوبر2007، أصدرت الحكومة الأفغانية المتعاونة مع قوات التحالف الغربي بياناً أكدت فيه استمرارها في تطبيق عقوبة الإعدام رجماً لا في حالات الاغتصاب فحسب، بل كذلك في حالات الزنا. ونلاحظ على كل حال أن المعجم العربي لم يخترع بعد لتسمية العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج الشرعي مفردة أخرى غير الزنا المثقلة بحمولتها الترجيسية القروسطية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This