العنف في كتابين: اصطناع الذكَر وتنميطه

إذا كانت الحرب هي الشكل الممأسس والمشرَّع للعنف، باعتباره موجَّهاً للآخر “العدو”، فإن الأشكال الأخرى “الفردية والمجتمعية” للعنف لا تظهر على نفس الدرجة من التدميرية، وقد لا تثير الدرجة ذاتها من الحساسية، بل إن بعض أشكال العنف دارجة بمثابة العرف، إن لم تكن مشرّعة في بعض المجتمعات. فأنماط العنف هي مجموعة رمزية من أشكال السيطرة الاجتماعية، المرئية وغير المرئية، يتم الإفصاح عن آثارها والفرضيات القائمة وراءها في نمط من المعتقدات، والمواقف، والتصرفات الثقافية.

ويجوز القول إن طباعنا وثقافتنا قد تشكلا عبر تاريخ من الصدمات، وتحويل هذه الصدمات من جيل إلى آخر، أي أننا نحمل في وعينا، ولاوعينا على الأرجح، إرثاً مثقلاً بالتصدعات، وبحيث أن تاريخ ثقافتنا، كما يعبّر دريدا، هو تاريخ الكبت، وتأجيل مسألة الحضور. ومع هذا فإن من الانتقادات الموجّهة لنقد ما بعد الحداثة هي أنه يركز، غالباً، على الرغبة، وهو صامت بخصوص العاطفة. والتفريق بين الأمرين هام لجهة مسألة العنف، فمثلاً قد ينتحر الناس لإخفاقهم في تحقيق عواطفهم المتعلقة بالحب والقدرة والشهرة والانتقام، بينما أحوال الانتحار لعدم الإشباع الجنسي معدومة.

لم يكن ردّ العنف إلى الغريزة، أو إلى السلوك المكتسب، بمعزل عن الشروط الموضوعية والفكرية العامة. فالحركة الغريزوية تأسست على تعاليم داروين، التي تعكس الافتراض الأساسي لرأسمالية القرن التاسع عشر. والرأسمالية، بوصفها نظاماً يخلق الانسجامَ فيه التنافسُ القاسي بين كل الأفراد، من شأنها أن تبدو نظاماً طبيعياً إذا استطاع المرء أن يثبت أن الظاهرة الأكثر تعقيداً والأجدر بالملاحظة، وهي الإنسان، هي نتاج تنافس قاس بين كل الكائنات الحية منذ ظهور الحياة. وتطور الحياة، من الكائنات أحادية الخلية إلى الإنسان، من شأنه أن يبدو أروع مثال على المشروع الحر، الذي يربح فيه أفضل المتنافسين، ويُزال فيه الذين لا يصلحون للبقاء في النظام الاقتصادي المتقدم.

وقد جاءت المدرسة السلوكية ردّاً متطوراً من النظام نفسه، فالرؤية المعاصرة هي رؤية الاستهلاك غير المحدود، والتحكم غير المحدود في الطبيعة. ويلهب الناسَ حلمُ أنهم سوف يسيطرون يوماً ما على الطبيعة سيطرة تامة، ويكونون بذلك مثل “الله”، فلماذا يجب أن يكون ثمة أي شيء في الطبيعة الإنسانية لا يمكن التحكم فيه؟ تعبّر المدرسة السلوكية أكثر عن علم التسويق، أي صناعة المستهلك، وهي تلقى الرواج مؤخراً، لكن فيما يخص مسألة العنف بقيت الغريزوية أكثر شعبية، مع أن القول: “إن الطبيعة البشرية شريرة”. ليس أكثر واقعية من القول: “إن الطبيعة البشرية خيّرة”. ولكن الأولى أسهل بكثير، فأي امرىء يودّ أن يثبت شريرية الإنسان يجد الأتباع بمنتهى اليسر، لأنه يقدّم لكل شخص عذراً لذنوبه، ولا يخاطر ظاهراً بأي شيء.

على العكس من التبسيط السابق يجب دراسة قصة العنف من زاوية التهميش، بالنسبة إلى ما تستثنيه، وليس بما تتضمنه. بكلمات أخرى، يجب دراسة الشيء الذي لا يقال عندما تُحكى قصة العنف. وربما ينبغي أولاً النظر في قصة تراتبية النظام التي بدأت مع التاريخ، أي مع المجتمع الأمومي لا المجتمع البطريركي. فالآلهة الأنثى، التي يٌنظر إليها اليوم بحنين، هي أول تجسيد للنظام. والسيطرة الأمومية، المشتهاة اليوم قياساً إلى فظائع البطريركية، هي أول سلطة في التاريخ.

وليس خالياً من الدلالة أن يستدعي انتقال السيادة، من المرأة إلى الرجل، استخدام العنف. ومع الفصل بين العنف والقسوة التدميرية فمن الملاحظ أن العنف ما يزال إلى يومنا هذا وسيلة شائعة لممانعة الأنظمة، وكبحها لقوى التغيير، ما يقتضي لاحقاً أن يصبح العنف وسيلة للتغيير. وترى باربرا ويتمر أن “خطاب العنف أسكت خطاب العلاقات الإنسانية التامة المجسدة، والحياة العاطفية الخلاقة، من خلال حصر الغضب في معادلة أحادية الأبعاد مع السلوك العنيف الذي يدمر العلاقات. تحدد مثل هذه الرقابة الثقافية معنى الإنساني من خلال إنكار العنف من حيث هو علامة على الحاجة إلى التغيير، ومن خلال تخفيض قيمة العاطفة واعتبارها خطرة مع منشئها. من هنا يُصنّف التغيير ضمناً بأنه ظاهرة عنيفة غير مرغوب فيها”. ووفق ذلك فإن المشكلة هي في الثقافة التي اختارت أن تفسّر التغيير على أنه تهديد، بدلاً من جعله اختلافاً. ومن ناحية أخرى تدمج هذه الثقافة مفهومي العنف والغضب، أي تقصر في الفصل بين الغضب، بوصفه عاطفة، والعنف بوصفه سلوكاً وأحد السبل في التعبير عن الغضب. يحدث هذا الدمج الاستثنائي في الوقت الذي تخفض فيه الثقافة من قيمة العواطف، وتعدّها مجرد أحاسيس حول العالم، ولا تعترف بها كطرق لوعي العالم، أي يتم طرد العواطف خارج المعرفة والخبرة الإنسانيتين.

لقد اكتسب النظام البطريركي، كمؤسسة ثقافية، حياةً رمزيةً تبدو مستقلة باضطراد عن حياة الأفراد الذين يتغيرون مع الزمن. وبدلاً من أن تكون المؤسسة في خدمة الأفراد يتحول الأفراد إلى خدمة المؤسسة، ونستطيع أن نرى ذلك جليّاً عندما تكتسب فلسفة المؤسسة قيمتها، ولو على حساب البشر. وعلى سبيل المثال فإن فلسفة العصر التقني هي: ينبغي صنع شيء إذا كان من الممكن صنعه. إذا كان من الممكن بناء الأسلحة النووية، فيجب أن تُبنى ولو أنها تدمرنا جميعاً. وإذا كان من الممكن السفر إلى القمر أو الكواكب فيجب القيام بذلك، ولو على حساب الحاجات غير المقضية على الأرض. وهذا المبدأ يعني إنكار كل القيم الإنسانية، ولكنه مع ذلك يمثّل قيمة ربما هي المعيار الأعلى في المجتمع الإلكتروني/التقني.

وبالمثل تمثّل المؤسسة البطريركية هيمنة الذكورة، ونستطيع القول إن مؤسسة الذكورة وإن كانت قد قامت على إقصاء المرأة، إلا أنها تعززت على إقصاء الفرد الذكر ما لم يندمج في آلية النظام البطريركي. كما يمكننا القول إن فكرةً للذكورة استقلتْ وتعززت بمعزل عن الذكور، فالذكورة بهذا المعنى لم تعد معطى طبيعياً فيزيولوجياً، بل هي معطى ثقافي مسبق على الذكر أن يبقى مستعداً لإثباته، أو الدفاع عنه. إنه التحدي الذي وضع أمام “الذكر”، وعليه أن يجاهد طوال الوقت لإثبات جدارته، وبالضبط عليه أن يجاهد ضد ذاته. ويتجلى مكر النظام في تراتبيته التي توهم الذكور بأنهم مستفيدون من بقائه، على حساب التخفيض من قيمة الأنثى، وفي حالات قصوى التعامل مع الأنوثة كقيمة دون بشرية.

إن التبعيد، و”التجميد” العاطفي، اللذين تمارسهما الثقافة البطريركية تجاه الأنثى، يُقصد بهما إقصاء كل ما هو جسدي، لصالح ثقافة العقل/اللغة. وقد أفلح ذلك في تقليل عوامل الثقة الطبيعية في المجتمع، ففي تجربة ما قبل اللغة تكون عملية “التواصل-الثقة” بدنية، وتبقى كذلك مع تطور اللغة، حتى وإن أمكن تخفيض قيمتها، ولم يتم التعرف عليها في النموذج الثقافي الذي يفضّل العقل اللغوي. أي أن مهمة العقل، ضمن إطار أنماط العنف، هي السيطرة على خطاب الجسد، وتدميره مع مشاعره وعواطفه.

وما يفعله النظام هو تنميط الذكر، وإيجاد آليات إنتاج “الذكورة” باستمرار، وتكمن أهمية منجزات علم النفس في أنها درست الفرد “الذكر”، وكشفت الحقيقة المزرية والمحزنة المخبّأة تحت أسطورته. ومنذ فرويد بدا واضحاً مدى ضعف الذكر، والفصامات التي يعانيها الذكور “الأسوياء” المجبرَون على إخفاء عوزهم وضعفهم تحت ضغط فكرة القوة. وقد بيّن فرويد، وأيّده فيما بعد الكثير من علماء النفس، أن طباع الفرد، واستعداداته، تتكون في غالبيتها خلال السنوات الخمس الأولى، وهي السنوات التي لم يكن قد انتقل فيها إلى المرحلة القضيبية، أي قبل أن يمتلك إحساساً جنسياً. ومن الطبيعي أن الأم تلعب دوراً حاسماً خلال هذه السنوات، ولكن عندما تعيد الأم إنتاج ثقافة الذكورة نفسها، فهي تعدّ أبناءها للتأقلم مع المؤسسة.

فمثلاً لوحظ في دراسة إحصائية في ستينيات القرن الماضي أن أغلب النساء الأميركيات يحملن أبناءهن الذكور، ووجوههم إلى الخارج، بينما يحملن الإناث، ووجوههن إلى الداخل. وهذا السلوك البسيط يدل على تأثير الثقافة السائدة على النساء أيضاً، لكنه من جانب آخر يشير إلى الذكر الملقى منذ البداية إلى الخارج، والمعدّ لقطيعة مع الأنوثة، ومع الأمومة أولاً. فبالنسبة إلى الأولاد والرجال، الفصل والتشخيص متصلان بالهوية الجنسية، لأن الفصل عن الأم يتم تقييمه بوصفه جوهرياً لتطور الذكورة. أما الفتيات فلهنّ تمثّل غير منقطع مع المعني الأساسي، ويتعلمن المحافظة على تمثّلهن الأساسي مع الأم. ويتأهلن اجتماعياً كي يصبحن جاهزات لإعادة تمثيل دور الأم المربية، وتبنّي التخفيض الثقافي للجنس النسوي. إن ما تفعله الثقافة هنا هو جعل هوية الجنس الذكري تتهدد بالحميمية، بينما تتهدد هوية الجنس النسوي بالفصل.

عندما تتحدد هوية الذكر بالفصل فهذا يؤذن بالرغبات العدوانية، فالرغبة، من الناحية التقليدية، تدلّ على النقص، وذلك بتمنيها شيئاً غير ذاتها. ويُترجَم هذا في أسطورة الذكورة بأنه ملكية وسيطرة، لكنه يتضمن أيضاً ضعفاً واتكالاً، إضافة إلى خطر الرفض، وعدم الرضا، والخيانة، وخيبة الأمل والألم في محاولات الاكتساب من الآخرين والعالم. وأن يكون المرء محبوباً أمر يقتضي قدرته على أن يُحِب، وأن يثير الحب، وينطوي هذا دائماً على خطر الرفض والخيبة، وعلى هذا تتم تنمية نوازع السادية، فالشخص السادي لا يمكن أن “يحب” إلا عندما يسيطر، أي عندما تكون له سلطة على موضوع حبه. أما إذا تُرجمت الرغبة إلى أنماط كلية متساندة، فإنها تشير إلى فرصة تلبية الحاجة، بوصفها اعتماداً متبادلاً مع بيئة المرء. ويُترجَم هذا إلى الرغبة في الانتماء، والقبول، والانتباه، وفي الوقت ذاته إلى حرية النمو والتوسع.

لكن الذكر، من أجل أن يصبح ذكراً، يعاني منذ البداية الانفصال والعوز، وليس من المسموح له أن يقرّ بذلك، أو أن يطلب المساندة، وإلا فقد أحقيته في أن يكون ذكراً. لذا فهو مضطر إلى تمثيل صورة البطل، وأن يكابد مسؤولية هذه الصورة بلا عون، خاصة من الطرف الذي يفترض به أن يحتاج إلى الحماية “الأنثى”. ولكي يبقى بطلاً يجب أن يكون منقذ البطل الإنساني هو نفسه، هذا هو المعيار المزدوج لأسطورة البطل، فهو يستطيع إنقاذ العالم، لكن العالم لا يستطيع إنقاذه. وبوصفه إنساناً متسانداً فإن عليه، بكل بساطة، أن يحيا مع ألمه. وتبلغ صورة البطل أعلى تجلياتها في النجومية، فالنجم يُصنع كتمثيل أعلى للنظام، ويتم الإجهاز عليه متى لم يعد قادراً على الوفاء بـ”التزاماته” تجاه النظام. هكذا تصف بريسيلا بيولو بريسلي حياتها مع ألفيس: “في أشكال عديدة كان ضحيةً دمرها الناس الذين زوّدوه بكل حاجة ومطلب. وكان أيضاً ضحية لصورته الخاصة. أراده جمهوره أن يكون مثالياً، في حين ضخّمت الصحافة عيوبه من دون شفقة. لم تسنح له الفرصة أبداً كي يصبح إنسانياً”. فالبطل، بوصفه نصف إله ونصف إنسان، ينقسم بين الجسد والعقل في الصدمة، وكي يبقى بطلاً لا يُسمح له بأن يوحّد الجسد مع العقل، وأن يشفى، وأن يصبح إنساناً بالكامل. تلك هي الصدمة الحقيقية في أنماط العنف.

يكشف علم النفس عن عمق الفصامات التي تصيب الذكر، بدءاً من إقصائه عن الأمومة، وهذه الفصامات الكامنة في اللاوعي تتحدد بالفروق الفردية الخاصة بالتربية، لكنها من جانب أعمق تخضع للشرط الثقافي المهيمِن، وهو أبعد ما يكون عن الانسجام، بل إن ك.غ. يونغ يصرّح بوضوح: إني فاقد الإيمان بإمكانية تنظيم العالم على العقل. وليس من باب المصادفة أن ينهل علم النفس من الفن والأدب، فقد كانت النصوص الأدبية، بوصفها أقل صرامة من وجهة النظر العقلانية، مطرحاً لتمرير صورة الذكر المأزوم والمهزوم، وقد فضح البعض من هذه النصوص التوق الدفين إلى الوحدة مع العالم، وإلى الفردوس المفقود الذي عنى في أغلب الأحيان العودةَ إلى الرحم.

وقد قَبِل النظام البطريركي بهذه النصوص بعدّها تناذراً غير عقلاني لحضارة الذكر، وإذا تراجعت الفكرة “العامّية”، عن جنون الفنانين والأدباء، فهذا لا يعني القبول بالفن والأدب بوصفهما معرفة/عقلاً، فالأرجح هو طرد النص الأدبي والفني إلى موقع مجاور للأنوثة، أي إلى موطن الضعف والأحاسيس، مع عدم الاعتراف بالأحاسيس كطرق للوعي، وأكثر من هذا فإن القيمة العليا في النظام ليست لوعي العالم والذات، بل للسيطرة على الاثنين.

ومن جانب آخر اكتسب النظام البطريركي المراوغة الكافية لامتصاص النصوص المضادة، واستثمارها بتحويلها إلى موضة، ومن ثم إدماجها ثانية في النظام. وهذا ما نراه في التعامل مع الجسد الإنساني، فحيث لم يعد ممكناً حجب وكبت الجسد الإنساني، كما كان يحدث من قبل، تدخل النظام لاستثمار الجسد والجنس، وتنميطهما في الوقت ذاته. ولعل أفلام الجنس تجسّد هذه الآلية، فيٌختزَل الرجل إلى فحل، ومن ثم إلى قضيب. وإذا كُتب الكثير عن تصوير المرأة كمهووسة بالقضيب، فإنه قلّما أُشيرَ إلى إهمال جسد الرجل ككل، وإخراجه من موضع الإثارة، وتركيز الكاميرا على القضيب، مع ما يمثّل ذلك من مهانة للمرأة والرجل.

يذهب إريك فروم إلى أن العصر الإلكتروني/التقني أضاف فصاماً جديداً للإنسان المعاصر هو فصل الإنسان عن الطبيعة، إذ باتت هذه العلاقة محكومة بثنائية السيطرة/الخضوع. وفي أعلى فصاماته يمكن وصف إنسان العصر بأنه إنسان الوحشة، بتعبير حنه أرندت، وهو إنسان النظام، الذي يستنتج فكرة من فكرة، لا من تواصله واتحاده مع العالم. وبالعودة إلى الوراء نستطيع أن نلاحظ تناسب العنف مع امتلاك الأدوات، ولا نعني بذلك الأدوات الفتاكة فقط، بل حتى المعنى البسيط للأدوات والعقل المطابق لذلك. فالواقع أن العنف بدأ مع عصور الزراعة الأولى، وربما كان إنسان ما قبل التاريخ هو الوحيد الذي لم يعرف العنف، لأن الفصامات بدأت مع تراتبية الديانات الزراعية الأولى، أي مع ثنائية السيطرة/الخضوع في العصر الأمومي، وسيكون من شأن لغة العصر البطريركي أن تبرع في إنتاج الثنائيات/الفصامات المولِّدة للعنف باستمرار.

وهذه الفصامات هي سمة الذات المعاصرة المتصدعة، والتي تعيد توليد الصدمة والتصدع عبر مجمل الأنماط الثقافية. وتنحو الذات الفصامية إلى تغليب أجزاء منها على الأجزاء الأخرى في تمثّل للنمط السائد، لكي تبقى مرغوبة اجتماعياً. ولأنها ذات ملآى بالتناقض فهي ذات مولِّدة للعنف، وعاجزة عن مقاربة الآخر عبر خطاب رمزي وبدني مشترك، وبالمعنى اللغوي إنها تحوّلُ المجازَ إلى أسر للمعنى، بدلاً من أن يكون جسراً بين معنيين مختلفين ومتعايشين.

لقد قدّمت الكتابات النسوية المعاصرة تحليلات معمّقة عن العنف ضد المرأة، سواء على المستوى الجسدي أو على مستوى الثقافة المولِّدة للعنف. وتتأتى أهمية كتاب “الأنماط الثقافية للعنف” لباربرا ويتمر من تحليلها لتأثير الثقافة المهيمِنة على الطرف المهيمِن أيضاً، فعلاقة التملك “السيطرة/الخضوع” تستلب طرفيها. وفي المحصلة فإن المؤسسة الثقافية المهيمنة تمارس العنف ضد محاولات التغيير، سواء أتت من الأنثى أو الذكر، ولهذا تتساءل ويتمر، وتجيب: ” أين ترسل الثقافة أبطالها الساقطين؟ بالنسبة إلى النساء، إلى المؤسسات العقلية. وبالنسبة إلى الرجال، إلى المؤسسات الجزائية. إن هذا بالنسبة للثقافة المميزة بانفصام العقل/الجسد، وديناميكية تحكم السيطرة/الخضوع، يعني وسيلة سيطرة معكوسة متمأسسة لكل مبخوس قيمة في الجنسين: العقل بالنسبة إلى النساء، والجسد بالنسبة إلى الرجال”.

*”الأنماط الثقافية للعنف” تأليف: باربرا ويتمر. ترجمة: د.ممدوح يوسف عمران. سلسلة عالم المعرفة- العدد337 مارس2007- الكويت

*”تشريح التدميرية البشرية” تأليف إريك فروم. ترجمة: محمود منقذ الهاشمي. وزارة الثقافة السورية2006

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق