العنف ضد الأنثى في الحكاية الشعبية الفلسطينية

العنف ضدّ الأنثى -سواء بتجليّاته الجسديّة أو اللغويّة- نراه في كثير من الحكايات الشعبيّة العربيّة والعالميّة، ولكن لضيق المجال سأقتصر على الحكاية الشعبيّة الفلسطينيّة، معتمداً على كتاب “قول يا طير” للباحثين إبراهيم مهوّي وشريف كناعنة. ولقد لاحظت من خلال قراءتي هذه الحكايات أنّ العنف ضدّ الأنثى ظهر متمثلاً بأربع تجليات تبعاً لشكل هذه الأنثى، فهناك الأنثى الإنسيّة، الأنثى الجنيّة والأنثى الغولة والسّاحرة.

فإذا ما تناولنا الأنثى الإنسيّة نجد لها مظهريْن، أحدهما سلبي والآخر إيجابي. وفي الحالتين يقع العنف على الأنثى، وقد تكون طيّبة في الحكاية الشعبيّة لكنّها تتعرّض لحوادث عنف. في قصّة “الشاب الشجاع” نجد امرأة الغول التي كانت واحدة من بنات المدينة وأحبّها الغول وخطفها وتزوّجها، ونجد في ختام القصّة تحايل هذه المرأة على الغول كما تحايلت دليلة على شمشون حتى مات الغول وارتاح أهل المدينة منه، وربما هذا رمز خفيّ لأمنية أنثويّة بالتغلب على الهيمنة الذكوريّة. في قصّة “دبّة المطبخ” تتعرّض نساء الأمير الثلاث إلى قلع أعينهن ووضعهن في بئر منبوذات مهجورات. لكن فيما بعد نجد النّهاية السّعيدة كعادة الحكايات الشّعبية تعود للنساء عيونهنّ ويعود الأمير يكرّم نسائه. إذا كانت المرأة الجيدة أو الطيبة تلاقي هذا المصير أو المعاملة السيئة فما بالكم بالمرأة السيئة، سنجد طبعاً أن الثقافة الذكوريّة تعاملها بشكل سلبي بسبب سلبيتها. في الحكاية الشهيرة “الشاطر حسن” نجد الأم القاسية التي تتزوّج العبد المارد دون علم ابنها ثم تحاول التخلص من الأخير، لكنّه يعود للحياة وينتقم منها ويقطّعها قطعاً ويرميها. وإذا كانت الأم قد تكون قاسية أحياناً، فما بالكم بالحماة التي تصورها الثقافة الذكوريّة دائماً بالمرأة المتسلطة. في قصّة “اللي جوّزت ابنها” حيث كانت أم ابن السلطان تغار من زوجته كثيراً، فلما سافر طردت زوجته، ولم تحكِ الحكاية في خاتمتها صراحة، بل لمحت لها بقولها: “نادى المنادي اللي يحب النبي يجيب حطب ويبسّط نار”.

كما في عالم النّساء الإنسيات نجد طيبات وخبيثات، كذلك في عالم الجنيّات. في قصّة “نعيس” ابن الملك المدلل كثيراً، أحبته جنيّة ابنة ملك الجان وأخذته من أبيه، لكنها في النهاية لقت جزاءها حيث “فقعت” وماتت، رغم أنّها أم أولاده. أمّا ما يتعلق بالسّاحرات فهنّ دوماً سلبيات. في حكاية “لولبة” نجد العبدة السّاحرة تمسخ بطلة الحكاية لولبة إلى حمامة، وفي الختام طبعاً تجد السّاحرة جزاءها بالحرق وذرّ رمادها تماماً كما كان يحدث للساحرات في القرون الوسطى في أوروبا. أمّا عالم الغيلان في الحكايات الشعبيّة فالأمثلة كثيرة، حيث يحضر بقوّة في الحكاية الشعبيّة الفلسطينيّة. ونادراً ما نجد غولة طيبة، حيث إنها دائماً متوحّشة شريرة آكلة لحوم بشر. في حكاية “سماق” نرى الغولة تأكل الحيوانات ويكون مصيرها أن تلحقها السباع و”تشلخها” وتأكلها. في حكاية “بنت التّاجر” يكون مصير الغولة أيضاً أن “تفقع” وتموت بعد أن تركض وتدور كثيراً.

وحتى نكون موضوعيين نذكر أن المرأة في الحكاية الشعبية أيضاً تمارس العنف، من ذلك مثلاً النمط الشهير في الحكاية الشعبيّة وهو زوجة الأب. فلا يقع العنف فقط على المرأة من جانب الذّكر، بل في المقابل نجد عنفها عليه. لكن عنفه دائماً له مبرّراته الأقوى، ورغم أنّ الأنماط السيّئة الذكوريّة تكثر في الحكايات الشعبيّة أيضاً، إلا أنّ الأنماط الأنثويّة السيئة ربما توازيها أو تفوقها، بل ربّما نلاحظ أنّ العنف الواقع على المرأة أكثر في هذه الحكايات، وهذا لا يبدو غريباً فالحكاية والأدب عامّة هو انعكاس لمجتمع وواقع ذكوري يعامل المرأة غالباً بقسوة وترد عليه أحياناً بمثل هذه القسوة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق