العلمانية والديمقراطية وفك الاحتكارات

في السياسة كما في الاقتصاد هناك نزوع دائم نحو الاحتكار، وإذا كان الميل الاحتكاري في الاقتصاد يتأتى أصلاً من صيانة حق الملكية الخاصة وما يبنى على ذلك من قوانين اقتصادية داخلية تدفع في منطقها نفسه باتجاه المزيد من تمركز رأس المال والمزيد بالتالي من الاحتكار لحصد المزيد من الأرباح، فإن الميل الاحتكاري الحديث في السياسة يبدأ باستعارة فكرة الملكية من الاقتصاد وتكريسها في السياسة.

ولئن تجاوز العالم المتقدم هذه الممارسة من خلال تكريس استقلالية المؤسسات وتداول السلطة، فإن فشل مجتمعاتنا في تمييز المستوى الاقتصادي فيها عن المستوى السياسي هو المسؤول فيما يبدو عن مد الظاهرة هذه (الاحتكار السياسي) بأسباب استمراريتها. فتصبح مراكز اتخاذ القرار السياسي (المناصب) سلعاً يعمل على الاستيلاء عليها واحتكارها وتثميرها. وكلما علا الموقع، زادت حساسية العلاقة بين الموقع وشاغله حتى تتجاوز علاقة المالك بالمملوك إلى أن يتحول موضوع الملكية – مركز اتخاذ القرار – إلى “حرمة” تستفز لدى “سيدها” ليس فقط غريزة الحماية بل حتى مشاعر الغيرة.

الاحتكار في الاقتصاد يشل المنافسة الاقتصادية التي من المفترض أن تنعكس إيجاباً على جودة السلع وسعرها بشكل يخدم في المحصلة المستهلك النهائي، لذلك نرى في البلدان الصناعية المتقدمة تدخلاً من خارج الاقتصاد (تدخلاً سياسياً) لحماية المنافسة عبر فرض قوانين لمحاربة الاحتكار. والاحتكار في السياسة، على غرار حاله في الاقتصاد، يبطل المنافسة السياسية التي من المفترض أن تنعكس إيجاباً على المواطنين من حيث احترام وسيادة القانون والسعي إلى تحقيق إنجازات حقيقية تعود على عامة الناس بالرفاهية وعلى أبطالها بالشعبية الواعية والحرة وبزيادة رصيد الاتجاه السياسي الذي يمثلونه. غير أن الاحتكار هنا وهناك يبطل آلية المنافسة مما يجعل “المحتكرين” في مأمن حصين فلا يأبهون كثيراً بما يقترفون. وإذا كان الاحتكار الاقتصادي يحمى بقوة رأس المال فإن الاحتكار السياسي يحمى بتكييف العقول وصناعة القناعات التي ترضى بهذا الاحتكار وتحميه من جهة (حماية غير مباشرة) وبالعنف الصريح المتعدد الأشكال من جهة أخرى (حماية مباشرة).

وعلى هذا نفهم العلمانية والديمقراطية على أنهما عمليتان متكاملتان لفك الاحتكارات السياسية المباشرة منها وغير المباشرة. نقصد بالأولى إقصاء الآخر بالعنف عبر وسائل القسر المختلفة وعلى رأسها جهاز الدولة، ونقصد بالثانية إقصاء الآخر “بالشرع” واحتكار الحق في تفسير المقاصد الإلهية وتدشين مرجعيات لها قداستها التي تسمو على العقل أو لا تخضع له وتمارس فعلها في السياسة [وهاتان بالمناسبة عمليتان متكاملتان أيضاً، فالعنف يحمي احتكار الجهات المرجعية لحق الوصاية الشرعية، وهذه الجهات بدورها “تفتي بشرعية” هذا العنف]. ولا تكتمل عملية فك الاحتكار السياسي المباشر وغير المباشر إلا بتكامل العمليتين الديمقراطية والعلمانية، والعمل على خط دون الآخر يفضي إلى تدشين أنواع جديدة من الاحتكارات.

فمثلاً علمانية الاتحاد السوفياتي التي نمت في كنف نظام شمولي انتهت إلى دين من نوع جديد، إلى دين دنيوي إذا صح القول، له قداساته الخاصة وكهنته و”عقلانيته” التي تحيل أية عقلانية أخرى مخالفة إلى نوع من الكفر. لم تكن “العقلانية” السوفياتية الممتلئة بذاتها والغارقة بالرضا والطمأنينة الذاتية تختلف عن الإيمان والتسليم الدينيين، ولم تكن قادرة بالتالي على تصور عقلانية أخرى مغايرة، فكان من الطبيعي أن تلجأ، بتقليد ديني مكرس، إلى “تكفير” ما سواها ورمي الآراء المغايرة بالضلالة وإيداع أصحابها في “مصحات عقلية”، وهو إجراء يليق بدين عقلاني دنيوي يصنع “مطهره” على الأرض، بنفس القدر الذي يتصور أنه يصنع جنته أيضاً. لقد كشفت التجربة السوفياتية بوضوح كيف تتحول العلمانية إلى دين مضاد للدين حين تنشأ بعيداً عن الديمقراطية في وسط دولة شمولية واحتكار سياسي كالذي ساد في الاتحاد السوفياتي السابق.

ومن ناحية أخرى فإن الديمقراطية اللبنانية غير العلمانية كرست ديكتاتوريات داخل الطوائف لا تقل قبحاً عن الديكتاتوريات المرذولة الشائعة، واستدعت رجال الدين من كل الألوان إلى ساحة العمل السياسي المباشر. فغياب العلمانية عن الديمقراطية اللبنانية أحالها إلى ديمقراطية طوائف حولت السياسة في لبنان إلى فن اقتطاع أكبر قدر ممكن من سلطة الدولة لصالح الطائفة ثم لصالح ممثلي الطائفة ثم وبخط مستقيم لصالح زعيم/زعماء الطائفة. على هذا لا تمت الديمقراطية اللبنانية لمفهوم الديمقراطية (التي تقوم على فكرة المواطن) بصلات قوية، والحال إن اللبنانيين وغير اللبنانيين يعبرون عن فرادة الديمقراطية اللبنانية، الديمقراطية التي يسمونها توافقية والتي تقوم في الحقيقة، أكثر مما تقوم على التوافق، على توازن الرعب بين الطوائف.

هذه الديمقراطية، وعلى خلاف ما يفترض بالديمقراطية، تكرس انقسام اللبنانيين بدلاً من أن تصهرهم، إذ بدلاً من أن ترسي قانونياً مبدأ المواطنة فإنها تفتت مفهوم المواطن إلى تلاوين عديدة بتعدد الطوائف والمذاهب وتفتت بالتالي البلد إلى بلدان بعدد هذه التلاوين. والحق أن هذه الفرادة هي خلطة متفجرة صمام أمانها الوحيد الوصاية الخارجية التي ما أن تضعف حتى يبدأ المرجل اللبناني بالغليان ويعلو ضجيج “الشركاء في الوطن” بحثاً عن وصاية جديدة. فضلاً عن أن ديمقراطية لبنان غير العلمانية هذه لا تحمي حرية الفرد فهي إذ تبعد عنه ثقل يد الدولة، تدنيه أكثر إلى عملية تنميط سياسي طائفي تتوفر على كل أساليب القسر التي تتوفر عليها الدولة؛ كما أنها لا تحمي وحدة الوطن بل على العكس تضعه دائماً على حافة الانقسام وتشرع ثغوره لمختلف أشكال التغلغل الخارجي.

المثال الإيراني يلقي الضوء أيضاً على تجربة عدم مجاورة العلمانية للديمقراطية. الديمقراطية الإيرانية تخص تيارات رجال الدين فهي لا تحرر المجال السياسي، كما يفترض بالديمقراطية، بل تفتحه فقط أمام لون سياسي محدد يتباين بين متشدد ومنفتح. ديمقراطية تفشل في جعل الجميع عرضة للمساءلة بل تخضع هي ذاتها لقيود مرجعيات عليا وتمر هي ذاتها عبر فلترات “مجلس أوصياء” يسمح بترشيح هذا ويرفض ترشيح ذاك بمنأى عن أية مساءلة.

ضد ممارسة احتكار السلطة المعرفية أو احتكار الحق أو “المعصومية” في السياسة وضد احتكار السلطة السياسية تقوم الديمقراطية العلمانية، وهي لا تقوم على الإطلاق لتهدم سلطات روحية لها مكانتها في نفوس الناس ولها وظيفتها الاجتماعية الحيوية، كما لا تقوم لتفرض “دينها” على الجميع بل لتفتح الباب للجميع على قدم المساواة. وهي تناضل اليوم لتنتزع حقها ليس فقط في نزع القيود التي تطالها كما تطال غيرها بل، وربما الأهم، في نزع التشويهات العالقة بها والتي تثقل على فكرتها وتحد من حركتها.

في النهاية، لا بد من السؤال: هل يعبر الجدل الدائر اليوم حول العلمانية عن فكاك بين الفكر والواقع، بمعنى هل المشكلة المتناولة حقيقية أم مصطنعة، وهل وجعنا السياسي اليوم نابع من غياب أو حضور العلمانية، وما هو تفسير تزايد الحديث في هذا الموضوع إذن؟ ربما نحاول معالجة هذه الأسئلة، التي تستحق المعالجة برأينا، لاحقاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق