العيب” كسمة للاستقرار، و”الحرام” كابن للتحولات الكبرى

أنكون نحن آخر جيل تربّى على مفهوم “العيب”؟ قد يحمل هذا السؤال في طيّاته بعضاً من الراحة، إذا ما تذكّرنا كم كانت كلمة العيب سيفاً مسلطاً على أفعالنا ونحن صغار، بحيث كان علينا أن نشعر بالخزي من أفعال نقترفها بطيش الصغار، وبإحساسهم البريء بالحرية. الكلمة التي كانت تنافس “العيب” هي “الحرام”، والحقّ إنها تعلو عليها، فالأخيرة ليست بالسيف المسلط، إنها سيف باتر، وإذا تسببت كلمة العيب بالعار، فكلمة الحرام تسببت بذلك الخوف الكلي والإرهاب الشامل. الحرام، كما يعرف الذين تربوا في أوساط متزمتة، لا يعني التقريع المؤقت، بل يعني النبذ إلى الطرف المرذول تماماً.

نستطيع القول إن “العيب” هو من سمات مجتمع تقليدي متبنين، وهو مفهوم نسبي، قد يختلف بين مدينة وأخرى، أو حتى بين حيّ وآخر، وبالطبع بين المدينة والريف. “العيب” هو مجافاة الأعراف الناظمة للسلوك في مجتمع معين، وهذا يتطلب مجموعة من العلاقات التراتبية المناط بها أن تحافظ على منظومتها، وأن تدع للزمن البطيء، عبر توالي الأجيال، مهمةَ زحزحة الأعراف المتفق عليها. قد يبدو هذا ما دون المعاصرة، لجهة أن القوانين هي التي يجب أن تنظم العلاقات الاجتماعية، وتؤطر الحقوق والواجبات، لكن المسألتين الاجتماعية والأخلاقية لا تتماهيان بالقانون كليةً، وإن كانتا تقتربان منه أكثر في المجتمعات المدينية المعاصرة، ونعني تحديداً المجتمعات التي أنجزت النقلة الحداثية لجهة تأصيل حقوق الفرد. ومع هذا لم تتخلص أرياف تلك المجتمعات نهائياً من سطوة العُرف، وإن لم يعد يتمتع بقوة الإكراه. ويٌلاحَظ أن العرف يرتبط هناك ببقاء حدّ من التماسك الأسري يفوق مثيله المديني، ما قد يدفع إلى الاعتقاد بأن الروابط العائلية، في مجتمع صغير مكشوف، تنحو إلى المحافظة.

ومن جهة أخرى يبدو العيب ابناً لثقافة الواجب، في بيئة تركّز على ما يجب فعله، أكثر مما تعترف بما يحقّ فعله. كما أن التراتبية التي ينبني عليها العيب تدحض الفردانية لصالح المحافظة على قيم الجماعة. والمفارقة التي نجدها في هذه المجتمعات تتجلى في أن العيب هو ما لا يجب حدوثه، لكنه يحدث عبر الحياة السرية للأفراد. وبسبب ضيق هذه المجتمعات فإن الازدواجية تكاد تكون مكشوفة، وبحيث لا يأتي الحرج من اقتراف فعل ما، بقدر ما يأتي من إشهار هذا الفعل. ولا نعدم وجود حالات متعينة من “العيب”، تجسدها غالباً النساء بما أنهن يدفعن دائماً الضريبة الأكبر، ومع هذا فإن الحالات المنبوذة تكون بمثابة قناة تصريف خلفية لـ”آثام” الآخرين، لذا تحظى بقبول مضمر منهم. وعلى الصعيد ذاته فإن المثال المتعين يؤدي غاية تأديبية، كدلالة ملموسة على العقاب الاجتماعي المنتَظَر.

يشير تراجع مفهوم العيب في المجتمعات العربية إلى كثافة الارتحالات فيها، وترجع هذه النقلة إلى حوالي نصف قرن مضى، أما آثارها فهي ملموسة الآن أكثر، إن لم تكن متزايدة باضطراد. وأول ما نلاحظه في هذا الصدد أن المدينة العربية لم تكن في طور الاستعداد لتلقي هجرات الريف الكثيفة، ما أدى إلى زعزعة الاستقرار القيَمي فيها. كما أن المدينة العربية لم تكن قد أنجزت النقلة الحداثية، باتجاه أن تصبح مركزاً لحرية فردية تضبطها القوانين المعاصرة، بل كانت على الصعيد القيمي الاجتماعي أشبه بقرية كبرى، أو مجموعة من القرى المتلاصقة أحياناً، مع تحضّر أكبر في نمط العيش. كانت ثمة نواة مدينية لم تسعفها التطورات المتلاحقة بالتحول أو التبنين، ما جعل “ترييفها” سهلاً وسريعاً، ومن الضروري هنا استخدام تعبير “الترييف” بشيء من الحذر، فالواقع أن الريفيين لم ينقلوا معهم منظوماتهم إلى المدينة. لقد حطم هؤلاء استقرار المدن وسلّمها القيمي، لكنهم أيضاً تخلوا عن نواظمهم الاجتماعية السابقة.

بدوره أدى تصدع الطبقات التقليدية إلى حراك اجتماعي عنيف، سواء عبر الفورة النفطية في بعض البلدان العربية، أو عبر الانقلابات العسكرية في بعضها الآخر، فشاعت “أخلاقيات” محدثي النعمة التي لا تحكمها ضوابط. وقد أدى هذا الحراك إلى ارتحالات إضافية ضمن المدن نفسها، وعلى العموم فإن طابع المدن قد انقلب كلياً عما كان قبل حوالي نصف قرن. وألقت هذه التحولات بآثارها على العمارة، حيث يمكننا أن نصف المدن العربية بغالبيتها العظمى بأنها مدن محدثة عمرانياً وسكانياً، سمتها الغالبة هي الاكتظاظ. ومن المعلوم أن الاكتظاظ يخلق حقلاً حسّياً مشتركاً وشديد الكثافة أحياناً، فهو يؤدي إلى الاصطدام القسري بخصوصيات الآخرين، كما أنه يؤدي إلى إجبار المرء على تعريض خصوصياته إلى الكشف، وحتى الهتك أحياناً. لقد استلهمت المدينة العربية، وأريافها لاحقاً، نمط العمارة الحديث الذي يتسم بضيق المساحات نسبياً، مع المحافظة على أخلاقيات الحشمة التقليدية. تحتاج الحشمة التقليدية إلى جدران سميكة، وإلى القدرة على عزل الجنسين، أي إلى مساحة تناسب الحجم الكبير للمخفي والمكبوت، وهذا ما لا توفّره المدينة الحديثة لا بأنماط سكنها، ولا بحجم ما تتيحه من الإثارة والتحريض المستمر للرغبات. وما يحدث هنا هو أن الحشمة تتحول غالباً إلى ردّ فعل وقائي تجاه كل ما هو مكشوف، ولهذا تنزع إلى أن تصبح أكثر تطرفاً، وأقلّ استقراراً.

بالتزامن مع التحولات الداخلية السابقة ابتدأت المجتمعات العربية تكتشف الحداثة بشكل جدّي، من خلال وسائل الاتصال التي تطورت كثيراً في الفترة ذاتها، وأصبحت أسئلة العصر برسم الشخصية العربية أكثر من أي وقت مضى. وفي الواقع لم يقرر العرب دخول العصر، بل باتوا مكرهين على ذلك بحكم التحولات الجارية في العالم، ولم يكونوا مستعدين لتقبّل قيم الحداثة، ولذلك بإمكاننا أن نصف هذه المرحلة بأنها مرحلة “اضطراب اهتداء قيمي”، حيث لا أعراف، ولا قوانين تنظم الحقوق والواجبات، ما أخلى الساحة للتحريم، فأصبح الحرام والحلال هما المعيار الأخلاقي المعمم، بدلاً من أن يبقيا في حيز الإيمان الشخصي.

قد يُردّ على الكلام السابق بأن الإسلام لا يقتصر على العبادات، فله جانبه الأخلاقي، وتعاليمه المدنية. وهذا صحيح، فالجانب الأخلاقي لم يكن غائباً عن الأديان كلها، والأخلاقيات العامة في الديانات التوحيدية تتفرع كلها من الوصايا العشر، أما التشريع الإسلامي فهو مسألة حقوقية تُناقش خارج هذا الإطار. وبالعودة إلى المسألة الأخلاقية فإن الإسلام لم يكن أكثر تدخلاً في القضايا التفصيلية مما هو عليه اليوم. وكثير من التعاليم المتشددة التي نسمع بها الآن كانت تدخل في اختصاص الأعراف ومفاهيم العيب، التي هي بطبيعتها نسبية وتختلف من مكان إلى آخر، من هنا فإن انسحاب مفهوم العيب، لصالح مفهوم الحرام، لا يعبّر عن يقظة إسلامية فكرية، أو وعي الذات الإسلامية لذاتها، وهو أقرب إلى تجلي الذات المأزومة وهي تتشبث بالحدّ الأخير الذي تعتقد أنه يصونها. وبعبارة أخرى يتجلى الحرام كرادع أقوى، وربما وحيد، يمنع النفس عن ارتكاب الأفعال التي تزينها لها رغباتها. ما يزدهر اليوم ليس التدين بالمعنى الإيماني للكلمة، فالمسألة الإيمانية الفردية هي آخر ما يُناقش. ما يحدث هو دمج الأخلاق بالدين، بحيث تفقد الأخلاق نسبيتها ومرونتها، وتغادر ساحتها العامة فتصبح حكراً على المتدينين. على سبيل المثال: المرأة السافرة تصبح حتماً كافرة، وبالتالي لا أخلاق لها، والتعبير الملطَّف “عاهرة”.

وفيما يخص “الصحوة الإسلامية” فمن الملاحظ أن الدراسات الإسلامية المعمقة بقيت أسيرة النخب، أما الطبعة الشعبية من “الصحوة”، والتي تهمنا في هذا الصدد، فهي لا تُعنى بالأصول الفكرية حتى، وقانونها العام “كل ما ليس حلالاً فهو حرام”. وللتدين الشعبي شيوخه، وهم أكبر تأثيراً من المفكّرين الإسلاميين، لأنهم هم الذين يُستَفتون في قضايا العيش التفصيلية، ولأن هؤلاء الشيوخ يمتازون غالباً بالضحالة الفكرية، فتجارتهم الرابحة، وضمانة سلطتهم، هي تحريم كل ما لا يعرفون. أما المشترَك بين النخب الإسلامية والعموم فهو النظر إلى الإسلام كتعريف للذات، وبما أن تعريف الذات هنا يتركّز على أنها مقلوب الآخر فهذا يتطلب التأكيد على تمايزها، وعلى كافة المستويات، بدءاً من اللباس، وانتهاء بتحريم كل ما أنتجته ثقافة الآخر الحداثية. وتأخذ طقوس التأكيد على الهوية مكانة كبرى تفوق مكانة العبادات، ولأن الدين لا يكفي كمبرر وحيد للتمايز عن الآخر اللاديني “الغرب” تتم إعادة إنتاج الدين بوصفه أخلاقاً، على قياس المثال الذي تمت الإشارة إليه بخصوص المرأة السافرة. وهكذا فالتحريم والتكفير متلازمان، وإن عمل أحدهما على المستوى الاجتماعي وانصرف الآخر إلى المستوى السياسي.

كثير مما كان يُعدّ عيباً صار يُعدّ حراماً، وبدأ التحريم يتسلل إلى تفاصيل لم تكن تدخل سابقاً لا في العيب ولا الحرام، وهذا التوجّه يزيد من أزمة الذات، فالمُتاح يتزايد باستمرار، والدين يصبح أداة لتعاظم الغربة عن العالم، بدلاً من أن يكون وسيلة لوعيه. قد تتشارك ثقافتي العيب والحرام في أن الناس ينزعون إلى تلبية حاجاتهم، ولو سرّاً، وبالتالي فإن الازدواجية الفردية والمجتمعية تبقى قائمة، لكن ما يميز ثقافة التحريم هو أن الازدواجية أقسى على الصعيد النفسي الفردي، وأكثر إنتاجاً للعُصابات، فمَنْ يحرّم على نفسه الحرية والمتع لن يتفهّم أن يفعل الآخرون ما لا يجرؤ هو على فعله، ومثلما يمارس العدوان على نفسه، بإقصائها عن رغباتها، فهو مستعدّ لممارسة العدوان على الآخرين، على أن نفهم العدوان على الآخر لا كوسيلة لـ”تطهير” المجتمع وحسب، بل إنه أولاً وسيلة لتطهير الذات. في هذا السياق يتمّ تعميم فكرة عن يوتوبيا لم تكن موجودة إطلاقاً، لأنها ببساطة غير إنسانية، بمعنى أنها لا تتفق مع الحاجات الطبيعية للإنسان، وما يحدث أن تجريد الناس من حقهم في ارتكاب “الأخطاء” و”الحماقات” يقتلعهم من الشرط اللازم لإنسانيتهم.

قد يعطينا التاريخ أمثولة عن أن التحولات الكبرى شهدت ممانعة عنيفة، ومحاكم التفتيش في أوربا خير دليل على تشبث القوى الممانعة بمواقعها، ولو أدى ذلك إلى استخدام أبشع الوسائل، أي أن التحولات الكبرى بطبيعتها لا تمرّ بيسر، وتتطلب ثمناً باهظاً. وفي الجانب المتفائل نرى قسوة الصراع إيذاناً بأن القوى المحافظة تخوض معركتها الأخيرة، لذا فهي تستميت، وتُميت، دفاعاً عن هيمنتها، مدركةً أن هذه فرصتها الأخيرة في البقاء. وفي الجانب المتفائل أيضاً لقد سجّل التاريخ أغلب الأحيان انتصار قوى التغيير، لكن علينا أن نرى هذا الانتصار بالمعنى الشامل للبشرية، إذ سجّل التاريخ أيضاً عصور ظلمات طويلة في مختلف المناطق الجغرافية، كما سجّل انقراض حضارات بأكملها، فلا يمكننا التعويل على تطور خطي لمجتمع معين، وتذبذب مسيرة التحديث العربية خلال قرن يقدم المثال. ومن ذلك أن البشارة التي بدأنا بها، عن أننا آخر جيل تربّى على مفهوم العيب، يتبعها نذير بأننا انتقلنا إلى ما هو أسوأ، وبأننا قد لا نشهد نهاية لمفهوم التحريم… على الأقل لا يبدو هذا قريباً منا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق