العمل الدرامي التونسي “صيد الريم”:”بَنَاتْ المَعْمَلْ”: الخُبز المُرّ والجسد المقهور

رغم هشاشة الصناعة الدرامية التونسية، وضعف طرحها في مجمل أعمالها الموجّهة إلى جمهور محلّيّ غالبا ما يقع التعرّض إلى مشاكله، النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بصفة سطحية فيها الكثير من الفلكلورية، فقد نجحت التلفزة الرسميّة خلال رمضان الفارط، ولو نسبيا، في التطرق إلى موضوع على درجة كبيرة من الأهمية، وهو التحرش الجنسيّ من خلال مسلسل “صيد الريم”.كاتبة النصّ الأستاذة الجامعية رفيقة بوجدي وأخرجه للتلفزة المخرج علي منصور، وقد تحصّل على جائزة أحسن عمل درامي اجتماعي في مهرجان التلفزيون بالقاهرة في دورته الأخيرة، كما لاقى متابعة هامّة من الجمهور التونسي لجرأة وحساسية المسألة المطروحة ولعدم التّعود على طرح مثل هذه المسائل في التلفزيون التونسي الرسمي الذي بقي يتعامل مع الواقع بالكثير من الضبابية والتسطيح ويقدّمه على علاته على أفضل وجه، وهذا حال أغلب التلفزيونات الرسمية العربية.

ويُعتبر التحرّش الجنسيّ من المواضيع الاجتماعية المسكوت عنها في المجتمع التونسي، ولم تأخذ حظّها من التناول الدرامي، على غرار العلاقات الحرّة والحمل خارج إطار الزواج والتمييز ضدّ المرأة. ونشير إلى أنّ مسألة التمييز على أساس اللون قد تمّ تناولها في عمل دراميّ آخر، هو مسلسل “مكتوب” الذي أنتجته إحدى الشركات الخاصة.

رغم أنّ القانون التونسي يجرّم التحرش الجنسي، فإنّ واحدة من عشر نساء تتعرّض للتحرش يوميا حسب دراسة اجتماعية، بداية من التحرّش اللفظي إلى التحرّش الجسدي وصولا إلى الاغتصاب، وتجري معظم هذه الاعتداءات غالبا في فضاءات العمل، في مجتمع شبه تقليديّ منغلق جاهز لإدانة المرأة، وإن هي صرّحت بذلك تتّهم بأنها السبب في هذه الجريمة لأنّها “لم تستر نفسها” ، وبالتالي لم تحافظ “على شرفها”. ويعتبر ردّ الفعل هذا ألطفَ، مقارنة بما يُسجّلُ في أغلب مجتمعات المنطقة العربية، حيث مازالت جرائم الشرف تذهب بحياة المئات من النساء سنويا، خاصّة مع تفاقم المدّ الأصوليّ الذي ساهم مساهمة كبيرة في انحسار كلّ مظاهر التحديث والتطوّر الفكري والثقافي، في مجتمعات تعاني مصاعب اقتصادية حقيقية واجتماعية موازية حيث أغلب المواطنين تحت خط الفقر، خاصة في الأحياء الطّرفية والهامشية للمدن الكبرى، والحصول على عمل بالنسبة للمرأة تقابله القدرة على البقاء فيه، ومن هنا يأتي الاستغلال الجنسيّ من طرف المسؤول أو صاحب العمل الذي يقدّر مسبقا أنها سوف “تسقط” ولن تقوى على المقاومة لأنّها لا تستطيع أن تخسر عملها لصعوبة العثور على غيره، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن “تفتح فمها” لأنّ ذلك يساوى الطرد والفضيحة معا.

تدور أحداث مسلسل “صيد الريم” في فضاءات ثلاثة، الفضاء الأوّل هو فضاء الحيّ الشعبيّ بكلّ ما فيه من تجاذبات ومفارقات وعنف وطيبة وأنانية وإيثار، صورة مصغّرة عن الحيّ الشعبيّ كما في كلّ مكان من تونس بقدرته العجيبة على التعاطي مع الواقع وعلى الانفتاح إلى حدّ يصبح معه الجيران أفراد عائلة واحدة يتقاسمون الخبز والحزن والفرح. أمّا الفضاء الثاني فهو محطّة سيارات الأجرة، عالم ذكوريّ بحت حيث الشدّ والجذب بين سلطة القوّة وقوّة السلطة، تحضر الشرطة فيسود النظام وإذا غابت عمّت الفوضى، هذا الفضاء الذي لا مكان فيه لـ”مريم” الفتاة الجميلة والبريئة التي تعجز عن التصدّي للمراودات المتواصلة فتضطرّ إلى الانقطاع عن العمل في المحطّة لتتحوّل إلى العمل في مصنع الخياطة، وهو الفضاء الثالث الذي تدور فيه أحداث المسلسل في علاقة بقضيته المحورية وهي التحرّش الجنسي، هذا الفضاء المحكوم بمنطق خاصّ، ساذج وبسيط حينا وماكر ومعقد أحيانا نقترب داخله من فئة اجتماعية لطالما أفردها المجتمع التونسي بتسمية خاصة: “بنات المعمل” بخصوصياتهن الثقافية والاجتماعية التي يتزاوج فيها تدنّى المستوى التعليمي والثقافي مع الفقر، إلى جانب كلّ أصناف الاستغلال وعلى رأسها غياب الضمانات القانونية والاجتماعية للعاملات مثل ظروف العمل الصعبة وعدم التمكين من الترسيم من خلال سياسة العقود الشغلية الهشّة والبطالة الفنية وتلاعباتها.

داخل هذا الفضاء تتعايش الفتاة الحالمة برجل والباحثة عنه بكلّ الوسائل والأساليب، والفتاة التي تسعى إلى تدعيم موقعها داخل العمل فلا ترى ضيرا من إقامة علاقة خاصّة مع صاحب العمل، وهناك من تقع في “المصيدة” فتداس بين الأرجل، وأمام أسوار المصنع نجد “القنّاصة” من الشباب الذين يتصيّدون “بنات المعمل” لاستغلالهنّ وابتزازهنّ.

في هذا العالم الصغير الذي تدخله مريم بكثير من الريبة والخوف والانبهار نجد شخصية “رئيف” التي قام بأدائها بشكل متقن الفنان “فتحي الهداوي”، الكهل الثريّ الذي ورث ثروته عن زوجته الأجنبية، صاحب القول والفصل في الأرزاق والأجساد، وهو صاحب مصنع ناجح في عمله وحازم لا يقبل من عمّاله أدنى تهاون ومع ذلك فهو “صياد ريم” ماهر يمارس سلطته الذكورية بكلّ حرية في عالمه النسوي الصغير حيث لا يمكن أن تُردَّ له “يدٌ لامسة” بحكم الفاقة والاحتياج والحاجة إلى الاستمرار في العمل.

في هذا الفضاء تصادفه مريم الفتاة الجميلة والبريئة والأميّة الفقيرة الهاربة من محطة سيارات الأجرة (حيث كانت تبيع الأكلات الرخيصة) بسبب التحرّش لتقع فريسة سهلة للاصطياد من طرف رئيف لسذاجتها وإغراءات الكهل الثريّ الذي لم يرحم طفولتها. ولا تجد طريقا للهروب بعد كلّ هذا سوى الانتحار، هروبا من عالم لم يرحم براءتها ودرءا لـ”الفضيحة و”العار” وعجزا أمام مجتمع لم يكن ليرحمها لو شاع الخبر، بل إنه سيجرّمها.

وكما في حكاياتنا الشعبية التي ينتصر فيها الخير في النهاية تنهض الأخت الصغرى “ريم” للانتقام يحرّكها وجع دفين وشخصية قويّة تأبى قبول الضيم، ويساعدها إلى جانب جمالها ذكاؤها الفائق ومستواها التعليمي والثقافي الجيد، ولكنها تصطدم بخوف كلّ ضحايا رئيف من الشهادة ضدّه أمام القانون، ليس خوفا من القانون بل من المجتمع الذي يُصدر قانونه الخاص على المرأة التي ترفع قضية في هذا الشأن، والأمر هنا على علاقة كبيرة بالواقع المعيش إذ أنّ هذا المجتمع سينظر إليها كـ”عاهرة”، لم تلتجئ إلى القانون إلا بعد أن باعت نفسها، وحتى لو فازت بالقضية قانونيا فإنّها ستخسرها اجتماعيا، وهو ما يساهم في مزيد تكريس جدار الصمت، هذا مع غياب شاهد العيان الذي يجعل قضيتها هشّة لأنّ المسؤول صاحب النفوذ سوف لن يصعب عليه إيجاد أكثر من شاهد يدينون المرأة فيجرّمونها ويبرّؤون صاحب النفوذ، وهذا أمر يضاف إلى الأسباب التي تجعل المرأة تخاف الكلام في ظلّ نظام مجتمعيّ بائس يغمط المرأة حقّها في التعبير والدفاع عن ذاتها وعن حرمة جسدها وحريتها، وهو ما حاول “صيد الريم” أن يدافع عنه ولو ببعض السطحية، بتعرية هذه الظاهرة التي تمّ السكوت عنها لعقود من الزمن ولم يعد الظرف مواتيا لمزيد السكوت، حيث أنها من أقبح ألوان الأذى للمرأة وأبشع صور التمييز ضدها والظلم لإنسانيتها

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق