العلم لا يفكّر

يتعذّر الاهتداء إلى تبيّن مفاصل العلاقة بين الفلسفة والعلم، وبخاصّة في ثقافة مثل ثقافتنا لم تؤسّس في هذا العصر فلسفتها أو فلسفاتها، ما لم ننتبه إلى سياقين مختلفين وإن كانا متكاملين، سياق تاريخي وسياق معرفيّ. والواقع أن ّ الأوّل لا يعنينا في هذه المقاربة على نحو مباشر وإن كان يسند الإشكاليّة التي نواجهها والتي يمكن صياغتها على هذا النّحو: هل من شأن التقدّم العلميّ أن يفضي كلّما تطوّرت نتائجه إلى تراجع المعرفة الفلسفيّة ـ وقس على ذلك معارف أخرى مثل المعرفة الشّعريّة ـ أم أنّ تطوّر نتائج العلم مشروط بإحياء دور الفلسفة؟

ولعلّ ما يسوّغ تطارح هذه الإشكاليّة في سياق مقاربة فلسفيّة يتمثّل في ما أصبح يميّز الواقع الإنسانيّ الرّاهن من هيمنة للعلم نظريّا وعمليّا حيث نلحظ انتشارا للمواقف العلمويّة التي لا ترى تفسيرا للظّواهر سواء أكانت طبيعيّة أم إنسانيّة إلاّ في ضوء ما يقرّره العلم كما لو أنّ البشريّة لم تعرف منظومة معرفيّة غيره، فضلا عن سطوة التّكنولوجيا وتحكّمها في كلّ مجال بوصفها ترجمة إجرائيّة للعلم. إذن لعلّ هذا الانتشار وهذه السّطوة هما اللذان يستدعيان التّفكير في وضع الفلسفة على ضوء الوضع الذي أصبح العلم يحوزه نظريّا وعمليّا.

وإنّه ليبدو من المتعذّر اختبار هذين الوضعين دون التّصدّي لهذا التّساؤل: بأيّ معنى يتجلّى العلم من حيث هو أداة هيمنة على الطّبيعة والإنسان؟ وقد لا يكون من اليسير الاهتداء إلى إجابة عن هذا السّؤال ما لم ننتبه إلى الأسس النّظريّة التي ينبني عليها العلم والفضاء الإبستيمولوجي الذي يترعرع ضمنه حيث هيمنة العلم على مواضيعه سواء أكانت طبيعيّة أم إنسانيّة إنّما هي هيمنة متأتّية من التّعبير الكمّي، أي من التوسّل بلغة الرّياضيّات، ويكفي في هذا السّياق استحضار ما يقوله غاليلي من أنّ “الطّبيعة كتاب مفتوح دُوّن بلغة الرّياضيّات”، فضلا عن تفسير الظّواهر بالرّجوع إلى قوانين تجري في ما بينها وليس بالرّجوع إلى قوانين مفارقة لها أو مسقطة عليها، وهذه القوانين هي التي تسمح بالتّنبّؤ بما قد يطرأ على هذه الظّواهر مستقبلا فتيسّر التّحكّم فيها. ونعني بذلك مجمل ما تفيدنا به مقولة “الحتميّة الكونيّة” من كشف عن علاقات السّببيّة التي قد تكون لوحظت في الماضي طبقا لمقتضيات المنهج التّجريبيّ والتي تنسحب أيضا على مستقبل الظّاهرة الطّبيعيّة في حالة توفّر نفس الظّروف التي توفّرت عند حدوثها في الماضي.

ولعلّ الأهمّ من كلّ هذا هو أننّا بمثل هذا التحوّل نكون إزاء تعدّدية في الأنساق العلميّة تكفّ معها الحقيقة العلميّة عن أن تكون واحدة وتتحوّل إلى حقيقة نسبيّة، أي يتحقّق تعدّد الحقائق العلميّة فيكون التّعاطي مع الواقع على غاية من التّنوّع والمرونة؛ إذ تكون هناك مقتضيات للتّعامل مع المجال “الماكروفيزيائيّ” غير المقتضيات التي يتعيّن التقيّد بها في التّعامل مع المجال “الميكروفيزيائيّ”، فالأولى ما زالت معقودة بقدر كبير على مبدإ الحتميّة، أمّا الثّانية فمعقودة على “علاقات الارتياب”. لكن ما وضع الفلسفةـ وما أحوج ثقافتنا نحن العرب إليها ـ في ظلّ هذه التطوّرات المتلاحقة للعلم ونظريّاته؟

يصعب الإقرار بأنّ الفلسفة تختفي تماما من المشهد المعرفيّ الذي تتحقّق فيه هذه التّطوّرات، وإنّما تتّخذ لها موقع المصادق على نتائج العلم والدّاعي للاعتقاد فيها، ونعني بذلك “الوضعيّة” من حيث هي تظلّ موقفا فلسفيّا وإن آثرت على نفسها الخطاب العلميّ. وبتعبير آخر فإنّ هذه الوضعيّة هي التي تنقلب فيها المعادلة بين الفلسفة والعلم؛ فبدل أن تكون التّبعيّة من الثّاني للأولى، على نحو ما يقرّر ذلك هوسّرل، تغدو التّبعيّة من الأولى للثّاني. وقلب المعادلة بهذا الشّكل هو ما يولّد في تقديره “أزمة العلوم الأوروبيّة” حيث “الوضعيّة تقطع رأس الفلسفة”، وهذه استعارة لا نماري في بلاغتها وكثافة مغزاها خاصّة إذا ما استحضرنا الحجج التي يسوقها هوسّرل والمتمثّلة إجمالا في أنّ المواقف العلمويّة تقصي من دائرة العلم القضايا الفلسفيّة الأصيلة التي اقتضت تأسيس الخطاب العلميّ نفسه، وهي القضايا المتعلّقة بمطلب الكونيّة ومطلب المعنى ومطلب الحرّية.

وبتعبير آخر فإنّه كان أحرى بنا أن ننتبه إلى أنّ العلم إنّما هو في حقيقة الأمر الفلسفة وهي تتكلّم بغير لغتها المعهودة، أي وهي تتكلّم بلغة العلم، أو هي تسخّر العلم ليكون لغتها الإجرائيّة وقد وطّنت نفسها بعد على لغة التّأمّل والتّجريد. وقد نخطئ إذا ما اعتبرنا مثل هذا النّقد للوضعيّة ضربا من التّباكي على الفلسفة والإشفاق عليها ممّا آل إليه وضعها، فالعلم رغم طابعه الإبداعيّ يظلّ قاصرا عن التّفكير بالمعنى الذي يختزله هيدغر في عبارته التي غدت بالغة الشّهرة: “العلم لا يفكّر”، وهي عبارة كثيرا ما يتمّ استدعاؤها في فهم ساذج ومثير للسّخرية من أولئك الذين يبيتون ويصبحون على جهل مدقع بالعلم فيتعجّلون رمي العلماء بعدم القدرة على التّفكير في حين أنّه يكفي أن يستحضر الواحد منهم أسماء بعض العلماء نظير أينشتاين أو هيزنبرغ أو ماكس بلانك حتّى يكفّ عن مثل هذه السّذاجة. وإنّما المقصود بعبارة هيدجر هو أنّ التّفكير لا ينقدح إلاّ لحظة التّصادم مع مفارقة فتتولّد الإشكاليّات التي لا يمكن استنطاقها إلاّ بواسطة التّفكير.

وبعبارة أخرى فالمقصود من قول هيدجر هو أنّ العلم ليس وليد أوضاع إشكاليّة نظير الوضع الإشكاليّ الذي تواجهه فلسفته هو، وهو الوضع الذي نبسّطه بقدر كبير من الشّطط، لأنّنا لسنا في مقام البحث فيه ضمن هذه المقاربة، فنختزله في القول بأنّ الفلسفة تُعنى بالموجود وقد نسيت بعد مسألة الوجود نفسه. لكنّ ملاحظة كهذه ينبغي ألاّ تقود إلى تحيّف الطّابع الخلاّق للعلم حتّى أنّ باشلار يشبّه التّخييل العلميّ في هذا المضمار بالتّخييل الشّعريّ

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This