العمارة الحداثية في إيطاليا الفاشية / بقلم إيلي حداد

كتبتُ في السابق عن العلاقة بين العمارة والايديولوجيا، ولعل أبرز الأمثلة عن هذه العلاقة في القرن العشرين تمثلت في التجارب السوفياتية والنازية الألمانية والفاشية الايطالية. وفي حين أخذت الترجمة السوفياتية والنازية وجهاً مشابهاً في اتجاه “رجعي” أعاد صوغ النماذج الكلاسيكية لتكوين عمارة “كبرى” تكون بمثابة تعبير عن “النمط الجديد”، وحدها التجربة الايطالية تمايزت باختلافها وبتجاذباتها التي نتج منها اتجاهان مختلفان: اتجاه أول ينادي بالحفاظ على الروابط التاريخية مع العمارة الكلاسيكية، واتجاه ثانٍ حداثي يدعو الى صوغ أكثر راديكالية يتماشى مع الدعوة الفاشية الى تجديد المجتمع وإعادة تكوينه ضمن منظومة جديدة تتخطى نهائياً النظام الاريستوقراطي أو البورجوازي الذي كان سائداً في الماضي. كان المعماري الكبير مارسيلو بياشنتيني يمثل الاتجاه المحافظ، لكنه كان يحاول أيضاً استيعاب التيار الحداثي والوصول معه الى “مساومة” نحو اتجاه وسطي، يحفظ المبادئ الكلاسيكية من دون نسخ هذه النماذج كما فعل هو في أحد أوائل أعماله، مبنى بنك إيطاليا قرب ساحة البرلمان في روما الذي يبدو كنسخة طبق الاصل لأحد “القصور” المدنية من عصر النهضة الايطالية. من منطلق دوره كأحد “أعمدة” المؤسسة المعمارية في تلك المرحلة، دعا بياشنتيني المعماريين والفنانين الشباب الى المشاركة في تصميم أجنحة معرض الثورة الفاشية في روما لعام 1932، وقد تنازل عن تصميم الواجهة الأساسية للمعرض لأحد أبرز أوجه التيار الحداثي، المعماري آدالبرتو ليبيرا، الذي وضع تصميماً مجرداً لواجهة مطلية باللون الاحمر، لون الثورة، تتخللها أربعة أعمدة هي كناية عن أحزمة تعتليها فأس، وهو رمز يعود الى حقبة الامبراطورية الرومانية اعتمده الحزب الجديد كشعار له (“الحزمة” في الايطالية تسمّى “fasces“، التي منها تم اقتباس كلمة “الفاشية”). أعطى بياشنتيني أيضاً فرصة للمعماريين الشباب للمساهمة معه في بناء الصرح الجامعي الجديد في روما (1932 – 1935)، الذي وضع له مخططه الأساسي وصمّم بعض المباني الاساسية فيه. وقد اشترك معه في هذا المشروع الكبير المعماريون جيو بونتي، غيسيبي باغانو، غيتانو مينوشي، جيوفاني ميكيلوشي وغيرهم. حتى أن بياشنتيني أخذ تدريجياً بالانحياز الى الدفاع عن المعماريين الشباب المنضوين تحت اللواء الحداثي، والذين عرفوا بـ”العقلانيين” (Razionalista). في معرض الدفاع عنهم في مواجهة المحافظين الأكثر تشدداً، من أمثال أوغو أوجيتي، صرّح بياشنتيني بأن دور المعماري الأساسي “ابتكار الاشكال المناسبة للعصر”، وهو موقف يتعارض مع موقف المحافظين مثل أوجيتي الذي كان يصرّ على استعمال الاشكال والعناصر التقليدية، ومنها الأعمدة الكلاسيكية والقناطر (قد يكون لأوجيتي هذا أقرباء في التنظيم المدني في لبنان). يذكر هنا أن “العقلانيين”، في إطار تسويقهم للعمارة الحداثية، وضعوها ضمن سياق المفهوم “المتوسطي”، نسبة الى حوض البحر المتوسط، الذي تتمتع عمارته بقاسم مشترك، منها الأشكال المكعبة، المجردة، البيضاء، التي تتميز ببساطتها وبانسجامها الطبيعي مع محيطها. كما أن العقلانيين لجأوا الى مقاربة المفكر الماركسي بينيديتو كروشي، الذي قسّم الاعمال الفنية قسمين، تلك التي تقع ضمن نطاق “النثر” (مثل الأعمال التقليدية في نظر التيار الحداثي)، وتلك التي تقع ضمن نطاق “الشعر”، الأكثر صفاوة وتعبيراً، وهذا في نظرهم ما ينطبق على أعمالهم وتوجهاتهم الفنية.

ضمن إطار المشاريع الاعمارية وتطوير المنشآت المدنية، حدّث النظام الفاشي عدداً من محطات القطار، وبنى محطات جديدة، كانت أبرزها المحطة المركزية في فلورنسا، من تصميم جيوفاني ميكيلوشي. هذا المبنى الأفقي المستطيل والمجرّد من أي عناصر تقليدية، أثار ضجة كبيرة عند انتهائه في العام 1935 فانبرى النقاد يهاجمون هذا النمط الجديد الذي لا يرتبط بالتراث المعماري بأي صلة، وخصوصاً في إطار مدينة تاريخية مثل فلورنسا. كان من الواضح تأثر المبنى الجديد بالأفكار الغريبة عن التراث المعماري الروماني، الى أن وضع موسوليني بنفسه حداً لهذا الجدل بإعلانه في تصريح له إعجابه بالمحطة الجديدة التي تعبّر عن الاتجاه العصري والحداثي للمشروع الفاشي. محطات القطار هذه كانت تشكل إحدى الركائز الأساسية لعملية “التطوير” من حيث ضبط إيقاع الحياة بدقة وتوظيفها بشكل أفضل في خدمة النظام الجديد.

لكن القسط الأكبر من المشاريع التي تنخرط مباشرة ضمن “الإيديولوجيا الفاشية” كان مجموعة المباني التي أُنشئت لمؤسسات العناية الصحية، للشباب والرياضة، للمتقاعدين، وبصورة خاصة البيوت الحزبية التي عُرفت بـ”بيت الفاشية” أو casa del fascio، وانتشرت في المدن الكبرى وحتى في بعض المدن الصغيرة. كانت هذه تشكل منظومة لتأطير الحياة ضمن مؤسسات حزبية، هدفها نزع المواطن من إطاره العائلي التقليدي لإعادة صهره ضمن الأطر الحزبية. كانت البيوت الفاشية المركز الأساسي للحياة الحزبية وقد تحولت بفعل ذلك مراكز أساسية في حياة الناس، وكانت تضم، الى المكاتب التنظيمية، صالات الاجتماع والتثقيف، مراكز الاعلام والبث الدعائي، إضافة الى أحد أهم مكوّناتها: القاعة المخصصة للشهداء.

من أوائل المشاريع لبيوت الفاشية في إيطاليا بيت الفاشية في فلورنسا (1928) على يد آدولفو كوبيدي، وتوالت التصاميم، منها ما نُفِّذ ومنها ما لم يُنفَّذ، حتى العام 1943. من أبرزها، بيت الفاشية في آستي على يد أوتورينو آلويزيو (1933) الذي يتميز بالنمط التعبيري المتأثر بأعمال اريك مندلسون في المانيا ومجموعة أمستردام، فيما أكثرية هذه البيوت أخذت المنحى الحداثي المجرّد مثل بيت كازوراتي (أوغوتسو ماغناني، 1941) وبيت الفاشية في غيدونيا (بيني وكانشلوتي، 1937) وميسينا (غيسيبي سامونا، 1940). تظهر بعض التصاميم التأرجح بين نظرتين، الأولى تدعو الى توثيق العلاقة بين العمارة ومحيطها التاريخي والطبيعي، فيما الثانية تنحو منحى التجرد المطلق، الحداثي بامتياز. هذه المواجهة نراها مثلاً في بيت الفاشية في كافاليزي على يد المعماري جيوفاني لورنزي، الذي انطلق من تصميم أقرب الى النمط الكلاسيكي بعناصره ومواده التقليدية الى أن جعله بعد تعديلات شكلاً مجرّداً من العناصر التقليدية. شكلت هذه المشاريع تيبولوجيا خاصة بها، مكوّنة من عنصرين أساسيان: المستطيل “الوظيفي” الذي يحوي أكثرية الوظائف الأساسية والبرج (campanile) ذا الاهمية الرمزية.

لكن المثال الأبرز للبيت الفاشي، الذي صار إحدى أهم “الايقونات” المعمارية في تاريخ العمارة الحداثية، يعود بلا شك الى تصميم غيسيبي تيراني لبيت الفاشية في كومو (1936). هنا، على مقربة من الساحة المركزية ومن الكاتدرائية، وضع تيراني تحفته المعمارية التي أتت كتعبير أمثل عن إيديولوجيا تدّعي الانفتاح على الشعب والعصر، وكترجمة لأفكار موسوليني الذي عبّر بنفسه عن تصوّره لبيت الفاشية كـ”بيت من زجاج”، أي مبنى منفتح على محيطه، يتمتع بأقصى درجات “الشفافية” والوضوح. وضع تيراني تصميمه لـ”نصف المكعب” هذا على أساس مخطط مربع، ارتفاعه نصف عرضه وطوله. الواجهة الأساسية مكوّنة من هيكل مجرّد تنتظم وراءه المكاتب، فيما تسمح سلسلة من الابواب الزجاجية المتراصة، على المستوى الأرضي، بدخول الحشود بانتظام الى القاعة الداخلية المفتوحة على الطبقات العليا. فقط القسم اليميني من الواجهة اكمد (لا يتعدى ثلث الواجهة)، إذ إنه معدّ لنشر الملصقات والدعايات الحزبية، وخصوصاً صورة “الزعيم”. هكذا تحوّل “بيت الفاشية” مع تيراني من مجرد مبنى عملاني يستوعب الوظائف المطلوبة الى تجسيد مثالي لإيديولوجيا تدّعي التطوّر والارتباط بالمشروع الحداثي، تالياً الى رمز لتلك الحقبة. وفي الوقت الذي تعامل المؤرخون بنوع من الازدراء تجاه الأعمال المعمارية لآلبرت شبير في برلين مثلاً، لم تستطع صبغة المبنى الفاشي “تلطيخ” سمعة بيت الفاشية في كومو لأجيال لاحقة من المعماريين الأوروبيين والعالميين. قد يكون ذلك أحد الاسباب التي جعلت أعمال تيراني تنجو من الانتقاد بعد الحرب حتى على أيدي أبرز النقاد الماركسيين الايطاليين من أمثال مانفريدو تافوري.

لم يقتصر المجهود المعماري الفاشي على هذه الاعمال بل امتد الى مجال التصميم المدني، من أبرز نتائجه توسيع بعض الجادات في العاصمة، و”تحرير” بعض المعالم التاريخية من النسيج المدني الذي يحيط بها ومنها الـ”فيتوريانو” و”عمود تراجان”. من أبرز المشاريع الكبرى في ضواحي روما، مشروع المدينة الجديدة التي بنيت لاستضافة المعرض العالمي للعام 1942. كان المسؤول عن هذا العمل الضخم المعماري بياشنتيني أيضاً، ووضع المخطط العام له، ومن ثم وُزّعت المباني المختلفة عبر مباريات معمارية، حاز فيها آدالبرتو ليبيرا أحد أهم المشاريع في المعرض، وهو قاعة المؤتمرات، فيما حظي بادولا وغيريني ورومانو مشروع تصميم “قصر الحضارة الايطالية”، المبنى الرمز الذي يقع في نهاية أحد المحاور الأساسية في المشروع، وهو مكعب من ست طبقات من الرخام المزيّن بقناطر تقليدية.

في الوقت الذي اندثر فيه التراث المعماري النازي في ألمانيا، نجا تراث الحقبة الفاشية في إيطاليا من الدمار خلال الحرب وبعدها، فبقي على قيد الحياة، طبعاً مع تعديلات في وظائفه الحالية، فمبنى الفاشية في كومو صار أحد المراكز الحكومية، فيما صارت منطقة المدينة الجديدة (معرض 1942) إحدى الضواحي المزدهرة، وقد أعطاها السينمائي الكبير أنطونيني شهرة إضافية كأحد الأمكنة الأساسية لتصوير فيلمه “الكسوف” عام 1961.

الاتجاهات المختلفة في تلك الحقبة صبّت كلها في اتجاه تكوين الإطار المدني لمجتمع كان المنضوون تحت لوائه والمساهمون في تكوينه، يظنون أنه سيكون مجتمعاً مثالياً تذوب فيه المشكلات والتناقضات وينصهر فيه السياسي مع الروحاني في بوتقة واحدة، يعاد من خلالها إحياء مجد إيطاليا الغابر وتعاد اللحمة التاريخية مع تراث الامبراطورية الرومانية. وكان المعماريون المنضوون تحت لواء الفاشية من المجموعات الأساسية في هذا المشروع الايديولوجي، بإيمانهم الثابت والمطلق بحتمية الوصول الى “المجتمع المثالي” عبر عمارة حداثية ترفع الشعارات ذاتها: الشفافية، الوضوح، النظام والتراتبية. إلا أن هذه الاحلام سقطت بسقوط النظام، وإن بقيت بعض هذه المباني لتتحول رموزاً لحقبة أساسية في تاريخ أوروبا.

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 31/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق