العَلمانيَّةُ ليست ضدَّ الدين / زليخة أبوريشة

يسوِّق جناحٌ من الفكر العربي المعاصر، وهو الإسلاميُّ تحديداً، تهمةً للعَلمانيَّةِ هي أنَّها ضدَّ الدين، ومعاديةٌ له. وهي تهمةٌ كبيرةٌ أزعمُ أن لاأساس لها من الصحَّةِ. وإذا كان الغربُ قد نادى بفصل الدين عن الدَّولة بعد طغيان الكنيسة وضُلوعها في الحكم الدنيويّ، فإنَّ عَلمانيَّته التي حكمت حياته المدنية ونظامه السياسيَّ لم تنادِ يوماً بمحاربة المسيحيَّة، ناهيك عن القضاء عليها!! ولم تشهد بلدانه معاداةً للكنائس التي ظلت تُبنى وتزدهر، كمَعلَمِ هامٍّ في حياته الثقافية والاجتماعية. كما لم تشهد – بعد استتباب العَلمانية- تناحراً حول دور الكنيسة في صقل حسِّ المواطنةِ لدى المؤمنات والمؤمنين، ولا في أنَّها حَرَمٌ لازدهارِ الحياة الروحية، وتوثُّق العلاقات بين الرعايا، مما هو الدور المفترَض للمسجدِ عندنا أيضاً. ذلك أن العَلمانيَّة الغربية – وهي بنت البيئة الرأسمالية، ولاعلاقة لها بالنظام الاشتراكي الذي عادى الدين- تنادي بحرية المعتقَدِ (بفتح القاف المعجمة) وبحرية المعتقِد (بكسر القاف المعجمة)؛ وهما حريتان كفلتهما الدساتير الغربية، وعنها انبثقت وثيقة حقوق الإنسان العالمية. بل إن واحدة من أهم بلدان الغرب (بريطانيا) تقف ملكتها على رأس الكنيسة. مما يعني اعتباراً جوهرياً للدين، وتسيُّداً لمعناهُ في روح الحكم.

ليست العَلمانيَّة فصلاً للدين عن الدولة والحكم فحسب.. مثلما إنها ليست فصلاً للدين عن حياة الأفراد على الإطلاق؛ فهي اقتراح بشريٌّ لإدارة شؤون الدنيا ومؤسساتهاالسياسية والإدارية وغيرها (التي قال عنها نبيُّنا الكريم : “أنتم أعلم بشؤونِ دنياكم”) دون تدخُّلِ رجال الدين ونظامهم الكهنوتي. وإذا كان يستطيع المرء والمرأة – بناءً عليه – أن يمارسا تفسيرهما الخاص للدين، كما “المُنبَتِّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقَى” ومن ذلك العبادات والحجابُ وإطلاق اللحية والجلبابُ – فاض على الأرض أم قصر فوق الكعب – والدشداشة والشالوخ …. وغيرها، فلهما ذلك، لايعترض عليهما معترض ما داما يؤديان واجباتهما، ولا يخرقان القانون. إلا أنه ليس باستطاعتهما أن يحكما بذلك على الناسِ، أو يناديا بقصاص من تخالف أو يخالف، كما في بعض الدول القريبة.

العَلمانية تقولُ لك: لك الحرية أن يكون الدين منهجك الشخصيَّ، ودليل حياتك اليومي. بل لك أن تدعو/ي الناس إليه (أي أن مهمة الوعظ والإرشاد مكفولة لك ولسواك).. ولكن ليس لك أن تفرض ذلك على الناس. إن فرضَ دِينٍ بعينِه ووحيدٍ في دولة ما، وهو ما يشبه فرض عرق واحد (إسرائيل والتطهير العِرقي والديني، وإيران وتطهيرها من البهائية)، إنما هو إعمالٌ لديكتاتورية المُعتَقَدِ وديكتاتورية الجماعة من جهة، وإيمان بمشروعية القمع، الذي يتمُّ باسم القانون لفرض حجاب المرأة – وماأسهل ذلك حقاً !!- ، حجاب يمنعها حتى من ممارسة أبسط حقوقها المدنية، كسياقة السيارة مثلاً، وعزلها عن الحياة العامة (مثل الفتوى الكويتية بتكفير من تنتخب أو ينتخب امرأة)، ولفرض الصلاة في أوقاتها، بحيث تتحوَّل الشريعة الرحيمة بالناس (“وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”) إلى سوط يومي على ظهور العباد.

وفي حين أن الدين الإسلامي – مثلاً – قد جاء رحمة للناس، خلت المقترحاتُ الفكرية والعملية المعاصرة لدمج الدين بالدولة من هذه الرحمة؛ إذ صوَّرت الشَّريعةَ غولاً يريد أن يفتك بعنق المخالِفات قبلَ المخالِفين.. مبددةً – بعنَتٍ مابعده عَنَتٌ – تلك النَّبرة الإلهية التي تجعل من الدين ضميراً، وعلاقةً خاصةً ورهيفةً بين المرأة والمرء وربِّهما.

إنَّه من أسهل الأمور أن تتحوَّل الأطروحة الفكريةُ – مهما كانت في أصلها ساميةً – إلى جعجعةٍ أيدولوجية جوفاء – بطبيعة الحال -، مادام مُجَعْجِعوها يتقدُ في أحشائهم ضِرامُ السَّلطةِ، ولا يهمُّهم، مع ذلك وبعدَ ذلك، أن يتوسلوا إليها – السُّلطة – بأكثر الطرقِ همجيَّةً، أعني القتل المعنوي يتلوه القتل الجسدي؛ مقدمين بذلك أمثولة وفرصة ذهبية للعالم المتربِّصِ للصق الإرهاب بالإسلام.

إنَّ هذا النضال لتطبيق الشريعة الإسلامية، والملتبس بأشكال العنف اللفظي والفكريِّ والإرهاب الماديِّ، لهو نفخةٌ شريرة طارئة في حياتنا العربية الحديثة. وليس من نجاة منها ما لم تتواضع العربُ على أن يعود الدِّين إلى نقائه الأوَّل ودوره في حياة الفردِ وبناء الضميرين: الشخصي والجمعي. وإبعاد الدِّين عن مستنقعِ السياسة الملوَّث بالأهواءِ والخديعة. فلن يكون الإسلام سعيداً لأن يُزجَّ به في هذا المعتَرَك، إذ إن أخطاءَ أهلِ الحكم ستُقرَأُ عندئذٍ – ما دمنا في قرية كونيَّة – على أنها أخطاءُ الإسلام – والعياذُ بالله -.

عن جريدة الغد الأردنية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق