العمل الجنسي في المغرب: بين الاقتصادي والثقافي

في معظم الحالات، ينتج العمل الجنسي عن ضرورة كسب لقمة العيش من أجل البقاء في الحياة. لكن هذا لا يمنع من وجود عمل جنسي يستهدف تسلق السلم الاجتماعي، أي تغيير الانتماء الطبقي عبر الإثراء السريع وتبني نمط حياة استهلاكي. إلى جانب العامل الاقتصادي، وفي الكثير من الأحيان، يلعب فقدان غشاء البكارة دورا نفسيا أساسيافي التعاطي للعمل الجنسي، نظرا لما لذلك الغشاء من أهمية اجتماعية رمزية. لكن تلك الأهمية لم تبق هي هي بالنسبة للثقافة المغربية بأكملها، حيث تسير الفئات الاجتماعية المتوسطة والعليا إلى التقليل من قيمة غشاء البكارة، وهو ما يؤشر على أن هذه القيمة لم تعد مرتبطة بالثقافة المغربية بأكملها، وإنما بالفئات الاجتماعية الدنيا فقط. والأهم من ذلك أن العمل الجنسي هو الذي يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان البكارة، مما يستوجب قلب العلاقة السببية التقليدية بينهما.

{{العمل الجنسي والحراك الاجتماعي}}

“إن النساء اللواتي يقصدننا يعشن ظروفا صعبة وحرجة… ليس لهن أي اختيار… في حالتهن، ارتباط الجنس بالاقتصادي مسألة حيوية”. هذا ما صرحت لنا به ناشطة في “الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب”، وهي من أكثر الجمعيات المغربية نشاطا وحضورا للدفاع عن القضية النسائية. وتشير الناشطة هنا إلى نساء مطلقات (لهن أطفال) لا خيار لهن سوى العمل الجنسي لمواجهة تكاليف الحياة من النفقات اليومية أو مصاريف الدخول المدرسي أو شراء أضحية العيد.

والواقع أن العامل الاقتصادي لا يلعب دوره هذا على الصعيد الفردي فحسب، وإنما يطال مناطق بأكملها. في إحدى المقابلات[1]جنوب المغرب، حاولت السلطات القضاء على حي العاملات الجنسيات، لكن السكان تذمروا من هذا الأمر وعبروا عن ذلك من خلال شكايات تضرر رفعوها إلى السلطات المحلية. وفعلا، تراجعت السلطات عن حملاتها وأوقفتها حتى تصمت الاحتجاجات. وفي مدن سياحية مثل مراكش وأغادير ومكناس، يساهم العمل الجنسي في تشغيل الفنادق المصنفة حيث قال لنا بواب فندق بمكناس: “سبعة زبناء في المرقص ثم في الغرفة مع فتاة يحققون للفندق مدخولا أكبر من حافلة مليئة بسواح ألمان”.

وحسب ناشط جمعوي “بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، “تمتلئ المراقص بفتيات يتراوح عمرهن بين 15 و20 سنة، اللائي يعرضن أنفسهن بأثمان مختلفة”. وهن فتيات يرفضن العمل كخادمات بيوت ويفضلن العمل الجنسي دون أن يفتخرن بذلك ودون أن يتحملن مسؤولية “اختيارهن” هذا.

الكثير منهن شُغِّلن كخادمات بيوت منذ صغرهن، لكنهن يهربن من تلك البيوت نظرا لسوء المعاملة والإرهاق، ولأنهن لا يستفدن إطلاقا من أجرتهن. فالأب يأتي مرة كل شهرين ليتقاضى الأجرة بنفسه ولزيارة ابنته وتفقد أحوالها. عند نفاد الصبر، تخرج تلك الفتيات إلى الشارع فيجدن بسهولة من يستقبلهن ويرشدهن في سوق العمل الجنسي، خصوصا إن كان لهن حد أدنى من الجمال. وقد صرحت إحداهن لطبيب أمراض جلدية وتناسلية أنها تتناول الحشيش لكي لا تعي ما تفعله بجسدها. ورغم إصاباتها المتكررة بأمراض منقولة جنسيا، اعترفت أنها لا تستطيع التوقف عن العمل دون أن تقدر على فرض الغشاء الواقي على زبائنها. إنها مضطرة لإخفاء مرضها عن الزبون لكي لا تفقده.

في الجامعة، تمارس الطالبات أنفسهن عملا جنسيا، ظرفيا ومغلفا، نظرا لضعف المنحة الجامعية وفقر العائلة، أو رغبة في التمتع بطيبات الحياة. فحسب مناضل في شبيبة “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، كل طالبة جديدة تأتي إلى الحي الجامعي في الرباط إلا وتتصل بها طالبات سبقنها إلى الجامعة من أجل “تقييم جسدها تقييما ماليا واقتراح صفقات (عمل جنسي) ملائمة”. وفي بعض الأحيان، يتم إقراضها قدرا من المال لا تستطيع تسديده إلا بفضل العمل الجنسي، فتجد نفسها سجينة شبكة عمل جنسي محترفة. وقد شاع هذا الأمر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ولا زالت بعض آثاره مستمرة إلى اليوم، إلى درجة أن بعض الرجال يقصدون الجامعة من أجل الجمع بين المتعة الجنسية والمتعة الفكرية. في هذه الفترة، دخل المغرب ما أسماه ذلك المناضل مرحلة “الشيخات المثقفات”، علما أن “الشيخات” المغربيات معروفات تقليديا برقصات “البطن” وبالجنس والخمر (فقط).

وحسب مناضل أصولي من “حزب العدالة والتنمية”، تلعب الجامعة دورا هاما في تردي الأخلاق حيث تحرر الفتاة من المراقبة الأسرية وتقود الطالبة (في نظره) إلى ممارسة “الرذيلة” أولا، ثم إلى ممارستها مقابل أجرة ثانيا. وفي بعض الحالات، تعرض الطالبة نفسها مقابل عشاء “فاخر” في أحد المطاعم، أو مقابل “سندويش” أو علبة سجائر.

أما بالنسبة لفتيات ينحدرن من طبقات متوسطة، فإن العمل الجنسي ليس مصدر عيش، بل وسيلة لاستهلاك أكبر وأطيب. وقد بينت الأبحاث أن نساء لهن دخل قار واستقلال مالي يتموقعن في “السوق” كعاملات جنسيات هاويات وظرفيات قصد الحصول على قدر إضافي من المال يمكنهن من لباس أكثر أناقة ومن مخالطة المطاعم الفاخرة ومن الأسفار داخل المغرب. هذا الصنف من العاملات الجنسيات لا يصنف نفسه أبدا في فئة “العاهرات” ويعتبر أن النشاط الجنسي بالمقابل ما هو إلا “ترف نفعي”، بحيث أن الجنس في نظرهن ليس غاية في ذاته وإنما وسيلة لتحسين نمط العيش وتسلق السلم الاجتماعي.

في هذا الاتجاه، لعبت السياحة الخليجية في المغرب دورا هاما في تحويل العمل الجنسي ليس فقط إلى أداة تساعد على الاستهلاك، وإنما تُمكِّن من تغيير الانتماء الطبقي ومن الاندماج في شرائح من الطبقات المتوسطة. كل الشواهد أثبتت أن سياحة جنسية خليجية في مدن أغادير ومراكش وطنجة والدار البيضاء ازدهرت في عقد الثمانينيات من القرن العشرين. في إطارها، تقدم “الحاجة” (وهو النعت الذي أصبحت توصف به القوادة !) فتيات صغيرات السن (14-15 سنة) إلى السائح الخليجي، عذراوات، من أجل متعة الافتضاض. وهنا، يصل سعر الليلة إلى 5000 درهم بكل سهولة. وكثيرا ما تتحول تلك الصغيرات إلى خليلات قارات ينفق عليهن بشكل سخي يتجاوز سد الحاجيات المادية الأساسية. بفضل هذا الوضع، وبفضل الدوران بين السواح الخليجيين، تحصل الفتاة على فساتين غالية الثمن، على السيارة وعلى الشقة. وهذه أشياء يعجز الزبون المغربي عن تحقيقها، مما يؤدي إلى النفور منه. وهكذا ظهرت فئة من العاملات الجنسيات تخصصن في العمل الجنسي مع الخليجيين فقط. ومما لا ريب فيه أن أولئك الفتيات تعودن على الكسب المرتفع والسريع، مما مكنهن من تغيير الهندام والسكن والحي، واقتناء حلي ومجوهرات، وفتح صالونات حلاقة وحسابات بنكية…، صرح لنا دركي من جهة الأطلس المتوسط قائلا: “إن الرجل الذي يريد قضاء ليلة ممتعة يذهب عند الجزار والخضار وبائع الخمور… عليه أن يصرف 1000 درهم على الأقل لكي يقضي ليلة ماجنة… وهذا شيء يمكِّن الكثيرين من العيش، ويحرك عجلة الاقتصاد المحلي… دون ذلك، ليس للناس ما يعملون”. لهذا السبب بالذات، تندد بعض الدواوير (القرى) بالحملات القمعية التي تقوم بها السلطات العمومية من أجل محاربة الفساد والتطهير. في منطق هذه الساكنة الفقيرة، الأولوية لضروريات الحياة، أما الوازع الديني أو الأخلاقي فيتم تعليقه إلى حين. وفي “قلعة مكونة” أيضا،

{{فقدان البكارة: بين الثقافة والطبقة}}

واضح مما سبق أعلاه أن الفقر عامل ضروري في دخول سوق العمل الجنسي دون أن يكون عاملا كافيا ومحددا لوحده. فإذا كانت معظم العاملات الجنسيات من وسط اجتماعي فقير، لا يعني ذلك أن كل فتاة فقيرة ستتحول إلى عاملة جنسية بشكل آلي وحتمي. إن ممارسة العمل الجنسي أمر يقتضي حضور عوامل نفسية فردية، مثل التعرض إلى الاغتصاب أو زنا المحارم أو الافتضاض. ولنقف عند الافتضاض، أو فقدان غشاء البكارة. فبالنسبة للحس المشترك، “البغي لوحدها تفقد بكارتها قبل الزواج”. وكل فتاة حصل لها ذلك تُعَد بغيا، مهما يكن الدافع. لا يهم أن يكون دافعها إلى ذلك الحب أو المال أو المتعة، ولا يهم أن يكون ذلك نتيجة لاغتصاب. في الجمع بين دوافع مختلفة تحويل البغاء إلى مفهوم أخلاقي أساسا. إن المفهوم الثقافي السائد حول العلاقة بين البكارة والبغاء يجعل من كل فتاة “أعطت جسدها كليا” قبل الزواج “بغيا”، موصومة بالعار، وتستحق الاحتقار والتهميش.

هنا، لا بد من الانتباه إلى التمييز الذي أصبحت الثقافة الجنسية المغربية تقيمه بين ما أسميته شخصيا “البكارة التوافقية” والبكارة القرآنية. تعني هذه الأخيرة انعدام كل تجربة جنسية قبل الزواج، إنها العذرية الكاملة. أما “البكارة التوافقية”، فتعني أن الفتاة تعيش تجارب جنسية متنوعة قبل الزواج مع الحفاظ على غشاء بكارتها. وهكذا يتبين أن المجتمع المغربي تطور نحو ضرب من التسامح الجنسي، بمعنى أن “البغي” في المفهوم الأخلاقي هي الفتاة التي فقدت بكارتها. أما الفتاة التي تمارس الجنس السطحي أو الفمي أو الشرجي، فإنها لا تعتبر “بغيا”. هناك توافق ثقافي واجتماعي حول كونها حافظت على “شرفها” وشرف عائلتها. وهو ما يقود بعض الأسر إلى قصد الطبيب قصد الحصول على “شهادة البكارة” وعلى إشهارها، فذلك هو المهم. إن شهادة البكارة هي شهادة الشرف. أما الافتضاض الشرجي مثلا، فما ذلك إلا لعب ولهو، وممارسة مسموح بها للفتاة من أجل التوفيق بين الرغبة والتحريم الديني. ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن بعض الفتيات يمارسن العمل الجنسي بفضل الممارسات السطحية والفمية والشرجية فقط، بغية الحفاظ على غشاء البكارة. لكن هذا الضرب من الممارسة الجنسية في إطار العمل الجنسي لا تستمر طويلا.

نظرا لأهمية غشاء البكارة في تقييم المجتمع للفتاة، وفي نظرة الفتاة لذاتها، يشكل فقدان البكارة حدثا “تاريخيا” في الصيرورة الاجتماعية والنفسية للفتاة. إنه الحدث الذي يقودها إلى تحقير جسدها وذاتها. فغشاء البكارة ليس مجرد عضو جسدي صامت، إنه عضو محمَّل برمزية فخرية تجعل منه أساس الصورة الإيجابية عن الذات لدى الفتاة. ويؤدي فقدانه قبل الزواج إلى اعتبار الفتاة سلعة “فاسدة”، “خاسرة”، “مثقوبة” من طرف الآخرين، وهي الصورة المهدِّمة التي تستبطنها الفتاة والتي من خلالها تدرك كل كينونتها الاجتماعية الموصومة. إن “الثقب” الذي تتعرض له الفتاة في جسدها يجعل من جسدها جسدا فقد حرمته، جسدا يمكن ولوجه.

فجسد الفتاة المثقوب ليس “مسكنا” له حرمة يحمي شخصية الفتاة ويضمن لها الحرمة. وبناء عليه، يصبح ذلك الجسد الفاسد والمثقوب (المْخَسَّرْ في الدارجة المغربية) جسدا مكروها ومغضوبا عليه من طرف الفتاة نفسها، جسدا يمكن إعطاؤه لأي كان، أينما كان، في كل وقت. إنه جسد عمومي، “شبيه بالمراحيض العمومية حيث يتبول فيه كل الرجال” حسب تعبير أحد مستجوبينا في مدينة خنيفرة. وتشرح سيدة من الأطر العليا في وزارة الثقافة قائلة: “بشكل عام، لا تعرف الفتاة كيف يصل بها الأمر إلى الممارسة الجنسية… وبالتالي فإن أول تجربة تكون خالية من كل متعة… إنها تجربة تُستهلك كفعل حيواني… ويكون فقدان البكارة حادثا غير مقصود تعيشه الفتاة بشكل درامي. وينعكس ذلك على تمثل الجسد ليجعل منه شيئا سلبيا… فيسقط ذلك الجسد المثقوب والمحقر في منطق السوق. إن احتقار الذات عند الفتاة التي فقدت بكارتها يقودها إلى أن تصبح بغيا”. وفعلا، تبين الأبحاث الدولية أن أغلب العاملات الجنسية لهن ماض يتميز بالصدمات النفسية. فما بين 60 و90 في المائة منهن عانين من الاغتصاب في طفولتهن. وتؤكد جمعية بمراكش أن “قسما مهما من العمال الجنسيين الأطفال تعاطوا العمل الجنسي بعد اغتصابهن، من طرف الأب في بعض الحالات”.

ما نود التنصيص عليه في نهاية هذه الورقة هو أن الفرضية النفس-ثقافية التي تجعل من فقدان البكارة عاملا أساسيا في التوجه إلى ممارسة العمل الجنسي فرضية تتحول تدريجيا إلى فرضية نفس-اجتماعية. ونقصد بذلك أن فقدان البكارة فقدان لرأسمال أساسي بالنسبة لفتيات لا يملكن سوى ذلك الرأسمال. فعدم الحفاظ عليه من طرف الفتاة الفقيرة يقود إلى فقدان حظوظ الزواج، وبالتالي إلى تحقير الذات. وهذا أمر لم يعد صحيحا بشكل مطلق بالنسبة لفتيات الطبقات المتوسطة والعليا اللواتي يملكن رساميل أخرى مثل الشهادات أو الأجر أو الاسم العائلي. بالنسبة لهذه الفئة، لا يشكل فقدان البكارة حدثا تاريخيا يحدد المصير الاجتماعي للفتاة. على العكس من ذلك، أصبح فقدان البكارة في بعض الحالات تعبيرا عن الحق في حياة جنسية (كاملة) قبل الزواج، وهو أحد حقوق الإنسان.

وعليه، لا يمكن القول أن فقدان البكارة يؤدي في ذاته ولوحده إلى العمل الجنسي بغض النظر عن الانتماء الاجتماعي. أبعد من ذلك، بالإمكان قلب العلاقة بين فقدان البكارة والعمل الجنسي، بحيث أن “اختيار” العمل الجنسي (بسبب الإغراء المالي الخليجي) هو الذي دفع بالكثير من الفتيات إلى فقدان البكارة. وفعلا، أظهرت الأبحاث الميدانية أن الافتضاض في إطار العمل الجنسي خدمة جنسية تجلب أجرا أهم. وفي هذا عودة إلى محورية التحديد الاقتصادي للعمل الجنسي وأولويته أمام البعد الثقافي/الاجتماعي (فقدان البكارة). فهل يحتفظ البعد الاقتصادي بأولويته أمام البعد السياسي أيضا؟ هل يمكن القول أن الاقتصادي هو الذي يدفع الدولة إلى اختيار العمل الجنسي كسياسة عمومية ضمنية وغير مهيكلة؟

[1]في إطار بحثنا “الجنس والسياسة في المغرب” الذي أنجزناه بفضل منحة من صندوق الأمم المتحدة للسكان (FNUAP) سنة 2000.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق