العناية بالمفهوم في الثقافة العربية الإسلامية

جاء في “الليلة الخامسة و العشرون” من كتاب الإمتاع و المؤانسة للتوحيدي؛ “إن الكلام على الكلام صعب، فإنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه؛ ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر وعلى ذلك”، وهذا القول الصادر من حجة في الثقافة العربية بحجم التوحيدي سيكون فاتحة موضوعنا هذا، للتنبيه إلى صعوبة كل مقول في المصطلح و المفهوم، فإن كانت صعوبته تتجلى في كونه على حد تعبير التوحيدي “كلام على الكلام” أو قول للغة في اللغة، فهو يتجه بالقصد الأول إلى صلب الثقافة العربية، لما يلاحظه خاصة الدارسين للتراث الثقافي العربي من حرص واضح للعلماء والفلاسفة و المفكرين العرب على إيلاء العناية الخاصة بقضية المصطلح حتى أننا نجد في كل التخصصات علماء أفردوا للمعجمية قولا مخصوصا ينضاف إلى ما يعرف عند علماء الأصول و النحو بعلم المصطلح، وذلك لارتباط القول المخصوص في المصطلح بقضايا أخرى ذات طابع إشكالي هي بمثابة لواحق لازمة عنها، كقضية التعريفات و أنواعها وشروطها، ترجمة المصطلح ومشكلة النقل، المعنى و المبنى، المحكم و المتشابه، العلامة و الرمز و الدلالة، ثم القضايا المرتبطة بالأقيسة البرهانية كالعلاقة بين الصوري و الطبيعي، الكلي و الجزئي، التصور و الماصدق وغيرها.
غير أن الملاحظ في الكتابات و الطرائق التقليدية في بناء دروس مختلف التخصصات، أن العمل المعجمي لا يحظى بالأهمية ذاتها التي يحظى بها من كبار علماء و فلاسفة وفقهاء العالم العربي الإسلامي، إذ غالبا ما نجد الباحثين أو الأساتذة يستهلون أعمالهم ودروسهم بتحديدات عشوائية للمصطلحات بحسب المتوفر من المعاجم، وكأن الأمر يتعلق ب”مقدمة طلالية”، لا علاقة لها بغرض ما سيأتي من الموضوع، لذلك سننطلق في هذا العرض بالبحث و التقصي من مسألة المعجم في الثقافة العربية الإسلامية للكشف عن خطأ هذه المقاربة السطحية من جهة ثم لكشف سر الأهمية التي توليها هذه الثقافة للعمل المعجمي و التحديد المصطلحي و التحقيق المفاهيمي، ثم للتأكيد على أن الباحث في الفلسفة الإسلامية لا محيد له عن تخصيص جهد خاص للنظر في هذه المسألة لكونها تعتبر مدخلا حقيقيا لفهم الاختلاف بين اللغويين والمناطقة والمصطلحيين و الفلاسفة و الفقهاء وعلماء الأصول، ثم لكونه هذا الجهد كفيل بتخليص الفلسفة من شوائب الايديولوجيا.

الثقافة العربية و الإجماع حول العمل المصطلحي:
بداية لا بد من وضع إطار عام لماذا نقصده بالمصطلح؟
 إننا إذا طلبنا من أحدهم تعريف لفظ (الشجرة)، فإن اللغوي سيطلب وضعه في جملة ليستطيع تعريفه، أما المنطقي فسيقول: أرني الشيء أو الذات الذي يدلّ عليه هذا اللفظ لأعرّفه لك، وسيقول المصطلحي: قل لي لأي حقل علمي ينتمي مفهومه لأتمكن من تعريفه، وبعبارة أخرى، هل نريد معرفة معنى الكلمة في سياقها اللغوي، أم نتوخى معرفة خصائص الشيء الذي تدل عليه تلك الكلمة، أم معرفة خصائص المفهوم الذي تعبر عنه تلك الكلمة، لذلك لا يسمى اللفظ الذي يدل على المفهوم كلمة بل “اصطلاحا” أو “مصطلحا”، ويقابله في الفلسفة المفهوم و في المنطق التصور، هذه التلاوين الدلالية التي يتخذها المصطلح من مجال لآخر، ومن علم لآخر لا تخفي حقيقة أن المصطلح في الثقافة العربية كان ولايزال إطارا عاما للتفكير في مختلف القضايا، الدينية و الكلامية و الفقهية و الفلسفية و المنطقية وهذا ما سنعمل على الوقوف عند بعض مظاهره، من خلال المجالات الرئيسية للثقافة العربية، ونقصد مجال علوم اللغة ومجال علوم الدين ومجال علوم الحكمة، الأول من خلال نموذج عضد الدين الإيجي صاحب “الرسالة الوضعية”، اما النموذج الثاني فمن خلال ابن تيمية في كتابه “الإكليل في المتشابه و التأويل” والنموذج الثالث، ونقصد مجال علوم الحكمة من خلال أبي نصر الفارابي في كتابه “الألفاظ المستعملة في المنطق”.

ففي علوم اللغة، تتعدد الأسماء التي يمكن أن نستدل بها على اهتمام اللغويين بمسألة المصطلح، فهو لئن كان المصطلح مجرد فرع من أصل، فهو يبقى العماد و العمدة، ففضلا عن عشرات المعاجم المختلفة و الفهارس، نجد مصنفات اختصت في النظر العلمي للمصطلح، كالآمدي في “المأتلف و المختلف” و ” الجرجاني في كتابه “التعريفات” و الجاحظ في كتابه “المحاسن و الأضداد”، وغيرهم، غير أننا سنكتفي يعضد الدين الإيجي في كتابه “الرسالة الوضعية”(1)، حيث ينظر إليه من جهتين، جهة الوضع ثم جهة اللفظ، فمن جهة الوضع نجد نوعين هما،الوضع التحقيقي وهو “أن يوضع اللفظ إزاء المعنى للدلالة عليه بنفسه من غير علاقة و لا قرينة” وهو ما يسمى عند البلاغيين بالحقيقة، ثم الوضع التأويلي وهو “وضع اللفظ إزاء المعنى للدلالة عليه بواسطة قرينة وعلاقة”، وهو الذي يضم عند أهل البلاغة صنوف المجاز و الاستعارة و الكناية.

أما من جهة اللفظ، فينقسم إلى لفظ مشخص وهو “ما كان اللفظ الموضوع فيه ملحوظ بخصوصه”، كوضع زيد اسما لشخص معين، ووضع إنسان للحيوان الناطق، فالتشخيص هنا يكون لفظيا، ثم لفظ نوعي وهو ألا يكون اللفظ الموضوع ملاحظا بخصوصه، وعلى ذلك فهو يمثل قاعدة كلية تندرج تحتها كليات كثيرة مثل لفظ على وزن “فاعل” ويدل على من أو ما يقوم بالفعل، و”المفعول” هو من و ما يقع عليه الفعل ويشمل ذلك المجازات.

ولا يقف عمل الإيجي عند هذا الحد بل نجده يخوض في الحديث عن المشتق وكيف يضعه الواضع، و المفرد العام و الخاص،والتعريفات و الإشارات وغيرها، وفي تأكيده على سألة الوضع في اللغة، إذ نجده يستعمل دوما لفظة “الواضع” يكون الإيجي قد تجاوز الرؤية التيولوجية للغة والتي تعتبرها مَنّاً وعطاء إلهيا.

 أما في الفقه فإننا نأخذ سلطة في مجال الفقه هو “تقي الدين بن تيمية” في كتابه “الإكليل في المتشابه و التأويل” (2)، وهي قضية معجمية في المنطلق لكنها تتخذ أبعاد تيولوجية عويصة، تتجه للحسم في الكيفية التي ينبغي بها التعاطي مع النص القرآني، يقول ابن تيمية: “إن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة ومقابل المنسوخ أخرى . والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف – العام – كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين ويدخل فيه المجمل فإنه متشابه وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه نسخا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن ؛ ولهذا كانوا يقولون : هل عرفت الناسخ من المنسوخ ؟ فإذا عرف الناسخ عرف المحكم . وعلى هذا فيصح أن يقال : المحكم والمنسوخ كما يقال المحكم والمتشابه”، فإذا قرأنا النص نجده يعرف مصطلح “المحكم” و “الناسخ” و “المتشابه” و”المجمل” ويعرض أسبابه، ومصطلح التأويل، والأسماء المشتركة في اللفظ، والإخبار، كل هذا ليحاجج على معان محدودة في القرآن يحذر فيها لله من اتباع المتشابه، يقول :”والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه”.

وبعد إقرار ذلك عرض مختلف اعتراضاته على قول المعتزلة مقرا ببطلان رأيهم وطريقة تأويلهم(3) وقول القرامطة و الباطنية(4) ثم التأكيد المقابل على ضرورة اتباع تفسير السلف، واعتماده مرجعا وحيدا في فهم النص القرآني، ومنهم تفسير ابن عباس و الذي أثنى ليه ابن تيمية كثيرا(5).

ويستفاد من هذا العرض عند الإيجي و ابن تيمية على اختلاف منهجهما ومنطلقاتهما، أن الصراعات التي شهدها العالم العربي الإسلامي في القرون الوسطى في القضايا التيولوجية بين مختلف النحل و الملل، كان يتم اولا على ساحة المصطلح، فهو معركة حاسمة، فلئن كان التيار السلفي مع ابن قيم الجوزية و ابن تيمية يكفر المتصوفة و المتكلمين، وهؤلاء يكفرون المناطقة و الفلاسفة، فلأن الاختلاف الأساس بين مختلف هذه التوجهات النظرية و العقائدية هي اختلافات في فهم المصطلح وفي تعريفه أيضا، فعندما أشرنا سابقا لقول الإيجي بالمواضعة في المصطلح فهذا ينسجم مع النفس التأويلي للاتجاه الشيعي والذي له مقاربة أخرى لقراءة النص الديني، أما توليفة بن تيمية وتدقيقه في مسألة المحكم و المتشابه وغيرهما، فهو دفاع عن الاتجاه السلفي، مع حصر دائرة الفهم و التفسير في دائرة ضيقة من الصحابة.

إذن المعركة الأولى بين مختلف التيارات تبدأ دوما بالمصطلح، وكل “الانشقاقات” التي تحصل في تيار واحد تكون هي أيضا بسبب الاختلاف في التعامل مع المصطلح، لنذكر هنا فقط الاختلاف بين الأشاعرة و المعتزلة، فرغم أنهما يتبنيان المبادئ الخمسة ذاتها، إلا أنهما يعرفانها تعريفين مختلفين، بل انك تجد تعريف عبد الجبار المعتزلي لمصطلحي الوعد و الوعيد مختلف عن تعريف “النظام” لهما.

وحتى لا نعيد اجترار هذا التراث، فإن العناية بالمدخل المصطلحي في قراءة هذا التراث من شأنه أن يشكل قطيعة حقيقية مع مختلف القراءات التي ظهرت في العالم العربي الحديث، ونقصد قراءات حسين مروة و طيب تيزيني والجابري وغيرهم، لما ظهر عليها من تعسفات وكأنها كُتبت لتنسى دون أن تترك أثرا في نظرة العربي لتراثه، وما يزيد من الحاجة لنهج طريق المصطلحية في فعل التفلسف وخاصة في البحث الفلسفي الأكاديمي، هو الأبعاد الجديدة التي تتخذها الدراسات اللسانية و النقدية و الفلسفية المعاصرة، والتي تشكل صفحة جديدة لإعادة قراءة كل التراث الفلسفي، في إطار ما يعرف اليوم بالعقل الهيرومينوطيقي.

وهذا يحيلنا إلى نموذج ثالث وهو مجال الفلسفة، إذ يشتهر أبو نصر الفارابي عن غيره من الفلاسفة العرب بكونه فيلسوف المصطلح الفلسفي بامتياز، إذ أفرد لهذه القضية مصنفات رعيت فيها الدقة و الإحاطة البالغة بالمصطلح الفلسفي عامة و المنطقي خاصة، و ما قام به اعترف له به ابن رشد وابن باجة وهو علامة في هذا الباب كما سيأتي في لاحق هذا العرض، إذ نجد في كتابه “الألفاظ المستعملة في المنطق”(6) إحاطة بكل القضايا التي يطرحها المصطلح، ففي الفصل الأول نجد بسطا لأصناف الألفاظ الدالة، و في الفصل الثاني نجده يتناول أصناف الحروف، من خوالف وواسطات وواصلات وروابط، والفصل الثاني يتناول الألفاظ المركبة وأصناف المعاني، أما الفصل الرابع و الخامس و السادس فيخصصها لأصناف المعاني، المفردة منها و الكلية”.

ففضلا عن كون العناية بالمصطلح المنطقي يعد تقليدا مشائيا، إذ نجد لدى المعلم الأول نزوعا واضحا للتدقيق في المصطلحات المنطقية و العلمية و الفلسفية، ولعل كتابه “المقولات”، وهو كتاب إلى جانب كتاب العبارة يعدان عند أغلب المشائين مقدمة للكتب المنطقية، هو الدليل الواضح على فائق عناية أرسطو بالمصطلح العلمي، أقول ففضلا عن هذا التقليد الأرسطي، فإن الفارابي أضاف لهذا التقليد تقليدا آخر ينبثق من عمق الثقافة العربية الإسلامية كما تمت الإشارة، إذ لا يخلو كتاب لدى المعلم الثاني من دلائل على هذه العناية الخاصة بالمصطلح الفلسفي والعلمي، فنجد الأمر جليا مثلا في كتابه “تحصيل السعادة. عندما نجده يتناول الفضائل الأربع التي بها تتحقق السعادة القصوى للإنسانية جمعاء، الفضائل النظرية و الفضائل الفكرية و الفضائل الخليقة و الصناعات، ونجد فيه عناية خاصة بكل مصطلح على حدة، والأمر نفسه في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” ورسالة “التنبيه على سبيل السعادة”(8).

وكثيرة هي القضايا الفلسفية التي تطرحها العناية بالمصطلح في الفلسفة عموما، غير أني أختار على سبيل الاختصار فقط مشكلة الحد أو التعريف كمشكلة شهدت هي أيضا نزاعا نكتفي بذكر طرفين هما بن تيمية الذي تم تناوله سابقا ثم الفارابي و من خلاله كل الفلاسفة و المناطقة العرب.

فإذا كان فهم أي خطاب هو تحصيل لدلالته واستنتاج لها، فيمكن أن ندعي أن للفهم طابعا تعريفيا(9)، لذلك فالاختلاف بين اللغويين و الفقهاء و الفلاسفة من خلال النماذج السابقة في تحصيل دلالات المصطلحات ستظهر أكثر في مسألة التعريفات والحدود، حيث يتبنى الفارابي ما يسمى بالسيمياء الأرسطي، ولم يقم بنقل السيمياء الأرسطية أحد من متفلسفة العرب كالمعلم الثاني، مقتنعا كغيره من المشائين، ومن ضمنهم الغزالي، أن من لم يتبع طرق الاستدلال المنطقي البرهاني فلا ثقة بعلومه، ولأن البرهان يتأسس على موضوع ومحمول، وكلاهما دال على معنى، فإن المناطقة يهتمون بالنظر في المفردات ثم في المركب، ومبحث الحد كشف وبيان لمبادئ لما يريد المستدل تصوره من هذه المعاني المفردة، وهذا ما يعترض عليه ابن تيمية في كتابات كثيرة أهمها “نقض المنطق” و”الرد على المنطقيين” ثم كتاب “النبوات”، إذ يؤكد على الأسبقية المنطقية و النظرية للمعنى المفرد ليحل محلها الأسبقية الطبيعية للقول المركب، وقد أداه إلى تقرير ذلك، تحليله لمفهوم الدليل بصفة عامة ولنوعية دلالة الكلام بصفة خاصة(10)، وحتى لا نثقل على القارئ في لواحق القول بالأمرين، نجمل الأمر في القول إن المناطقة يتبنون موقفا صوريا من الاستدلال بينما ابن تيمية يتبنى موقفا طبيعيا، وهذا مشكل لازم المنطق الأرسطي إلى حين ظهور المنطق المعاصر.

استنتاجات:
1-  نعتقد أن البحث الفلسفي في المستقبل لن يكون إلا مفهوميا، فالفلسفة لا تقوم لها قائمة من خلال القيام بمهام “سوسيولوجيا المعرفة”، كأن “نتفلسف” من خلال معرفة الظروف السياسية و الاجتماعية.. إلخ التي دفعت الغزالي مثلا لكتابة “تهافت الفلاسفة” أو التي دفعت ابن تيمية “للرد على المنطقيين”، أو الظروف السياسية التي جعلت ابن رشد لا يخصص كتابا للرد “إحياء علوم الدين”، فمثل هذا العمل “الفلسفي” والذي يعد الأستاذ الجابري نموذجه القوي لن تعود له مكانة في المستقبل، صحيح أن فائدته المدرسية تظل قائمة، لكن على المستوى البحث الفلسفي الأكاديمي نعتقد أن صلاحيته انتهت بانتهاء مرحلة ما، وفي نفس الوقت، البحث الفلسفي في المستقبل لن يكون بحثا في “سيكولوجيا المعرفة”، فمثل الأبحاث “الفلسفية” التي تتأسس على أحكام قيمة من قبيل “موسوعية أرسطو” و “عبقرية ديكارت” و “صرامة كانط” و “جنون نتشه” و”سوداوية كيغارد” و”مشاكسة ديريدا” و”شذوذ فوكو” و”غراميات سارتر”، مثل هذه الأعمال الفلسفية و التي لا تخلو من فائدة مدرسية والتي يمثلها عبد الرحمان بدوي خير تمثيل، لا توجد لها من صلاحية في المستقبل، إنما العمل البحثي الفلسفي الحقيقي في المستقبل سيكون بكل تأكيد من خلال تجريد النظر في المفاهيم، النظر في مفهوم محدد يمارس هيمنة على براديغم ما، والعمل على تتبع مسار تكونه ونشأته حتى يصبح قادرا على نسف نسق قديم وتأسيس نسق جديد، فمثلا مفهوم “الأنا” الحديث، فالأكيد هو أن ديكارت ليس الأول الذي سيقول به، فقبله كان دان سكوت و “شواريز” أستاذ ديكارت، لكن ما الذي جعل “أنا” دان سكوت لم تمارس تأثيرها القوي الذي مارسته “الأنا” الديكارتية في تاريخ الفلسفة؟ نفس الأمر يمكن أن يقال عن مفاهيم السببية و الوجود والحرية وغيرها.

2-  العناية بالمصطلح سيخلص الفلسفة من عبأ الإيديولوجيا، فإذا نظرنا إلى الفلسفة من خلال مقاربة براديغمية، فإن الذي يصنع البراديغم أو ينسفه إنما هو المفهوم وليست شخصية الفيلسوف أو الظروف التاريخية التي عاش فيها، فمفهوم “الدازاين” لهايدغر لم تصنعه ظروف الحرب العالمية الثانية التي عاش فيها و لا غرامياته مع الفيلسوفة “حنا أردندت” إنما قرون من نحت المفاهيم وبناءها وتفكيكها حتى وصلنا إلى هذا المفهوم والذي سيدخل براديغم الأزمنة المعاصرة ولم يكن بإمكانه أن يدخل براديغم الأزمنة الحديثة أو الوسطوية.

3-  الأهمية البيداغوجية للعناية بالمصطلح الفلسفي تتجاوز التعريفات السطحية أو ما يعرف “بشرح المصطلحات الصعبة”، بل لأن تعليم التلميذ التفكير بالمفاهيم أفضل بكثير من أن نختصر الدرس الفلسفي في صراع “ديكة” بين الفلاسفة” هذا ضد ذاك، مما يسمح بأشكال سيئة لفهم الفلسفة، و بالتالي بنتائج عكسية لقيمها.

الهامش:
1-  وهي مخطوط منسوخ باليد لم يتم تحقيقه بعد ليكون في متناول القراء، إذ توجد نسخة منه بمعهد الثقافة و الدراسات الشرقية بطوكيو، وفي نسخة إلكترونية له نجد قولا علميا بالغ البيان عن كيفية المواضعة في إنشاء المصطلح.
2-  رسالة الإكليل و المتشابه/تقي الدين بن تيمية/أخرج أحاديثه وعلق عليه محمد الشيمي شحاتة/دار الإيمان للطبع و النشر و التوزيع/ طبعة 2002
3-  نفس المرجع..ص 38
4-  نفس المرجع … ص 25
5-  نفس المرجع… ص 22
6-  أبو نصر الفارابي/ كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق/ تحقيق محسن مهدي/دار المشرق بيروت/ الطبعة الثانية.
7-  أبو نصر الفارابي/ تحصيل السعادة/ ضمن الأعمال الفلسفية الكاملة /الجزء الأول/ تحقيق جعفر آل ياسين/دار المناهل بيروت الطبعة الأولى/ ص 119-120
8-  أنظر نفس المرجع السابق،ص 31
9-  نتذكر هنا البعد الحجاجي للتعريف كما ورد بشكل ثوري عند شايم بيرلمان Chaïm Perelman في كتابه traité de l’argumentation، والذي يعد ثورة حقيقية على الخطابة الأرسطية، وما يهمنا في هذا السياق، هو انتقال تعريف المفهوم من مجرد مقدمة لإمكان البرهان، إلى حجة قائمة بذاتها، وهذا قد يسعفنا مثلا في فهم مختلف التعريفات التي أعطتها الملل و النحل في الثقافة العربية لمفهوم “الفرقة الناجية” أو مفهوم “لسلف” إلخ
10-  حمو النقاري /المنهجية الأصولية و المنطق اليوناني من خلال أبي حامد الغزالي وتقي الدين ابن تيمية/الشركة المغربية للنشر ولادة، الطبعة الأولى ، 1991 ص 93 الفقرة الثانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق