العمال المهاجرون في فخ العبودية / كلاوديا فيته

الكثير من العمال المهاجرين من جنوب آسيا تحط بهم الرحال في كل مكان سعيا وراء سد الرمق وتحسين الوضع المعيشي. لكن بعضهم كان قدره الوصول إلى مكان آخر غير ما وعد به، ليتحول الحلم إلى كابوس والوعد إلى وعيد. كلاوديا فيته تسلط الضوء على هذه القضية.

كومار رامجالي، 33 عاماً، شاب قصير القامة يرتدي بذلة سوداء ويبدو على وجه الحزم، يجلس على أحد المقاعد في القاعة الكبيرة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف . رامجالي لا يعمل دبلوماسيا ولا حتى ناشط حقوق إنسان ، بل إنه مجرد مزارع بسيط من نيبال، وقع في مصيدة تجار البشر، حين كان يبحث عن عمل ما يساعده في ظروف حياته القاسية.

قدم رامجالي إلى جنيف ليقدم شهادته حول التجارة بالبشر التي كان هو نفسه أحد ضحاياها. ويضيف قائلا: "لأناس مثلي لم يمتلكوا حظاً من العلم ، لا فرصة أمامهم إلا البحث عن عمل في الخارج. أناس كثيرون من قريتي فعلوا ذلك واستطاعوا أن يجمعوا بعض المال ليعيشوا حياة هانئة بعد ذلك".

أحلام ووعود

يروي رامجالي قصته هذه بهدوء وعيناه منخفضتان إلى الأسفل. في عام 2004 قرر أن يبحث عن حظه في الخارج. وجد ضالته عند شركة لتوظيف العمالة في كاتاماندو، إذ وعدته هذه الشركة بالحصول على فرصة عمل في أميركا مقابل مبلغ وقدره 1300 دولار أميركي. يعد هذا المبلغ كبيراً بالنسبة إلى مستوى المعيشة في نيبال، الذي يحاكي عمل عام كامل هناك. استطاع رامجالي اقتراض المبلغ، غير أن وكالة التوظيف لم ترسله إلى أميركا كما وعدته مسبقاً، بل مباشرة إلى نيودلهي. وهناك كان عليه دفع ما يعادل المبلغ مرة أخرى لوكالة أخرى للوصول إلى نيويورك. لكن الوكالة احتفظت بجواز سفره وقامت بنقل رامجالي إلى الأردن. وهناك تبين له أخيرا إلى أين وجهة سفره الحقيقية؛ إلى العراق وهو الأمر الذي لم يرجوه بكل تأكيد. وأضاف قائلا: "لم يكن لي خيار آخر، كان علي القبول بما يقولون. لقد أخذوا مني جواز سفري في نيودلهي، ولم أكن أملك أي مال. في وضع كهذا لم يكن باستطاعتي إلا القبول بالذهاب إلى العراق".

كانت الرحلة من الحدود الأردنية إلى داخل العراق مرعبة ومليئة بالمخاطر، فقد تم مهاجمة الحافلات التي كانت تقلهم وكان عددهم ثمانين شخصاً كلهم من نيبال، إذ تم اختطاف احدى الحافلات وقتل اثني عشر نيبالياً كانت تقلهم الحافلة. نجا رامجالي هذه المرة لينقل إلى قاعدة" بي ون ـ الأسد" الأميركية. في هذه القاعدة عمل في أعمال التنظيف أولاً ثم في مخزن الوقود وأخيراً في مجمع النفايات. وبدل من أن يحصل على الأجر الموعود بتقديمه له وقدره 1200 دولار أميركي، لم يحصل إلا على 280 دولاراً ليرتفع بعدها أجره إلى 500 دولار مقابل العمل لمدة اثنتي عشرة ساعة يومياً ولسبعة أيام في الأسبوع.

شاهد على الفظائع

ونعود إلى رامجالي الذي ُسمح له بالعودة إلى وطنه وترك القاعدة الأميركية بعد أربعة أعوام من العمل فيها وذلك بعد أن تم استبداله وزملائه بعمال آخرين يعتقد أن أجورهم أقل مما يتقاضاه. يؤمن رامجالي بأنه كان محظوظاً بالبقاء على قيد الحياة. كما أن عائلات القتلى الاثنتي عشرة اتفقت على رفع دعوى قضائية في الولايات المتحدة ضد الشركة الوسيطة التي من خلالها تم نقلهم إلى العراق. تقول المحامية آكنيشكا فريتسمان: "رفعنا دعوى ضد شركة داوود وشركائه وهي الشركة الأردنية التي قامت بإرسال هؤلاء العمال إلى العراق وأيضا ضد شركة " كي بي أر" أكبر شركة خدمات متعاقدة مع القوات الأميركية في العراق.

وأضافت المحامية فريتسمان "نعتقد أن هذه الشركة كانت على علم مسبق بتجارة البشر هذه. حتى إذا ما كان نقل هؤلاء العمال تم عن طريق وكالات متعددة، إلا أن الوقائع تشير إلى عملية قمع وسوء معاملة تمت ضد هؤلاء العمال". وأشارت إلى وجود شهود عيان على مثل هذه الممارسات مثل رامجالي الذي كان خلالها موجوداً عند وقوع الاختطاف. واعتبرت أن الأحداث تشير بوضوح إلى عملية تجارة بالبشر من توريط بالمديونية ثم المطالبة بالديون إلى مصادرة الجوازات و بعد ذلك منع المغادرة، مؤكدة أن هذا هو الأسلوب النمطي للمتاجرة بالبشر.

و يبدو أن الغرض من الدعوى هو الحصول على تعويضات لعائلات القتلى. ورامجالي مستعد للمثول كشاهد في هذه القضية لرغبته في أن تحقق العدالة مجراها في حالة زملائه القتلى. وهو شخصياً لا يتوقع الحصول على تعويض ما. و يبدو أيضا أن حلمه بحياة أفضل بقي على الطريق بين كاتاماندو وقاعدة "بي وان ـ الأسد" الأميركية في العراق.

وتعد حالة هذا النيبالي ليست حالة استثنائية، إذ يُعتقد أن المئات من عمال جنوب آسيا حطت بهم رحالهم في العراق. وتحاول المنظمة الدولية للهجرة ( اي او ام ) جاهدة بإعادة هؤلاء العمال الذين تقطعت بهم السبل من هناك إلى بلدانهم . يقول جان فيللبه كاوزي المتحدث باسم هذه المنظمة : "يشمل هذا الموضوع أساسا الشباب الباحثين عن العمل والذين يتم إرسالهم إلى العراق للعمل في ورشات البناء أو الخدمات، بعضهم يستطيع العودة ولكن بمشقة كبيرة. الظروف في العراق لا تساعد على العودة بشكل طبيعي".

ترجمة: عباس الخشالي

عن موقع قنطرة 2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق