الغرب والله واينشتاين

حوار بين كلود آليغر عالم كيمياء الأرض واللاأدري الاتجاه ووزير التعليم العالي سابقا في فرنسا ومواطنه جان روبيرت-أرموغات، المؤرخ والقس الكاثوليكي. 

 لماذا كل هذا النزاع بين العلم والمسيحية في مسألة أصل الكون والإنسان؟  

كلود آليغر: أودّ أن أفصح عن رأي ربما سيكون عنيفا. أعتقد أن التوراة ستدخل رأسا في تناقض وصراع مع العلم إن لم تؤخذ مأخذ الاستعارة. سآخذ مثالا في مجال عزيز على قلبي كثيرا: لقد أثبت علم كيمياء الأرض بدقة صارمة تاريخ تكوّن الأرض إذ عيّنه ما بين 5،4 و4،4 مليار سنة مضت. ماذا ينبغي أن نفعل في هذه الظروف أمام نص يرى أن الأرض قد خلقت منذ 4000 سنة فقط قبل عصرنا. لا مخرج إلا إذا اعتبرنا أنّ كلّ سنة توراتية تعادل في الواقع -وبشكل مجازيّ- مليون سنة من سنواتنا؟

 جان روبيرت-أرموغات: أنا متفق معك إلا في تفصيل معين : قراءة التوراة ليست مجازية وإنما هي رمزية، وذلك أمر مختلف. 

 كلود آليغر: ليكن! 

جان روبيرت-أرموغات: لم يبدأ أخذ رواية الخلق المقترحة في “سفر التكوين” بالمعنى الحرفيّ إلا في مرحلة تاريخية متـأخرة جدا: منذ القرن الرابع الميلادي كان أوغسطين واعيا بالحدود الشكلية لمثل هذا الخطاب والصعوبات التي يمكن أن تنجرّ عنه. وبدل التسليم بهذا الرأي، وضع على عاتقه تقديم تأويل رمزي أو أخلاقي للرواية. ولكنّ كلّ شيء تغيّر في القرن السادس عشر، قرن الإصلاحات الدينية. حينما دعت البروتستانتية إلى عودة المؤمنين إلى النص المقدس وشدّدت على أهمية القراءة الحرفية للتوراة. وهكذا وجد الكاثوليك أنفسهم في ورطة! وبدل أن يتركوا لمنافسهم الاستئثار بالحديث عن التوراة، دخلوا في المنافسة: وراحوا هم أيضا يأخذون بحرفية النص المقدس، بينما في نفس ذلك القرن كان علم الفلك يعرف تطوّرات كبيرة مع كوبرنيكوس ثم كيبلر وغاليليو، ويُستبدل النموذج المركزي الأرضي العزيز على الكنيسة بالنموذج الشمسي المركزي. وهكذا، ففي الوقت الذي يقلع فيه العلم، يعرف الدين تقهقرا أكيدا. وهذا التقاطع هو الذي يفسّر عنف الصدام بين العلم والدين كما تبيّن بطبيعة الحال محاكمة غاليليو.

 

كلود آليغر: سعيد أن تذكر ذلك إذ أنني أعرف غاليليو جيدا. خصصت له كتابا وأحضّر في هذا الوقت بالذات نصا مسرحيا حول حياته. وما ينبغي التذكير به هو أنّ غاليليو نفسه كان مؤمنا بشكل عميق. واكتشاف قوانين الكون كان بالنسبة له وسيلة للتقرب من الله. وبهذا المعنى فلم يكن يطبّق سوى تعاليم توما الاكويني التي مفادها أن العقل والملاحظة يسمحان بالوصول إلى الله. والبابا أوربانيوس الثامن نفسه استقبل غاليليو سبع مرات على الأقل وأظن أنه انتهى إلى الاعتقاد بأنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. كان فقط يرغب أن لا يتم إعلان اكتشاف كهذا من طرف رجل عالم وإنما من الكنيسة نفسها. ولم يكن يرغب في الحكم على غاليليو لو لم يقف في وجهه أعيان الكنيسة الكاثوليكية الذين كانوا يحيطون به. من جهة أخرى فقد عيّن ابن أخيه رئيسا للمحكمة وكان طالبا سابقا في علم الفلك إلا أنّ الكنيسة كانت تشتغل كالمكتب السياسي السوفييتي الذي يفرض على المحكمة قانونه. 

جان روبيرت-أرموغات: بالفعل لقد اضطرّ أوربان الثامن الذي كان ينتمي إلى وسط متنوّر إلى الرضوخ أمام أغلبية الأحبار التي كانت تلومه على رخاوته تجاه الهراطقة وكذلك على حبّه ومناصرته للفرنسيين.

 كلود آليغر: بالضبط..لقد ضحّى بصديقه لإظهار صرامته. وكانت الإدانة سياسية أكثر مما كانت فكرية. يبدو لي أننا متفقان بشأن غاليليو ولكنني أعود إلى مثالي الأولي: هل يثير لديك عمر الأرض الذي توصل إليه العلماء مشكلة؟ 

 

جان روبيرت-أرموغات: هذا لا يزعجني لا سيما وأن الكنيسة قد تخلّت تدريجيا وابتداء من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن الفكرة القائلة بأن الأرض قد خُلقت منذ 6000 سنة. لقد قبل رجال الدين أن أصل الأرض يعود في الواقع إلى عدة ملايين من السنين، كما أن أغلب الطوائف قد وافقت على هذا التأريخ دون معارضة. 

كلود آليغر: بالمقابل لم تتوصل الكنائس البروتستانتية في الولايات المتحدة وعلى الخصوص الباتيستية (المعدانية) منها إلى قبول الأمر بعد. لقد طرد أحد زملائي ، جورج ويذريل من كنيسته، لأنه رفض أن يُكذّب رسميا عمر الأرض الذي حدده علم كيمياء الأرض. ونفس الشيء حينما عيّن كلير باترسون عمر الأرض 4،55 مليار سنة، خرج الناس في مظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية ضده وتم قذفه بالبيض الفاسد! حسنا! أوّد أن أوافقك في أنّ الكاثوليك لم يتمادوا في الدفاع عن كرونولوجيتهم القصيرة فيما يخص تاريخ الأرض. بيد أنه حينما شرح مؤسس علم كيمياء الأرض الحديث السكوتلندي جيمس هوتن في القرن الثامن عشر أن الجبال قد تكونت عن طريق رواسب جاءت من داخل الأرض، وتآكلت بفعل الأمطار. وإذن وبكلمات أخرى فإنّ الخلق يأتي من مركز الأرض، مكان جهنم المفترض وهو هدمٌ للسماء. وهذا صدم الكنيسة وأغضبها كثيرا. جان روبيرت-أرموغات: كان النقاش حماسيا عاطفيا في تلك المرحلة خصوصا. لأن ما يعرف بالنظرية “الكارثاتية” كان هو المسيطر إلى ذلك الحين وحتى بين الجماعات العلمية ذاتها. وهي نظرية تقول بأن الأرض قد تم تشكيلها تحت الماء أُثناء الطوفان. ولكن ومرّة أخرى لم يعد النظر جذريا في نظرية الكارثة رغم التقدم الذي تدل عليه اكتشافات علم طبقات الأرض الحديث. لا تقع جهنم في مركز الأرض إذ هي ليست مكانا بمعنى الكلمة، هي مجمع أرواح. هناك رمزية تاريخية مفادها أن الأعلى كان دائما الأحسن والأسفل دائما هو المفجع. مثلما كان يعتبر اليمين إيجابيا واليسار مهلكة – لا ينبغي سحب ذلك على المجال السياسي!– لم تدّع السلطة العقائدية للكنيسة المسيحية مع توما الاكويني أبدا تحديد جهنم أو الجنة في أمكنة مادية. 

كلود آليغر: إذن و للعودة إلى سؤالنا المركزي، ينبغي قراءة سفر التكوين قراءة رمزية؟ 

جان روبيرت-أرموغات: هي بالفعل واحدة من بين القراءات التي يمكن أن نقوم بها إذا ما اتبعنا مذهب اللاهوت المدرسي للمعاني الأربعة للنص المقدس والذي يشدد على أهمية التأويل الروحي والأخلاقي إلى جانب القراءة الحرفية. ولكن لكي أدافع عن التوراة قليلا أودّ قلب معنى النقاش أشير إلى أن المخيال التوراتي في رأيي غير غريب عن التطور العلمي الذي شهده تاريخ الغرب ابتداء من عصر النهضة. فالإيمان بخالق وضع قوانين الطبيعة، والتفكير في طبيعة المسيح المزدوجة، ومن هنا حول الطبيعة الإنسانية.. كل هذا ساهم في تحديد تصاميم عقلية وأنسقة ساهمت جزئيا في تحديد عمل رجال العلم. 

 كلود آليغر: أنت على حقّ. لقد قال اينشتاين : “إنه لمن الحظ أن يولد العلم في الغرب”. ومن ناحيتي فأنا على يقين بأن الأمر لم يكن ضربة حظ: إذا كان العلم قد ولد في الغرب فذلك بفضل حضور الكنيسة الكاثوليكية. بإنشائها للجامعات – بمعنى تجميع عدة كليات، وحيث تدرس عدة اختصاصات – سمحت الكنيسة للفكر أن ينتشر. بكلمات مختصرة لقد تم طرح الأسئلة. وسقراط الذي اختير ليكون أساسا فكريا للكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى هو الذي أرسى قواعد المنهج التجريبي حتى وإن لم تكن له الوسائل للوصول إلى استنتاجات دقيقة. ولكن كي أقوم بخطوة نحوك، ينبغي أن أقول ولو أنني أنتمي كليا إلى اللأدرية، أننا يمكن أن نبرّر الإيمان بحجج علمية. تبدو القوانين الطبيعية موضوعة بطريقة جيدة للغاية إلى درجة يمكن أن أفهم القول الذي يرى استحالة وجودها عن طريق الصدفة. وهو ما اعتقده اينشتاين وهو المؤمن حينما قال: “إن الله لا يلعب النرد” وهو الدليل على أن الدين والعلم يمكن أن يتعايشا حتى في الأدمغة الأكثر تألقا. ولكن من الضروري أن يترك الدينُ العلمَ يتصرف بكل حرية. 

جان روبيرت-أرموغات: لا أعتقد أنا أيضا أن المواجهة بين العلم والدين قدر محتم. فلا تعدو أزمات القرن السابع عشر التي ذكرنا ثم ما تلاها بعد ذلك مما هو متعلق باكتشافات داروين أن تكون سوى طوارئ تاريخية في نظري. والتعارض بين العلم والدين ليس جوهريا. ولكن هناك أوقات أزمة وهناك أوقات كانت مثمرة ومُخَلِّصة سمحت في النهاية للعلم والدين أن يفهما بأن ليس من مهمتهما الإجابة على مطلق الأسئلة. شخصيا يعزّز التطور العلمي قناعاتي الدينية. لقد رأيت دائما أنه ليس للكنيسة أن تخاف من الحقيقة وإلا كنت قد تركتها في الحال. 

 أجرى الحوار كارولين برون و شارل جيول

Caroline Brun & Charles Giol

Le Nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق