العنف ضدّ النّساء والعنف الاجتماعي

تزايد الاهتمام بالعنف الواقع على النّساء خلال ما يقرب من عقدين من الزّمان، بفضل جهود الحركات النسويّة والمنظمات الدوليّة والمنظمات غير الحكوميّة المعنيّة بحقوق النّساء. ومن خلال البراهين والبيانات والاحصائيّات يجرى التّأكيد على أنّ ملايين النّساء يعانين العديد من أشكال العنف التى تمارس بشكل منهجي كلّ المجتمعات تقريبا، وإن بدرجات متفاوتة وأنماط مختلفة. فالعنف ضدّ النّساء، بهذا المعنى، لا يزال ظاهرة عابرة للتّاريخ والمجتمعات. ومع ذلك فإنّ التقدّم الذى حصل على صعيد حقوق المرأة لا يمكن إنكاره، على الأقل من المنظور القانونى حيث يجرى استصدار تشريعات محليّة فى العديد من البلدان من أجل مناهضة العنف والتمييز ضدّ النّساء. 

ولاشك أنّ ثمّة علاقة تربط العنف ضدّ النّساء بالعنف الاجتماعي، فتزايد مستويات العنف في أي مجتمع من المجتمعات ينعكس على الفئات الأضعف وأغلبهم من النّساء والأطفال. ومع ذلك فإنّ العنف ضدّ النّساء له وضعيّة خاصّة، لأنّه لا يرتبط فقط بأوضاع عنيفة بل أوّلا وقبل كل شيء بسياقات اجتماعيّة وثقافيّة تبدو طبيعيّة وغير عنيفة. صحيح أنّه مع تطور المجتمعات وانتشار الوعى بحقوق النّساء، باتت الانتهاكات أكثر وضوحا، إلا أنّ العنف ضد النّساء مازال شائعا، كما أن تطوّر المجتمعات صاحبه ظهور أنماط جديدة من العنف صارت أكثر تنظيما مثل الإتجار بالنّساء وغيره من أشكال العبوديّة المعاصرة. وفى كثير من المجتمعات لا يجرى النّظر إلى أنماط معينة من العنف ضدّ النساء بوصفها عنفا، بل من طبائع الأمور. ومن ثم فإن هدف هذه الورقة هو بيان خصوصيّة العنف ضدّ النّساء فى علاقته بالسياقات الاجتماعيّة والثقافيّة من منظور علاقات القوى ونظام الهيمنة والسيطرة الذكوريّة. 

أولا: التّعريف

كدأب العديد من الدّراسات التى تناولت العنف ضدّ النّساء، فإنّ مسألة التعريف غالبا ما تكون مدخلا لتناول الموضوع على أسس محدّدة. ويحظى التّعريف بأهميّة خاصّة لأنه يستهدف تحقيق الاعتراف الثقافى والسياسى بأنّ أفعالا معيّنة هى بمثابة عنف. كما تأتى أهميّة الاعتراف نظرا لأنّ كثير من الثقافات تنكر أشكالا معينة من العنف وتبرّرها بل وتضفى عليها صفات أخلاقيّة حميدة. وهذا هو فى حقيقة الأمر مشكلة العنف ضدّ النّساء، فهو عنف مبرّر فى غالبيّة الأحيان. وتأتى أيضا أهميّة التّعريف، وخاصّة في صياغته القانونيّة الحقوقيّة، انطلاقا من أنّه أسهم ويسهم في تعيين ممارسات بعينها، وبالتالي المساهمة في اقتراح أو تطوير تدابير قانونيّة وحمائيّة لمواجهة العنف ضد النّساء ومساعدة الضحايا. 

وعلى الرّغم من خصوصيّة العنف ضد النّساء، إلا أنّه يرتبط بمفهوم العنف بشكل عام، وخاصة عندما يجرى تعريفه من منظور علاقات القوى في مجتمع ما، فالعنف هو: “سلوك إيذائى قوامه إنكار الآخر كقيمة مماثلة لـ”الأنا” أو لـ”النحن”، كقيمة تستحق الحياة والاحترام، ومرتكزُهُ استبعاد الآخر عن حلبة التغالب إمّا بخفضه إلى تابع، وإمّا بنفيه خارج السّاحة (إخراجه من اللعبة) وإمّا بتصفيته معنويّا وجسديّا. إذا معنى العنف الأساسي هو عدم الاعتراف بالآخر، رفضه أو تحويله إلى الشيء “المناسب” للحاجة العنيفة، إذا جاز الكلام. عدم الاعتراف لا يعنى عدم المعرفة، بل يعنى معرفة معينة، مقولبة1…”. وينطبق هذا التّعريف العام على العديد من أشكال العنف التي تحدث بين هويات ذاتيّة أو جماعيّة متناحرة. والعنف ينطوي على علاقة سيطرة وهيمنة في إطار عملية استتباع الآخر أو نفيه. وينطبق هذا على العلاقات الطبقية أو الإثنية أو الطائفية، مثلما ينطبق على العلاقة بين الرّجال والنّساء. 

ويشكّل التّعريف الذى تقدّمه المادّة الأولى من الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد النّساء الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، مرجعيّة أساسيّة انطلاقا من رؤية حقوقيّة تحدّد بالضبط ما يعد عنفا على أساس الجنس، فهو: …. “أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبيّة الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسميّة أو الجنسيّة أو النفسيّة بما في ذلك التّهديد بأفعال من هذا القبيل والقسر والحرمان التعسّفي من الحريّة، سواء حدث ذلك في الحياة العامّة أو الخاصّة”. ويورد الإعلان على سبيل المثال عددا من أبرز أشكال العنف ضد النّساء، مثل العنف البدني والجنسي والنفسي الذى يحدث في إطار الأسرة بما في ذلك الضرب والتعدي الجنسي على أطفال الأسرة الإناث، والعنف المتّصل بالمهر، واغتصاب الزّوجة، وختان الإناث وغيره من الممارسات التقليديّة المؤذية للمرأة، والعنف غير الزّوجى والعنف المرتبط بالاستغلال؛ وكذلك العنف البدني والجنسي والنفسي الذى يحدث في إطار المجتمع العام بما في ذلك الاغتصاب والتعديّ الجنسي والمضايقة الجنسيّة والتخويف في مكان العمل وفى المؤسسات التعليمية وأيّ مكان آخر، والاتجار بالنّساء وإجبارهن على البغاء؛ وأيضا العنف البدني والجنسي والنفسي الذى ترتكبه الدّولة أو تتغاضى عنه، أينما وقع.2 

ويمكن كذلك استخدام تعبير “العنف المبنى على الجندر” وهو: مصطلح شامل يشكل مظلة لأي فعل يتم خلافاً لإرادة الشّخص، ومبني على الاختلافات المفترضة على الصّعيد الاجتماعي (النّوع الاجتماعي) بين الذّكور والاناث، وتنتهك أفعال العنف المبني على الجندر عدداً من حقوق الإنسان العالميّة التي تحميها المواثيق والمعاهدات الدوليّة، والعديد من العنف المبني على الجندر إن لم تكن كلّها أفعالا غير قانونيّة وجنائية في القوانين والسياسات الوطنيّة. وحول العالم للعنف المبني على الجندر أثر على النّساء والبنات أكثر منه على الرّجال والأطفال. وغالباً ما يتم استخدام مصطلح “العنف المبني على الجندر” بالتناوب مع “العنف ضدّ المرأة”. ويبرز مصطلح “العنف المبني على الجندر” البعد الجندري لهذه الأنواع من الافعال، وبكلمة أخرى العلاقة بين الوضع التّابع للإناث في المجتمع وضعفهنّ المتزايد تجاه العنف. إلّا أنّ من المهم أن نلاحظ أنّ الرّجال والذّكور يمكن أن يكونوا ضحايا للعنف المبني على الجندر وخاصّة العنف الجنسي. 3

وبالطبع فإن التعريفات السّائدة تركز على أنماط العنف وآثاره الجسديّة أو النفسيّة على الضحايا. وكما سبق أن ذكرنا، فإنّ مثل هذه التعريفات ذات مغزى حقوقي قانوني، ولكنّها تتصل كذلك بالأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة، والتي توفرها تحليلات ورؤى فكريّة تربط العنف بالسياقات والعلاقات الاجتماعية التي تميز بين الرّجال والنّساء، وببنية السّلطة الأبويّة المنحازة إلى الرّجال ضدّ النّساء. 

ومن هذا المنطلق، فإنّ مقاربة العنف ضد النّساء ترتكز بالأساس على علاقات السّيطرة ومن ثم على مفهوم “التمييز على أساس الجنس”. والعلاقة بين العنف والتمييز ذات أبعاد مختلفة، فمن ناحية أولى يعتبر “التمييز في حدّ ذاته عنف، أو بالأحرى نوع من “العنف الأساسي” لأنّه لا يستهدف ملكيّة الآخر، بل يستهدف ماهية الآخر: ليس اعتداء على ما يملكه الآخر، بل نفي لجوهر الإنسان في الآخر. إنّه كالعنصريّة، أي التمييز على أساس العنصر، نفى لحق الآخر في أن يكون له حق. إنّي نفى للإنسانيّة الكاملة للمرأة، وللمبدأ المؤسّس للحياة الاجتماعيّة في عصرنا وهو مبدأ المساواة”. ومن ناحية أخرى، فإن العلاقة “بين العنف والتمييز كالدائرة المفرغة: هذا يؤدّى إلى ذاك فقد بينت الكثير من الأبحاث أنّ العنف يمكن أن يكون آليّة للحفاظ على التمييز. فالكثير من الرّجال يستعملون العنف لفرض الأدوار النمطيّة التقليديّة على النّساء، ولمنعهنّ من حريّة الحركة وحريّة التصرّف في أجسادهنّ…”. 4

ثانيا: العنف بين الفردي والاجتماعي

كثيرا ما يجرى التّعامل مع العنف، ومن ذلك العنف ضد النّساء، على أنّه انحرافات سلوكية، يمكن تصحيحها بإجراءات عقابيّة أو تربويّة. وهذه النّظرة شائعة وخاصّة بين ضحايا العنف من النّساء. فهن ينظرن إلى العنف الواقع عليهن في إطار تجاربهن الشخصيّة، فلا يرون في العنف إلا عنف فردى من الشريك. ففي دراسة استطلعت رأي مجموعة من النّساء في لبنان حول العنف الممارس عليهن انطلاقا من تجاربهن الشخصية “برز تنوع في التّفسيرات من نفسيّة وسلوكيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة… وقد بلغ عدد النّساء اللواتي أعطين تفسيراتهن حول الموضوع 83 امرأة من أصل 93. أجاب نحو )22% ( منهن أن العنف في أحوالهن عائد إلى شخصية الزوج غير المستقرة وسوء طباعه أو عدم استقراره النفسي حتّى أن البعض وصف هذا الزوج بـ “المريض نفسيا”… )9(% في المئة من النّساء رددن العنف إلى ضعف شخصيّة الزّوج وما يتبع ذلك من محاولته إثبات ذاته على حساب غيره ولا سيما الزّوجة…) 22 %) رددنه إلى أسباب سلوكيّة كالإدمان على الكحول أو المخدرات ولعب الميسر (15%) فضلا عن الجري وراء النّساء والخيانة الزوجيّة (7 %)، و) 25 % (رددنه إلى معايشة الزّوج للعنف في أسرته والتربية الخاطئة التي تلقاها، أو إلى تدخلات الأهل فضلا عن تفوق المستوى الاجتماعي والبيئي للمرأة عن ذلك العائد للزوج…) 18% (رددن العنف إلى صفات أخلاقية خاصة بالزوج وهي الطمع، الأنانيّة، البخل، الغيرة، عدم الثقة بالنساء… )4% ( رددن العنف أخيرا إلى مشكلة صحيّة خاصة بهنّ أو بأزواجهن”. 5

وهكذا فإنّ العنف يجرى النظر إليه انطلاقا من الممارسات الفردية المنظورة. ولاشك أنّ العامل السلوكي الفردي موجود دائما وله تأثير، لكن المشكلة تكمن في فصله عن السياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي والذى تتشكل فيه وبموجبه إدراكات واستعدادات على حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، كما سنوضح لاحقا. وبالتالي فإن مقاربة العنف انطلاقا من الاجتماعي وليس الشخصي يساعدنا، بلا شك، على فهم العنف الشخصي ذاته بوصفه نتيجة وليس سببا، على الأقل في كثير من الأحيان أو في أنماط معينة من العنف.

في دراسة شاملة عن العنف ضد النّساء،6 أجرتها شعبة النهوض بالمرأة في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمانة العامة للأمم المتحدة تم استعراض الأسباب المختلفة للعنف ضد النساء ومنها الثقافي والاقتصادي والسياسي، فضلا عن أوضاع محددة مثل حالات الحرب وأثرها على النساء. وتخلص الدراسة إلى عدد من النتائج ذات الدلالة، كأن يتم النظر إلى العنف ضد النساء ليس باعتباره انتهاكا أو نتيجة لوضع ما، بل بوصفة آلية اجتماعية: “يعمل العنف ضد المرأة بمثابة آليّة للمحافظة على سلطة الرّجل. وعندما تُخضعُ المرأة للعنف لتجاوزها القواعد الاجتماعية التي تحكم جنسانية الأنثى والأدوار العائلية، مثلا، لا يكون العنف عنفا فرديا فقط، وإنما يُعزز بوظائفه العقابيّة والتحكميّة القواعد السائدة للعلاقات بين الجنسين. ولا يمكن أن تُعزى أعمال العنف ضد المرأة إلى عوامل نفسيّة فرديّة فقط أو إلى أحوال اجتماعيّة-اقتصاديّة، كالبطالة، مثلا. وتفسيرات العنف التي تركز بالدّرجة الأولى على السلوك الفردي أو التاريخ الشخصي، كتعاطي االمشروبات الكحولية أو التعرض المسبق للعنف، تتغاضى عن الأثر الأوسع نطاقا للتفاوت المنهجي بين الجنسين وتبعية المرأة. لذلك، يجب أن توضع الجهود الرامية إلى الكشف عن العوامل المرتبطة بالعنف ضد المرأة في سياقها الاجتماعي الأوسع، وهو علاقات القوى”. 7

وفى الحقيقة، أن هناك ثقافات تعترف بالعنف ضد النّساء، وتقرّ به وترى فيه انحرافات سلوكيّة، ولكن لأنّها تخضع لذات المفاهيم التي تحطّ من قدر المرأة وجسدها، فإنّ جزء من مسؤوليّة العنف الواقع ضد المرأة يقع على عاتق الضحيّة ذاتها. فالمرأة هي التي تمتلك القدرة على الغواية وبالتالي تشجيع وتدفع الذكور نحو الإتيان بسلوكيات غير مرغوبة. ونأخذ مثالا على التحرّش الجنسي، فعلى الرّغم من أنّ النّساء هن ضحايا هذا النّمط من العنف في الغالب، إلا أنّ ثمة نظما ثقافيّة تحمّل المرأة المسؤوليّة نظرا لعدم التزامها بقواعد معيّنة. وفى مثل هذه الحالات يجرى الاعتراف بالعنف، كسلوك فردى من رجل ضد امرأة، ولكن في الوقت ذاته يجرى تخليصه من المسؤولية التي تتحملها الضحية. والضحيّة هنا فرديّة ولا شك، ولكن فرديتها لا تعكس وضع أنثوي جماعي قادر على حرف سلوكيات فرديّة. 

ويمكن القول بأنّ تصوير العنف ضد النّساء على أنّه انحراف سلوكي، قد يصلح من المنظور القانوني لمواجهة العنف، ولكن بالمقابل فإنّه مضلل لأنّه يخفى حقيقة البنى الاجتماعية والثقافية التي تجعل هذا العنف قائما ومحتملا ومتكرّرا. 

ثالثا: السّيطرة الذّكوريّة

ثمّة تطوّر ملحوظ ومتواتر في تحليل العنف ضدّ النّساء باستخدام مجموعة من المفاهيم ذات الصلة بالسّلطة، علاقات القوى، الهيمنة. وهى مفاهيم معنية بالأساس بتحليل البنية الاجتماعيّة أكثر من كونها مفاهيم لتحليل العنف بمعناه الضيّق. وكما تمّ استخدام هذه المفاهيم لتحليل العلاقات الطبقيّة، فقد تمّ تطوير رؤى باستخدام هذه المفاهيم لتحليل العلاقات الجندرية (النوع الاجتماعي)، بوصفها علاقات سلطة. وتأخذنا مثل هذه المفاهيم مباشرة إلى فهم العلاقة بين الاجتماعي والعنف ضد النّساء في ظل السلطة الأبوية أو الذكوريّة. 

إن الهيمنة والسيطرة الذكوريّة هي نسق علاقات وأدوار يقوم بها كل من الرجال والنّساء. وفى هذا النّسق يخضع الطرفان لإملاءات اجتماعيّة وثقافيّة، وفى وضعيات معينة، يلعب كلّ من الرجال والنّساء أدوارا تعزّز النّسق وتقوّيه وتعيد انتاجه، وكما يشير علماء الأنثربولوجيا، فإنّ هذه الأدوار المحدّدة اجتماعيا يجرى إعادة انتاجها من قبل الطرفين. وفى وصف معبر عن دينامكيّة لعب الأدوار الجندريّة نقرأ الآتي: “يلعب هو دور الذكر، وتلعب هي دور الأنثى، وهو يلعب دور الذكر لأنّها تلعب دور الأنثى. وهى تلعب دور الأنثى لأنّه يلعب دور الذّكر. وهو يقوم بدور ذلك النوع من الرّجل -الذى تعتقد هي أنّ المرأة، الذى تقوم بلعب دوره،- لا بدّ أن تعجب به. وهى تقوم بدور المرأة، -الذى يعتقد هو أن الرجل الذى يقوم بلعب دوره،- لا بدّ أن يرغب فيه، ولو لم يكن يلعب دور الذكر، لكان على الأرجح أشد منها أنوثة- اللهم إلا في الحالات التي فيها مسرفة في لعبة الأنوثة. ولو لم تكن تلعب دور الأنثى لكانت على الأرجح أشد منه ذكورة- إلا في الحالات التي يكون فيها مسرفا في لعبة الذكورة. وهكذا يزداد لعبه شدّة، ويزداد لعبها نعومة…“ 8

وفى هذا المسرح الاجتماعي نستطيع أن نفهم كيف يمكن لنمط معين من الهيمنة أن يؤسس الأدوار الاجتماعيّة للأفراد من الجنسين (الذكر المهيمن مقابل الأنثى الخاضعة). وفى هذا السّياق يحدث العنف إمّا بشكل دائم باعتباره مبررا ومعترفا كأحد مقتضيات صناعة الهيمنة والخضوع، كما في حالات ختان الإناث مثلا، أو باعتباره اجراء عقابيا أو تأديبيا إذا خرج أحد الطرفين عن قواعد اللعبة أو لعب دور الطرف الآخر المحدّد سلفا. وفى سياق الهيمنة الذكوريّة “تقوم الذكورة المهيمنة على مجموعة من المبادئ والممارسات الجندرية التي تشرّع الهيمنة. وتتجلّى أشكال التسلط عبر صور متعددة فتكون تارة مكشوفة معتمدة على العنف والقوة، وطورا متسترة تحت قناع التّرميز. وهو ما يجعلنا نعتبر أن الذكورة المهيمنة موصولة بالضرورة إلى بنية السلطة”. ومن ناحية أخرى “تقوم الذكورة المهيمنة أيضا على فكرة الصّراع والإقصاء، الصراع من أجل إثبات الرّجولة والزّعامة بدلالتها المختلفة، والاقصاء ليس فقط للنّساء ولكن لكل مالا ينطبق عليه معايير الذّكورة المهيمنة حتّى من الرّجال أنفسهم. 9

وتلعب الثقافة دورا مهما في تبرير العنف، بل وإخفائه، فالثقافة هي تحديدا السّاحة التي يدور فيها الصّراع والهيمنة وعمليات بناء شرعيّة السلطة الذكورية، بل إن الثقافة هي الساحة التي تشرّع العنف ضد النّساء ذاته. ومن المعروف أن ما يسمى بالعادات والتقاليد هي الأكثر بروزا في علاقتها بأنماط معينة من العنف ضد النساء مثل الختان أو تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وجرائم الشّرف وزواج القاصرات، والقوانين التمييزية. إن معظم الأدبيات التي تعالج التمييز أو العنف ضدّ النّساء تستدعى ما يسمّى بأعراف وتقاليد ما قبل الحداثة بوصفها “مصادر” رئيسيّة لأنماط مختلفة من العنف ضد النّساء. ولكن هذا لا يعنى أن علاقة الثقافة بالعنف ضد النّساء مقصورة فقط على العادات والتقاليد التي ينظر إليها على أنّها بقايا ماض أليم، فالثقافات الحديثة كذلك تنطوي على عناصر تنتقص من قدر المرأة وإن بطرق أخرى مختلفة كأن يتم التّعامل مع جسد المرأة كشيء في سوق السلع الرمزية، على حد تعبير بيير بورديو. فلاشك أن المرأة حققت مكتسبات لا تنكر في العديد من المجتمعات، ولكن تظل الممارسات المعادية للنساء موجودة في كل مكان تقريبا. وفى لفتة دالة عن الأوهام التي نعيشها عندما نفكر في وضع النّساء في المجتمعات المتقدمة، يقول كافين رايلى في معرض حديثه عن ضرورة التعمق فى تحليل العلاقات الجندرية عوضا عن الاعتماد على مؤشرات شكلية: “… لنتخيل علماء الآثار بعد عشرة آلاف سنة من الآن منقبين عن بقايا مجتمعنا يقصد المجتمع الأمريكي المعاصر ويحاولون تفسير فكرنا ومشاعرنا بناء على فنوننا. فلنتصور أولئك العلماء المتخصصين في الآثار وقد توصلوا إلى بقايا كشك من أكشاك بيع الصحف وهم يهنئون أنفسهم على قيمة ما اكتشفوه. ألا تكون دهشتهم، على الأرجح، كبيرة حين يكتشفون أن معظم “فنوننا” مكرسة لتصوير الأنثى العارية، ولا سيما ذوات الصدور الممتلئة. وقد لا يكون من الخطأ بالنسبة لعلماء المستقبل هؤلاء أن يستنتجوا أن الأمريكيين في القرن العشرين كانوا يعبدون شكل الأنثى. لكنهم يخطئون خطأ فاحشا إذا استنتجوا أن هؤلاء الأمريكيين كانوا يعيشون في مجتمع تسوده النساء. فوجود هذا العدد الضخم من المجلات الإباحية، والجاذبية التي تمارسها “ربات” السينما في المجلات السينمائية، وصحف الفضائح بل والصحف اليومية، لن تزود علماء الآثار إلا بالقليل عن سلطة النساء الحقيقية ومكانتهن في المجتمع”. 10

وبهذا المعنى فإن القدرة على تطبيع العنف ضد النّساء لا يرتبط فقط بالقدرة على الإخضاع أو الأقصاء أو التبرير، بل أحيانا ما تتخفى السيطرة فيما يعد أو يبدو انتصارا للنساء. إن سياسات الجسد الجديدة والتي تنطوي على قدر عال من التسليع والتنميط، هي أيضا نوع من العنف على الرّغم من أنّه بمعايير الذكورة والأنوثة السّائدة قد يعد انتصارا وخروجا على السائد. 

لعل مفهوم العنف الرمزي الذى طوره بيير بورديو هو الأكثر قدرة على كشف علاقة الاجتماعي والثقافي بالعنف ضد النّساء. والمفهوم يشاع استخدامه بدرجة عالية من التبسيط وكأنّه النقيض للعنف الجسدي المباشر، أو كأنّه مجرد نوع من العنف يخلف آثارا نفسيّة. وفى الحقيقة إنّ المفهوم كما صاغه بورديو يتعلق بالأطر والبنى الاجتماعية التي تنظم علاقات السيطرة والتي يكون العنف البدني أو النفسي نتيجة لها. إنّه بمعنى آخر تطبيع السيطرة أي جعلها طبيعية. ومن خلال استخدام السّلطة الرمزيّة “تظهر قوة النظام الذكوري في حقيقة أنّه يستغني عن التبرير. فالرؤية المتمحورة حول الذكورة تفرض نفسها باعتبارها محايدة، ولا تحتاج إلى التعبير عنها في خطابات تسعى إلى منحها المشروعية. النظام الاجتماعي يعمل بمثابة آلة رمزية هائلة تميل إلى إقرار السّيطرة الذكوريّة التي يقوم على أساسها: إنه التقسيم الجنسي للعمل، التوزيع البالغ الصرامة للنشاطات الموكلة لكل جنس من الجنسين، ولمكان هذه النشاطات، ولحظتها، وأدواتها….” 11

وبالتالي، إن ما يستحق التغيير هو طرق التفكير في العنف والذي هو نتاج أنظمة السيطرة ذاتها، ولذلك لا نندهش كثيرا عندما نجد أن النساء أنفسهن حتّى من يرفضن العنف، يتمسكن بذات البنى والأفكار المولدة للعنف. وفى هذا الصدد يقول بورديو: “حين يطبق المُسيطِر على ما يسيطر عليهم مخططات هي نتاج للسيطرة، أو بعبارة أخرى، حين تكون أفكارهم وإدراكاتهم مبنية وفقا لنفس بنيات علامة السيطرة المفروضة عليهم، فإن أفعال معرفتهم connaissance تكون، حتما، أفعال اعتراف reconnaissance، أفعال خضوع…”.12 وهذا ما يعطي للقوّة الرمزيّة قوّتها، لأنّ الأفراد أنفسهم يشكلون ذواتا مستعدة ومهيأة للاعتراف بالإخضاع والتمييز والإقصاء. “إن القوة الرمزية هي شكل من السّلطة يمارس على الأجساد، مباشرة، وكأنّما بواسطة السّحر، خارج أيّ إجبار بدنى، لكن هذا السّحر لا يعمل إلا بالارتكاز على استعدادات مودعة، مثل النوابض، في أعماق الأجساد. وإذا كان بوسعها [أي القوة الرمزية] أن تعمل كالزناد، أي ببذل قدر بالغ الضآلة من الطاقة، فذلك لأنّها لا تفعل سوى إطلاق الاستعدادات التي أودعها عمل الدمغ والتمثل الداخلي في هؤلاء أو هاتيك الذين، نتيجة لذلك، يمكنونها منهم…” 13

يساعدنا بورديو برؤيته هذه في فهم آليات السيطرة الذكورية وخاصة في مجتمعاتنا التي تدمغ فيها علامات السّيطرة على أجساد النّساء “الحرام”، فثمة قبول مكشوف ومقر بأنّ هذه الأجساد هدفا للتّرويض، لأنّها، بطبيعتها، قابلة للانفلات. وتسعى السّيطرة الذكوريّة من خلال العنف المكشوف والخفي إلى الحدّ من خطورة أجساد النّساء سواء من خلال الختان أو الضرب أو حتّى القتل. 

رابعا: خاتمة

يبدو الرّجال فى ظل السيطرة الذكوريّة وكأنّهم منتصرون دائما، ولكن هذا غير صحيح وخاصة في ظل تحولات اجتماعيّة تفرض تغيير الأدوار الاجتماعيّة. وغالبا ما تحدث التحولات الاجتماعيّة بصورة أسرع من التحوّل في بنية الإدراكات، وهكذا فإنّ الرّجال أنفسهم يدخلون في مأزق، لأنّ المتطلبات الإدراكيّة للسيطرة تفترض معايير معينة في الذكر المهيمن، وكما تقول باحثة لبنانية: “على الرّغم من الإصرار على تقديم نموذج مثالي لذكورة مثاليّة، إلا أن الواقع يحفل بأنماط مختلفة من الذكورة التي لا تتطابق مع النموذج المثالي المفترض. فكثير من الرجال والشباب يتبنون سلوكيات وقيم مغايرة سواء على صعيد الأفكار ومناصرة حقوق النساء أو على مستوى الأزياء والتجمل واتخاذ مظاهر طالما تم تصنيفها على أنّها مظاهر أنثويّة. إلى أي حد هذا أدى إلى تصدع المفهوم التقليدي عن الذكورة التقليدي؟ وإلى أيّ حدّ يعانى هؤلاء الرّجال اجتماعيا؟ وبالمثل فلم تعد كلّ النّساء خاضعة للأدوار التقليديّة فكثير منهنّ يقمن بأدوار اجتماعية طالما تم تصنيفها بأنها شأن ذكوري. فإلى أي حد أدى ذلك إلى تصدع المفهوم التقليدى للأنوثة؟ وإلى أي حدّ يتوافق النساء اجتماعيا مع الأدوار الجديدة؟” 

نحن فى حاجة ماسة إلى فهم مثل هذه التحولات فى اللأدوار وأثرها على العنف ضد النساء، ففى ظل هذه التحولات لا يتوقف العنف، بل قد يزداد في بعض أشكاله مع تزايد محاولات استعادة السّلطة وتثبيت الأدوار. فالتّحرش الجنسي قد لا يكون دافعه جنسيا بالمعنى البيولوجي، بقدر ما يكون محاولة لإثبات الذكورة بالمعنى الاجتماعي. ويمكن القول أن أنظمة السيطرة الذكوريّة ذاتها دخلت فى مأزق بسبب عدم التطابق بين بنية الإدراكات الحاكمة لمجال رمزي تقليدي، والوقائع الاجتماعية المتغيرة والتى غيرت من أدوار النساء. 

ومن هنا فإنّ مناهضة العنف ضدّ النّساء قد تتطلب ليس فقط التركيز على العنف بمعناه المباشر، ولكن حلّ مشكلة الإدراكات بما فى ذلك معنى الذكورة. وبهذا المعنى فإنّ المقاربات الحقوقية والقانونية بالغة الأهمية، ولكنها غير كافية. فالأمر الأهم هو، كما يقول بورديو: “العمل على تغيير بنية الإدراكات والاستعدادات التى تعمل بموجبها أنظمة السيطرة الذكورية، وخاصة التعامل مع النّساء بوصفهن سلعا أو أشياء يتمّ تداولها فى سوق السّلع الرمزيّة سواء بالمعنى الاقتصادي أو الثقافي”. 

الهوامش

1خليل أحمد خليل: سوسيولوجيا العنف، الفكر العربى المعاصر، مركز الانماء القومى، 27/28، بيروت 1983، ص 19-40

إعلان القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة، المادة 1

http://nesasy.org/content/view/8251/309

د. رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة، دار بتر للنشر والتوزيع، سوريا، الطبعة الأولى 2005، ص 86-87

رفيف رضا صيداوى، جوارى 2001، دراسة حول العنف ضد المرأة فى العائلة، الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، بيروت 2002، ص 87

الأمم المتحدة، الجمعية العامة: دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة، تقرير الأمين العام، A/61/122/Add.1

المصدر السابق، ص 38

8 Betty Roszak and Theodore Roszak, Masculine/feminine (New York: harper &Row), P..vii فى كافين رايلى: الغرب والعالم، تاريخ الحضارة من خلال موضوعات، ترجمة د. عبد الوهاب المسيرى ود. هدى عبد السميع حجازى، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو 1985،

آمال قرامى: تصدع بنية “الذكورة المهيمنةط ومحاولات انقاذها، باحثات، الكتاب الثانى عشر 2006، 2007، المركز الثقافى العربى بيروت، ص 100-125

10 كافين رايلى: الغرب والعالم، تاريخ الحضارة من خلال موضوعات، ترجمة د. عبد الوهاب المسيرى ود. هدى عبد السميع حجازى، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يونيو 1985، ص 37

11 بيير بورديو، السيطرة الذكورية، ترجمة أحمد حسان، دار العالم الثالث، الطبعة الأولى 2001، ص 22

12 المصدر السابق، ص 25

13 المصدر السابق ص 41

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق