العملية السياسية في العراق في ظل الاحتلال 2003-2006

كشفت أحداث ما بعد الحرب الأنجلو- أمريكية على العراق صحّة المواقف والتحليلات السياسية للأطراف التي عارضتها، ليس فقط بصدد ما كان يشكّل محور الأزمة، وهو أسلحة الدمار الشامل، وإنما في ما يتعلق بالمفاهيم التي جاءت بها السياسة الأمريكية لتجعل منها قضايا سياسية تقتضي الضرورة التعامل معها وفق الرؤية الأمريكية، ومن أهمّها إرساء قواعد الديمقراطية في الدول التي تفتقر إليها بسبب سيطرة أنظمة سلطوية، إلى جانب تحديد العلاقات بالدول على أساس محاور: الخير والشرّ، وتبنّي استراتيجية “الحرب الوقائية” كسياسة لمحاربة الإرهاب، والتي اتخذتها الولايات المتحدة في مجملها مبررا لشنّ الحرب علي العراق ومن ثمّ احتلاله. وفق قناعه مفادها أنّ التدخّل العسكري في العراق سيكون من السهولة بمكان نتيجة حالة الضعف التي تعتري نظامه الذي عانى من الحصار لسنوات طوال، وبالتالي من السهل أيضا بناء نظام سياسي جديد حليف للولايات المتحدة، كما سيمكّن الوجود العسكري الأمريكي في العراق من الضغط على النظم الرافضة للإصلاح والداعمة للإرهاب، وهي الدول التي شكّلت محور الشرّ، والدول المارقة – حسب تصنيف إدارة بوش الابن.

وفي هذا الإطار يتناول كتاب “العملية السياسية في العراق في ظلّ الاحتلال 2003-2006” عملية الانتقال السياسي في العراق منذ بدء الحرب عليه وحتى عام 2006، في محاولة لإلقاء الضوء على مدى نجاح الاستراتيجية الأمريكية في العراق من عدمه في ظل ما كانت تحمله من أهداف، تشمل إعادة بناء مؤسساته الحكومية والمدنية، وإقامة نظام سياسي مستقرّ واسع التمثيل يضمّ جميع البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية الوطنية.

وتنبع أهمّية الكتاب من آنية الموضوع الذي يتناوله، إذ يقع مستقبل العراق وما يشهده من صراعات طائفية في بؤرة اهتمام المجتمع الدولي، لاسيما مع تركيز الكاتب على عملية وضع الدستور الدائم، والانتخابات العراقية الانتقالية، وعقده مقارنة بين بناء الدولة في العراق بعد الاحتلال وحالتي ألمانيا واليابان.

وقد اعتمد الكاتب في تناوله للوضع السياسي في العراق خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الحرب عليه على منهجين هما:- المنهج الوصفي، ومن خلاله قدّم الكاتب تشريحا للواقع السياسي العراقي بطوائفه كافّة، وأثّر هذا الواقع على مسيرة انتقال السلطة من النظام السابق إلى عراق ما بعد الحرب، والمنهج التاريخي التراكمي الذي رصد من خلاله الكاتب مراحل إعادة بناء المؤسسات الحكومية، وعملية وضع الدستور، والانتخابات حتى عام 2006.

يشمل الكتاب أربعة فصول، تناول أوّلها عملية وضع الدستور المؤقت والدائم، من خلال إلقاء الضوء على البيئة التي وُضع فيها كلا الدستورين الدائم والمؤقت، وأهم ما احتوياه من بنود، وما أثاراه من ردود فعل بين طوائف الشعب العراقي كافة. كما أشار الكاتب في هذا الفصل إلى أنّ عملية وضع الدستور في العراق قد مثلت أعقد مشكلات الدولة العراقية منذ تأسيسها في 22 أغسطس 1921، حيث مرّ العراق خلال تطوّره الدستوريّ بثلاث مراحل، هي: فترة الحكم العثماني، ثم العهد الملكي الذي شهد صدور “القانون الأساسي” للمملكة العراقية عام 1925، وأخيرا العهد الجمهوري، الذي شهد حالة من عدم الاستقرار الدستوري، إذ صدرت خلاله خمسة دساتير في الأعوام 1958، 1963، 1968، 1970، لتأتي في النهاية التعديلات الدستورية الأخيرة لتؤكد على عدم الاستقرار الدستوري الذي ميّز العراق منذ سقوط النظام الملكي.

ثم انتقل الكاتب في الفصل الثاني إلي الانتخابات التي شهدتها الساحة العراقية منذ سقوط النظام السابق عام 2003، وحتى ديسمبر 2005، أشار من خلاله إلى أن عام 2005 يعدّ عاما محوريا في عراق ما بعد الاحتلال من منظور إرساء ركائز الشرعية والديمقراطية، حيث قام العراقيون خلال هذا العام بانتخاب أوّل جمعية وطنية وتشكيل حكومة مؤقّتة برئاسة إبراهيم الجعفري، ثم إجراء انتخابات شعبية تشكلت بموجبها أوّل حكومة دائمة برئاسة إياد علاوى.

وفي تحليل أعمق لبيئة الانتخابات العراقية سابقة الذكر، أشار الكاتب إلى أن هذه الانتخابات قد جاءت وسط أجواء سيطر عليها التداخل والالتباس بين مفهومي الطائفية والحزبية، حيث أن الأسماء التي حملتها الأحزاب والتكتلات العراقية لم تكن في أغلبها سوى واجهات لكيانات طائفية، على غرار “الائتلاف العراقي الموحد” الذي لم يضمّ سوى شخصيات شيعية تحظى بمساندة أكبر مرجعية شيعية في العراق هو آية الله علي السيستاني، بالإضافة إلى تعدد التيارات الحزبية وانتماءاتها السياسية والأيدلوجية لدرجة يصعب معها الحصر، ويعزو الكاتب هذا التعدد العشوائي إلى الوضع السياسي الذي مرّ به العراق خلال الفترة من 1968-3003، حيث لم يكن من المسموح تداول الآراء وتعددها، في حين عملت القوات الأمريكية على تحريك المجتمع العراقي، وحثّه على تشكيل أحزاب سياسية، رغبة منها في إضفاء بعض الشرعية على وجودها في العراق.

أما في الفصل الثالث تناول الكاتب الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الحرب على العراق، بدءا من سلطة الائتلاف المؤقتة، ومجلس الحكم، مرورا بالحكومة العراقية المؤقتة الأولى، والحكومة الدائمة الثانية، وانتهاءً بحكومة المالكي، مستعينًا في إطار رصده لخطوات بناء وإقامة دولة ديمقراطية مستقرة، ببرامج هذه الحكومات وأهدافها التي جرى الإعلان عنها وقت توليها، وما تم تنفيذه منها، موضحا أن سلطة الائتلاف المؤقتة قد أخذت علي عاتقها مهمة البدء في إعادة تشكيل قوات الأمن العراقية وإنشاء جيش عراقي جديد، وأن أهمّ انجازاتها تمثل في تشكيل مجلس الحكم الذي نظم العلاقة بشكل ما بين سلطة الائتلاف والهيئة الرئيسية للإدارة العراقية المؤقتة، وقد وضع المجلس على رأس أجندته توفير الأمن والاستقرار للمواطنين، وتفعيل أجهزة الشرطة العراقية والجيش، وإنعاش الاقتصاد الوطني لاسيما تأهيل القطاع النفطي، وإعادة هيكلة شركات النفط الوطنية، فيما كانت أهم الخطوات التي اتخذها إعداد الدستور والتمهيد للانتخابات، وذلك من خلال تشكيله لجنة تحضيرية أعدّت مسودة الدستور العراقي المؤقت، مهدت لمجيء الحكومة العراقية المؤقتة الأولى برئاسة إياد علاوي، التي اُعتبرت خطوة مهمة في عملية الانتقال إلى حكومة عراقية منتخبة مُمثلة للعراقيين بشكل كامل، وإن كانت قد وُصفت من قبل العديد من الخبراء بأنها مجرد امتداد لسلطة الائتلاف؛ بسبب علاقات وزرائها بالمخابرات الأمريكية والبريطانية. والحكومة الدائمة الثانية برئاسة الجعفري التي استطاعت تمرير سلّة من القوانين الضرورية لإرساء الحياة السياسية في البلاد.

وينهي الكاتب الفصل الثالث بالتركيز علي حكومة المالكي، موضحا أن هذه الحكومة قد ضمت أكبر تشكيلة وزارية في العراق منذ عام 1968، كما أنها أول حكومة يشترك فيها العرب السنة بعد مقاطعة للعملية السياسية دامت أكثر من عامين. مشيرا إلى أنها تواجه العديد من المشكلات التي لم تستطع حلها حتى الآن، منها: – مشروع المصالحة الوطنية وارتباطها بالوضع الأمني، وقدرات قوات الأمن على السيطرة عليه، وإحراز نتائج في هذا الشأن.

ثم انتقل الكاتب في الفصل الرابع مستوى آخر من تناول الوضع السياسي في العراق بعقده مقارنة بين عملية بناء الدولة في العراق بعد الاحتلال وحالتي ألمانيا واليابان من حيث خصائص التدخلات العسكرية الأمريكية، ومأزق الولايات المتحدة في إعادة بناء الدولة في العراق، وذلك في محاولة للإجابة علي تساؤل حول مدى إمكانية نجاح التأثير الخارجي في الإصلاح السياسي في العراق، وفي هذا الإطار يشير الكاتب إلى أن إعادة بناء نظم ديمقراطية كألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية يعدّ من أنجح نماذج إعادة بناء الدول عن طريق التدخل الخارجي، وأن الظروف المحيطة بهاتين التجربتين من المستبعد تكرارهما، إذ أن تمتع هاتين الدولتين بتقاليد سياسية راسخة ووجود أجهزة إدارية ذات كفاءة قد ساعدهما على تخطي أزمة الهزيمة في الحرب، وهو وضع لم يتوفّر للعراق.

وبتقييم السياسة الأمريكية في العراق يختتم المؤلف كتابه، موضحا إخفاق الاستراتيجية الأمريكية في بناء عراق مستقرّ ديمقراطي، مؤكدا على أن الأفكار التي تبناها الاتجاه اليميني الذي اعتلى قمة صنع القرار في الولايات المتحدة القائمة على فكرة سهولة تحقيق نجاح سريع وقليل التكلفة في العراق من خلال التدخل العسكري قد جاءت في مجملها مجتنبة للصواب، نظرًا لصعوبة تكوين المجتمع العراقي وتشابكه وتعدد ولاءات أطرافه. لاسيما مع فشل المصالحة الوطنية وسعي فئات بعينها لإقرار نظام فيدرالي، يتيح ما يشبه قيام الأقاليم المستقلة، وسط محاولات تبذلها الأطراف السنية والشيعة والكردية للاستئثار بالسلطة، وبعيدا عن الشرائح المشاركة في السلطة توجد تيارات تخالف العملية السياسية برمتها، وترفض المشاركة إلا بالصيغة التي ترتضيها، وهو ما أدى في النهاية إلي جانب عوامل أخرى إلى إضعاف حكومات العراق ما بعد صدام حسين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق