العلمانيون الفرنسيون في مواجهة الساركوزية

أذكر أننا في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وفي جامعة عين شمس، قسم علم النفس، كنا ندرس حالة مرضية عصابية أسميناها “مجمع الأمراض النفسية” وهي حالة ادعاء الإصابة بالمرض عند قراءة أعراضه، بحيث نجد متمارضاً يجمع أمراض عديدة، إنها حالة تصيب بعض القلقين جداً على صحتهم.. ولا أدري لماذا تتجسد امامي هذه الصورة كلما أمعنت النظر في بعض اقوال وافعال السيد ساركوزي، اكثر رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة إثارة للقلق في ادائه كرئيس لدولة كبرى، فهو السياسي البرغماتي الوحيد الذي يتبنى عددا من الأفكار السياسية والفلسفية والثقافية المتناقضة في وقت واحد، ويدعي أنها تدعو للقطيعة مع ماضي البلاد وحاضرها.

 ولا تنم هذه الرؤية عن أي نوع من تقليل شأن رئيس انتخبته غالبية الفرنسيين، فالفرنسيون مدركون اليوم انه لم يرتق الى ما كانوا يتوقعونه، بدليل انحسار تأييدهم السياسي له. وقد سبق لي أن كتبت على صفحات هذه الجريدة بأن ساركوزي يسعى للقطيعة التامة مع الجمهورية الخامسة في مبادئها ومعاييرها الدولية والمحلية.

 كثيرة هي قضايا الرئيس المثيرة للجدل التي أطلقت موجة من اللغط والتناقض في الأجواء السياسية والحياتية للفرنسيين، وهذه القضايا خاصة وعامة لها مدلولاتها وتحمل في ثناياها أجواء الفرقة بعدما اجتمعت الجماعة الوطنية الفرنسية حول الجمهورية والعلمانية منذ قيام الثورة الفرنسية في العام 1789 وعززتها الجمهورية الخامسة في العام 1958 التي يدعو ساركوزي للخروج من مسارها التاريخي..

 فإذا تركنا جانباً المشاهد الاستعراضية على الطريقة السينمائية لحياة الرئيس الخاصة.. من سيسيليا
الى كارلا التي تستفز عامة الفرنسيين، ولا تليق بمنزلة رئيسهم، فإن الجمع ما بين المتناقضات، بات سمة الساركوزية، وهذه إشارات لبعضها:

 منذ بداية عهده جمع ساركوزي رجالا من اليسار الاشتراكي الى جانب رجاله اليمينيين المتذمرين من اليسار، فاستعان ببرنارد كوشنار وجان بيير غوييه وجان ماري بوكيل، ودومينيك شتراوسكان وهوبر فيدرين وجاك أتالي وجاك لانغ وميشال روكار، وهو ما أثار لغطا واستنكارا من اليسار واليمين على حد سواء..

 ـ اعتمد في حملته الانتخابية الرئاسية على مخاطبة حاجة عموم الفرنسيين، ووعد برفع مستواهم المعيشي بزيادة قدرتهم على الاستهلاك، وحين وصل الى السلطة قال إن خزينة الدولة خاوية!

 ـ في مايو 2007 قرر ساركوزي ان يقرأ التلامذة في كل المدارس الفرنسية رسالة المناضل الشيوعي غي موكيه (17 سنة) الى والديه قبل أن يعدمه النازيون في العام 1941 فأثار سخرية واستنكار الشيوعيين الذين يعتبرون غي موكيه جزءا من تراثهم النضالي السياسي وليس من تراث اليمين!

 ـ طالب بتطبيق مفهوم السياسة الحضارية الذي قال به الفيلسوف اليساري إدغار موران في كتابه: “السياسة الحضارية”، وحين سأل موران عن جدية ساركوزي في هذا الشأن قال: بصراحة لا أشعر بأنه يسير على هذا الطريق، ولا أعلم ماذا يعرف الرئيس عن نظريتي هذه، أو عن كتبي بنحو عام، وأخشى ألا يكون قد اطلع عليها واكتفى بتلخيصات مستشاره للشؤون الفكرية..

 ـ حاول، ويحاول القطيعة مع علمانية الجمهورية الخامسة. قال في روما (20 يناير 2007) وفي حضرة البابا بينيديكتوس السادس عشر: تحتاج فرنسا إلى الكاثوليكيين المؤمنين الذين لايخشون من الإعلان عن عقيدتهم الروحية، وذلك لأن المسيحية متجذرة في روح فرنسا وتاريخها، فأجابه بعض الفرنسيين بمقطع من إنجيل متى (5 : 32 ) “من طلق امرأته لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة، فإنه يزني”.. وساركوزي طلق مرتين وتزوج بمطلقتين!

 ـ أكد ساركوزي في كلمة ألقاها قبل ايام امام المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (كريف)، أنه يرفض استقبال أي زعيم عالمي لا يعترف بإسرائيل، ويرفض مصافحته، وكان قد استقبل العقيد معمر القذافي في باريس وسبق أن صافح العديد من الرؤساء والملوك والأمراء العرب الذين لا يعترفون باسرائيل!

 ـ خاطب ساركوزي القساوسة بقوله، أينما ستكونون في أوساط الشباب، أو في داخل الجامعات، فأنا معكم وسوف أساندكم.. ورد عليه عضو مجلس الشيوخ الاشتراكي جان لوك ميلانشون بأنه «لايحق للرئيس ساركوزي أن يتحول الى مبشر!

 ـ واخيراً فقد أطلق فكرة جديدة مقلقة في 15 من فبراير 2008 عندما طلب من وزير التربية أن تدرس ذكرى طفل يهودي مهجر (11 ألف طفل فرنسي هُجّروا، وكانوا ضحية للمحرقة كما هو متداول) لكل تلميذ فرنسي اعتباراً من العاشرة من عمره، فكرة استدعت هي الأخرى النقد من قبل عدد من المؤرخين والمدرسين وعلماء النفس، فردت عليه سيمون فييل الرئيسة الفخرية لمؤسسة ذكرى المحرقة، وهي مهجرة سابقة، ورئيسة سابقة للبرلمان الأوروبي وقالت: لايمكننا أن نطلب من طفل حي التوحد مع طفل ميت. إن هذا الطلب لايمكن تصوره، ولا يمكن الدفاع عنه، وهو غير عادل، لأننا لايمكن أن نحمل طفلاً في العاشرة من عمره مثل هذا النوع من العذاب..

 ولم تجد الطبقة السياسية الفرنسية، بيمينها ويسارها ووسطها، سوى أن تقوم بوضع اللبنات الأولى لجبهة وطنية ضد مخاطر التوجهات الساركوزية، فقد نشرت مجموعة من الشخصيات البارزة جداً في مجلة “ماريان” بياناً وقعته نذكر منها: الاشتراكية سيغولن روايال، واليميني الديغولي دومنيك دوفلبان، وزعيم الوسط الديمقراطي فرانسوا بايرو، ومدير مكتب الجنرال ديغول بيير لوفران، ومن حزب الخضر، النائب نوئيل مامير، والشيوعي أندريه جيران، والسيادي الاشتراكي جان بيير شوفنمان، فضلاً عن رئيس بلدية باريس المرشح المقبل لرئاسة الجمهورية برتراند ديلانوي..الخ يستنكرون السلطة الفردية و النزعة الملكية للرئيس ساركوزي المهددة للجمهورية والعلمانية، ويعلنون تمسكهم بمبادئ الثورة الفرنسية الجمهورية والعلمانية والتعددية..

 حالة فريدة من نوعها ورئيس مقلق للجماعة الوطنية، يحمل عددا لاحصر له من الأفكار والأفعال المتناقضة التي تدعو للتأمل جلياً في سياسة لم يمض عليها سوى أشهر عشرة بعد، وقد أثارت ما أثارت من جدل، فكيف ومشوار الرئاسة الساركوزية في بداياته وأمامه مايزيد عن ثلاث سنوات؟!.

 نشر في جريدة أوان في 9/3/2008

 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This