العمران والمفاهيم الاجتماعية الحاكمة مأمون فندي

كان المفهوم الحاكم في بيتنا القديم الذي تربيت فيه، هو تقسيم الزمان للتغلب على محدودية المكان‏،‏ حيث كنا نعافر في الزمان‏،‏ بتحريك الأشياء مثل المائدة وخلافه‏،‏ لإضفاء صفات المعيشة أو الطعام أو النوم على المكان‏،‏ وكانت العمومية لا الخصوصية هي الأصل في علاقاتنا الإنسانية. تربيت في بيت يقع في جنوب مصر، فيه أربعة حيطان فقط دونما تقسيمات داخلية من غرف نوم ومعيشة وخلافه،‏ مما يراه الأوروبيون ضرورة‏‏ ويراه العرب المحدثون ضرورة أيضا‏،‏ فبالنسبة لي ولأهلي لم نكن نهتم بتلك التقسيمات المكانية‏، ولكننا كنا نهتم بتقسيم عنصر الزمان‏.‏ ولهذا تفصيل أتمنى أن أنجح في إيصاله كتابة، رغم أنه هو حياتي التي أعرفها جيدا‏… فبدلا‏، على سبيل المثال، من وجود غرفة طعام ومائدة سفرة ثابتة‏ وغرف نوم وغرفة معيشة، أي بدلا من تلك التقسيمات المكانية،‏ كنا نقسم الزمن:‏ فصحن الدار المفتوح يصبح غرفة طعام في لحظة الغروب،‏ عندما تسحب والدتي (الطبلية) وتضعها في المنتصف وتفرش الحصيرة،‏ ونجلس جميعنا لتناول طعام العشاء‏ أو الإفطار في شهر رمضان‏.‏ ثم ينتهي الإفطار‏، وتسحب الطبلية أو المائدة وتوضع جانبا، ونشعل نار المدفأة ويبدأ السمر،‏ فيصبح المكان حجرة معيشة واستقبال يأتي إليه الضيوف ويجلسون للسمر وحلو الحديث‏.‏ هنا نحن نتحدث عن ساعتين أو ثلاث‏ من الزمن‏،‏ ثم ينصرف الضيوف، ويُطفأ الموقد وتفرش الحصر ومن فوقها شال مصنوع من الصوف، ويعد المكان بعد أربع ساعات ليصبح غرفة نوم،‏.. وهكذا يأتي الصباح، فنعيد إعداد صحن الدار ليصبح مكانا للإفطار ثم مكانا للاستقبال، ودواليك…‏ ونحن نحرك أدوات المكان لتغير الأحوال حسب الزمان‏.‏ أي أننا نعافر ونلعب في محور الزمان لإضفاء صفات جديدة على وظائف المكان، ولذلك أثر في النفس والروح يختلف عما يقوم به الإنسان المتمدن الذي يقسم بيته إلى أحواض مكانية من حجرات نوم واستقبال ومعيشة، الخ..‏.‏

وأول هذه الآثار يتمثل في العلاقات الأسرية الخاصة بالأب والأم والأبناء والبنات‏، فالجميع موجودون في نفس المكان‏،‏ في حالات النوم والصحو.‏.. مجتمع صغير يدعو إلى الجماعية وليس الفردية، فيه تواصل فكري وروحي فطري‏، إذ يشاهد الطفل أخاه الأكبر وأمه وأباه‏ وأخته على طبيعتهم‏، يتعلم منهم وينقل عنهم‏، يعرف لحظات انكساراتهم وانتصاراتهم‏،‏ ضعفهم وقوتهم‏،‏ خوفهم ورجائهم، وهم أيضا يعرفون أنه يصرخ في نومه أو يتحدث فيه عن كوابيس دنيوية‏.‏

ولما تحسنت أحوالنا الاقتصادية إلى حد ما، انتقلنا من خلال عمران الحداثة إلى التفاعل مع موضوع الخصوصية‏،‏ وتقسيم البيت إلى أحواض وعلب مكانية‏،‏ وبدلا من ذلك الوجود والعمران الأفقي المتمثل في أربعة حيطان‏،‏ تمددنا رأسيا‏،‏ ودار في البيت حوار استمر شهورا للحديث عن علاقة الترابط الأسري السابق الموجود في عمران الحيطان الأربعة بعملية التفكيك التي قد تحدث نتيجة للبناء الرأسي‏.‏

كان هاجسنا الأول هو مدى تأثير عمران الخصوصية (الغرف الخاصة) على تماسك الأسرة وترابطها، وكان هناك عهد بيننا بألا تفرقنا الأماكن ولا المسافات. تعدد الغرف والتركيز على الخصوصية كان هو مصدر التهديد الأساسي للالتحام الأسري الذي اعتدناه والذي نرى فيه معنى الحياة. لم يكن بيننا مهندس معماري‏،‏ فالإخوة‏،‏ منهم الطبيب والأستاذ الجامعي والإعلامي‏،‏ ولكن كان أصل الحوار حول إعادة البناء‏،‏ هو عملية موازنة ما بين التخلص من شمولية المجموع من أجل خصوصيه الفرد‏،‏ هروب من نظام أبوي مسيطر‏‏ (ربما لا تعجب هذه الملاحظة والدي، فهو رجل طيب وليس فيه من الدكتاتورية شيء، ولكن بمعنى من المعاني كانت السيطرة الأبوية موروثا ليس بالسهولة التخلص منه)، إلى ذاتية محضة تسمح بالتحرر‏‏ مع الحفاظ على مساحة التماسك الأسري.

وتوصلنا إلى صيغة تجعل من البناء الرأسي أمرا يحافظ على أفقية ورحابة المعمار القديم الذي يتحيز للزمان على حساب تخصيص المكان‏،‏ وكانت فكرة أصغرنا سنا هي إعادة ترتيب البناء الأفقي في المعمار الرأسي‏،‏ ولذلك قصة سأرويها في المقال القادم.

نشر في جريدة الجريدة في 9/4/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق