العلم الحديث: تطورات متواضعة واشكالات أخلاقية كبيرة / سعيد الشهابي

العلم الحديث: تطورات متواضعة واشكالات أخلاقية كبيرة / سعيد الشهابي

أثار الاعلان عن آخر المنجزات العلمية متمثلا بإيجاد خلية عاملة (اي تمتلك خاصية الحياة التي تمثل جوهر المخلوقات الحية) تساؤلات علمية واخلاقية وسياسية، كما أظهر تباينا في الموقف الاخلاقي والديني من البحوث العلمية التي تسعى لاختراق الحدود العلمية المعتادة، والولوج الى عالم الحياة والموت. الانجاز الجديد يتمثل بقيام العلماء الامريكيين بتركيب خريطة جينية مصطنعة واستخدامها مع خلية بكتيرية مفرغة لايجاد الخلية' العاملة.

ويأمل هؤلاء في استخدام الخلية الجديدة في تعلم كيفية تصميم أحياء دقيقة حسب الطلب. انها قفزة على الحدود بين ما هو علم بحت محصور باكتشاف القوانين الطبيعية والمعادلات العلمية التي ينحصر دورها في وصف حركة الحياة بكافة جوانبها على الارض والفضاء، وما هو ولوج الى عالم 'الخلق' الذي تحصره الاديان السماوية بالدائرة الالهية وحدها. من هنا تباينت وجهات النظر ازاء هذا التطور بنمط مشابه للجدل الذي ظهر قبل 14 عاما عندما اعلن العلماء البريطانيون نجاحهم في مشروع 'الاستنساخ' بانتاج النعجة 'دولي' في اسكوتلاندا باستنساخ خلايا نعجة اخرى. يومها ساد اللغط حول مدى اخلاقية البحث والتجريب في مجال خارج المألوف من التجارب الطبيعية والعلمية. فثمة فرق كبير بين البحوث التي تجرى من اجل تعميق المعرفة المتصلة بالكون والقوانين التي تتحكم فيه، والبحوث التي تهدف لتحقيق 'مشاركة' في خلق الاشياء. وكان سجالا حادا، ولكن مؤدلجا جدا بين تيارين: ليبرالي وديني. وما تزال للكنيسة مواقفها المعارضة لفتح الباب على مصراعيه امام البحوث العلمية التي تتجاوز 'الثوابت' التي من ضمنها عدم السعي للتدخل في دائرة 'الخلق'. مشكلة الكنيسة انها تنوء بتاريخ مثقل بمواقف مناوئة للعلم والعلماء في بدايات 'عصور التنوير'، يرتبط في اذهان المؤرخين والمثقفين بما كان يسمى 'محاكم التفتيش'. وقد وجدت الكنيسة نفسها في العقود الاخيرة تواجه تركة تاريخية ثقيلة تتمثل بالتصدي للعلماء مثل جاليليو جاليلي، ولذلك اضطرت لتبرئة العالم الذي أقصي عن الكنيسة في 'محاكمة' اعتذارية في 1992.

استقبل 'الانجاز العلمي' الاخير بمواقف متباينة. فدعاة التحرر العلمي يقولون انه الاكتشاف الثالث من حيث الاهمية في العصر الحديث، بعد اكتشاف الشفرة الجينية'وشبكة الانترنت. بينما يحتدم النقاش حول اخلاقية البحث خارج الاطر العلمية التقليدية التي تعنى باكتشاف اسرار الطبيعة والتوصل الى القوانين التي تحكمها. وقد قطع الانسان، عبر القرون، مسافات كبيرة في المجال العلمي حتى اصبح التطور العلمي مقياسا (وشرطا) لنهضة اية امة. فعندما يتحدث المسلمون عن 'العصور الذهبية' فانهم يسترجعون تلك الحقبة من التاريخ التي شهدت نهوضا علميا بارزا. في تلك الفترة كان هناك تلازم بين العلم والدين، فاعتبر العلم طريقا الى الله، وتم تأسيس فلسفة اسلامية متميزة جوهرها تعميق الايمان عن طريق العقل. فكانت الفلسفة العقلية والعلم الطبيعي التجريبي وسيلتين محوريتين لتعميق الايمان. ومن هناك كان العلم 'دينيا' بشقيه الفقهي والطبيعي. كان الفقيه عالما في علوم الطبيعة، فابن سيناء كان عالما في الطب وفيلسوفا، وجمع الكندي بين الفلسفة والرياضيات، وكذلك الرازي والحسن بين الهيثم وسواهم. ان ارتباط نهضة الامم وقيام الحضارات بنهوضها العلمي حقيقة ثابتة، فلا تستطيع امة ان تنهض ما لم تكن لديها نهضة علمية. والحضارات الحالية تخضع للمنطق نفسه. فهيمنة الغرب على العالم انما بدأت بعد ان تبوأت اوروبا موقعا علميا بارزا بعد انتهاء العصور الوسطى التي شهدت صراعا مريرا بين العلم والدين. وكان من نتيجة ذلك افتراق واضح بين الدين والعلم. هذا الافتراق انعكس على المجتمع فاصبحت الدولة تعبيرا عن هذا الافتراق، فاحتضنت العلم وابعدت الكنيسة، وتبلورت مفاهيم 'العلمنة' في السلطة السياسية. هذا لا يعني ان دور الكنيسة انتهى تماما، بل تقلصت مساحته بانتظار 'مصالحة تاريخية' بين جهات ثلاث: السلطة والكنيسة والعلم. ولا بد من التأكيد على ان الكنيسة بذلت جهودا واتخذت مبادرات على طريق هذه المصالحة، ولكن المشوار طويل يحتاج للمزيد من الوقت والجهد، والاهم من ذلك، الرغبة.

ونظرا لغياب الحوار بين السلطة الدينية والمؤسسة العلمية، اكتسى العلم لباس 'العلمنة' خصوصا بعد نشوء التطورات الثقافية المتصلة بالتطورات المجتمعية. فالحداثة مثلا حالة كرست دور العلم على حساب الكنيسة، اذ أكدت على تحجيم دور الدين في الخصوصيات الشخصية، بينما فتحت المجال للعلم للانطلاق بآفاق غير محدودة. وجاءت مرحلة 'ما بعد الحداثة' لتؤكد ضرورة الفصل بين الظواهر الدينية والمجتمعية، واعطت دفعة للعلم للانطلاق في آفاق أرحب، بعيدا عن اي ضوابط اخلاقية او دينية. هذه المفارقات ادت الى حالة استقطاب حتى بين السياسيين انفسهم ازاء القضايا العلمية والدينية. ففي الولايات المتحدة الامريكية مثلا وقفت ادارة جورج بوش ضد الاستنساخ وسعت لاستصدار قرار دولي يمنع ذلك. وفي تشرين الاول/اكتوبر 2004 حث الرئيس جورج بوش مجلس الشيوخ الامريكي على حظر الابحاث العلمية في مجال الاستنساخ البشري قائلا: 'الحياة خلق وليست بضاعة… علينا ان نعمل على وقف الاستنساخ البشري قبل ان يبدأ'. هذا السجال الدولي حول الاستنساخ يعكس عمق الشعور البشري بالتشكيك في مدى قدرة العلم على تحقيق السعادة' الانسانية خصوصا اذا تدخل في المركبات الاساسية للمادة التي يتكون منها هذا الكون. وما الابحاث التي تجري حاليا في عمق البحار وفي الطبقات السفلى تحت البحيرات المتجمدة في سيبيريا والقطببين المتجمدين الشمالي والجنوبي لمعرفة أصل المادة الا مؤشر لحجم الابحاث الجارية التي يرفض اصحابها احيانا الاحتكام الى' المعايير الاخلاقية خصوصا المنطلقة من الدين. وهناك خوف من البحوث المتواصلة حول أصل المادة للتعرف على ما يسمى 'المادة المتناظرة Anti-maer' التي يفترض ان تكون موجودة في مقابل المادة maer'. ووفقا للتعريفات المتداولة في الاوساط العلمية فالمفترض ان يحتوي الكون على حجم متساو من 'المادة' و'المادة المتناظرة' اللتين تكونتا في بداية تكون الكون. وتسعى الابحاث للتعرف على خصائص كل منهما على امل الاستفادة من ذلك في مجال توليد الطاقة في المستقبل. كما يسعى العلماء كذلك للتعرف على طبيعة ما يسمى 'الطاقة المعتمة' Dark maer' التي تمثل الجانب غير المرئي من الكون، وهو ما يعادل 90 بالمائة من حجم الكون. وهذا الجزء لا يبعث موجات كهرومغناطيسية، الامر الذي جعل العلماء يعتقدون بوجود جاذبية لهذا المادة. استنتجوا ذلك من خلال السلوك الذي تتخذه بعض الأجرام السماوية كالنجوم. وبتوضيح أكثر، فإن النجوم تتحرك بصورة أسرع عند مرورها في المادة المعتمة مقارنة بما تبديه من سرعة عند مرورها في الجزء المرئي من الكون كالمجرات.

هذه البحوث الجارية على قدم ساق ساهمت من جهة في التعرف بشكل اكبر على خفايا الكون، واصل المادة، وتركيب المخلوقات، ولكنها في الوقت نفسه أدت الى تشوش اذهان الكثيرين خصوصا في ضوء التجربة البشرية التي كثيرا ما استغلت التطور من اجل الدمار والخراب. وتعكس القصة الكلاسيكية في الادب البريطاني 'فرانكشتاين' حالة التخوف من توجهات العلم البشري وما قد ينجم عنه من نتائج كارثية. هذه القصة كتبتها الكاتبة البريطانية ماري شيلي ونشرت في العام 1818. فرانكشتاين هذا هو العفريت الذي نشأ نتيجة تجارب مختبرية قام بها احد العلماء، فيكتور فرانكشتاين، الذي تعلم كيف يصنع الحياة ويخلق مخلوقا شبيها بالرجل، ولكنه اكبر واقوى من الانسان العادي. واعتبرت القصة من اول التحذيرات ضد توسع الرجل المعاصر في الثورة الصناعية. فهي تتحدث عن العفريت الذي نشأ وأصبح عبئا على ذلك العالم الذي تحولت حياته الى جحيم لان العفريت اصبح يطارده وينغص عليه حياته، ولم تنته معاناته حتى قتل ذلك العفريت. ومع التأكيد على دور العلم في تطور الحياة البشرية، فقد عانت الانسانية من التطور العلمي اذا وقع بأيد غير أمينة. وما الاصرار الغربي في الوقت الحاضر على منع ايران من امتلاك التكنولوجيا النووية الا انعكاس للنفسية الغربية التي تأثرت بتاريخ اوروبا في العصور المتأخرة، حيث الحروب المدمرة التي وفر لها العلم الحديث ادوات الموت وأسلحة الدمار الشامل في الحربين العالميتين. النفسية الغربية تنظر للعالم بمرآتها الخاصة التي تعكس تجربتها الذاتية. فاستعمال القنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية اصبح مصدر قلق من تكرر التجربة، برغم ان امريكا هي التي أساءت استخدام التكنولوجيا النووية وقتلت مئات الآلاف من البشر. ومن بين اهداف ما يسمى 'الحرب ضد الارهاب' السعي المتواصل لمنع سقوط الاسلحة المحرمة دوليا بأيدي الارهابيين، مع ان هذه الاسلحة لم تستخدم الا من قبل الغربيين في حروبهم، سواء مع بعضهم، في خنادق الحربين العالميتين او في فيتنام، ام في الحربين ضد العراق. ان اساءة استخدام العلم كأداة لبسط النفوذ والهيمنة وممارسة الظلم ممارسة تسيء لقداسة العقل البشري القادر، فيما لو تم توجيهه نحو الخير، على تحقيق تقدم الانسانية ورفاهها.

مشكلة العلم الحديث انه مسخر، في الكثير من جوانبه، لخدمة مصالح القوى المالية والسياسية، وان استفادة البشر العاديين نتيجة عرضية وليست اساسية. فشركات الادوية قادرة على الكثير من الاكتشافات، اذ ان لديها اموالا هائلة وامكانات مادية تسمح لها بتوسيع ابحاثها. لكن هذه الشركات تضع المصلحة المادية قبل كل الاعتبارات الانسانية او الاخلاقية. ويعكس فيلم جوليا روبرتس 'ديوبليسيتي Duplicity' الذي صدر العام الماضي حول صراع شركات الادوية على الاسواق جانبا من هذه الحقيقة. كما ان فيلم 'المزارع المثابر The Constant Gardener' يسلط الضوء، بطريقة درامية، على توطؤ الحكومات مع شركات صناعة الادوية في استغلال الفقراء الافارقة لتجريب الادوية الجديدة. هذه التحالفات غير المقدسة والاساليب غير الشريفة لاجراء التجارب العلمية تؤكد غياب الاخلاق عن العلم في عالم تتعمق فيه المطامع المادية ويصبح المال فيه الهدف الاساس في الحياة.

هذه الافلام السينمائية تؤكد، من جانب آخر، حالة الصراع بين البشر العاديين ومالكي الشركات الكبرى، وهو صراع من اجل البقاء والحفاظ على الكرامة الانسانية. هنا يصبح العلم اداة بأيدي الاقوياء، وسبيلا للاثراء الفاحش على حساب الفقراء والمحرومين. وهكذا يبدو تحول العلم في عالم اليوم الى اداة للقهر والقمع، بدلا من ان يكون وسيلة لاسعاد الافراد والجماعات. وثمة حقيقة اخرى مفادها ان وكالات الاستخبارات الكبرى مثل (سي آي أيه) تدير دوائر ابحاث علمية واسعة، وتوظف كبار العلماء لتطوير الصناعات الدفاعية وإنتاج ادوات الموت، وبهذه الاساليب يفقد العلم قداسته ويتحول، هو الآخر، الى وسيلة للقمع والاضطهاد والغلبة. يضاف الى ذلك استهداف العلماء في البلدان العربية والاسلامية كوسيلة لمنع التطور العلمي خارج التحالف بين الدول الكبرى، وهي ظاهرة مقلقة حقا. وتقول التقارير ان اكثر من 500 من العلماء العراقيين قد تمت تصفيتهم على ايدي 'مجهولين' في السنوات الاخيرة.

هذه الرسالة غير المقدسة للعلم تدفع للاعتقاد العميق بان ما يعانيه العالم من كوارث طبيعية انما هو ناجم عن سوء التصرف البشري مع الطبيعة، وان التطور العلمي لم يصاحبه وعي بيئي مناسب، او ترويض لاطماع النفس البشرية التي ادت الى تصحر مساحات شاسعة من العالم، وارتفاع نسب التلوث البيئي في الانهار والبحار بمستويات غير مسبوقة.

وهناك الآن محطات في مناطق نائية في القطبين المتجمدين وألاسكا، وفي الغابات النائية، لاجراء التجارب السرية خارج اية رقابة.

هذا التعامل البشري مع الطبيعة يتناقض مع طبيعة العلم ورسالته، ومع التعاطي المنطقي مع مستلزمات تطوير الانسانية خصوصا في الجانب العلمي. اما السجال المحتدم حول مدى شرعية بعض التجارب الهادفة لتجاوز حدود العلم التقليدية، والبدء بالتدخل في مسائل الخلق، فهو انعكاس لضبابية الرؤية حول الحدود بين ما هو علم مشروع ومطلوب، وما هو عبث مرفوض. فقد مضى حوالي عشرين عاما على ظهور تكنولوجيا الاستنساخ، ولم تظهر بعد نتائج عملية' ايجابية في مجال زراعة الاعضاء عن طريق الاستنساخ. اما التوجه لصناعة خلايا حية، وفق الاعلان الاخير، فله جوانب اخلاقية كذلك، تحتاج لنقاش ديني وعلمي خاص، بعيدا عن اساليب الاحتضان المطلق او الرفض المطلق. ان هناك حاجة اكبر لتطوير العلم الانساني حول الامراض وطرق علاجها، خصوصا ان العلم الحديث عجز عن علاج اي مرض حقيقي كضغط الدم او السكر او السرطان وغيرها، وان كان قادرا على احتواء آثارها ولكن بدون علاج ناجع.

ان العلم الغربي الحديث، الذي يعتبر علمانيا في أغلب جوانبه، بحاجة لترشيد ودعم، ولن يتطور ما لم تتفق الجهات العلمية الدولية على مشروع اخلاقي يواكب التطور العلمي، ويؤكد قدرا من الثوابت الانسانية، ويسعى لتجاوز ما يؤدي الى الاختلافات المعوقة بين البشر. لا شك ان العلم الحديث تطور كثيرا، ولكنه ما يزال في بداية الطريق في بعده الاخلاقي او انتمائه الايديولوجي، او ادائه المهني.

 

عن جريدة القدس العربي 26/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق