الغـرب متعـدد وليس واحدا

ارتفعت في الفترة الأخيرة بعض الأصوات في بعض الأقطار العربية، خاصّة في المغرب العربيّ، مطالبة القوى الاستعمارية بالاعتذار للشعوب التي استعمرتها، وبجبر الأضرار عمّا لحقها من ويلات أيّام الاحتلال، وقد تبنّت الدعوة الأحزاب العربية المجتمعة قبل أيام قليلة بمدينة دمشق.

وإذا قورنت هذه الدّعوة بالاعتذار الذي قدّمته ألمانيا لإسرائيل، وبالتعويض السخيّ عمّا اقترفه النظام النازيّ من جرائم ضدّ اليهود في الحرب العالمية الثانية، أو بمطالبة الاتحاد الأوروبي تركيا بالاعتذار عما ارتكبه الجيش التّركيّ من مجازر ضدّ الأرمن عام 1915، واعتباره أحد الشروط الأساسية للنظر في ملفّ الانضمام إلى الاتّحاد، فإنّها تصبح دعوة منطقية تدعمها تجارب دولية سابقة، دعوة جاءت وفاء لدماء الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل الاستقلال والتحرّر، ولكنّ ربط بعض النصوص الصادرة حولها بمسائل جزئية وظرفية، واستغلالها لمهاجمة قوى في الغرب عرفت بمقاومة اليمين الاستعماريّ والعنصريّ في بلدانها، وبمناصرة الشعوب المضطهدة جعلت الشكوك تحوم حول الدعوة، والمواطن العربي يتساءل عن أهدافها الحقيقية.

أودّ في هذا الصدد إبداء الملاحظات التالية إسهاما في الجدل الدائر حول هذه القضية النبيلة وكي لا تتحوّل إلى قميص عثمان:

{{أوّلا:}} عندما تطرح إشكالية دقيقة ومعقّدة مثل هذه القضية: الإرث الاستعماريّ والراهن العربيّ، لا بدّ من التساؤل: ما هي الظرفية السياسية التي طفت فيها فوق السطح هذه الأيام؟

لمّا تقدّم نوّاب اليمين الفرنسيّ بمشروع قانون يمجّد الاستعمار سنة 2005 لم نسمع يومئذ تنديدا شبيها بما نعيشه اليوم. ومن المعروف أنّ قوى الحرية والتقدّم في فرنسا هي التي أسقطت المشروع، وفي طليعتها نخبة اليسار الفرنسيّ، وبينهم عدد كبير من المؤرّخين.

{{ثانيا:}} إنّ الخطوة الأولى لمعالجة هذه القضايا هي تحديد المفاهيم، وتنزيل بروزها في مكانها وزمانها.

وإذا عدنا إلى سنوات الاستقلال الأولى نلاحظ بروز مفهوم “الاستعمار الجديد”، وبداية معركة تصفية الإرث الاستعماريّ، وفي مقدّمته القواعد العسكرية، ومحاولة تحرير الاقتصاد الوطنيّ من التبعية إلى المستعمر القديم، ثمّ اختفى هذا المفهوم، وسعت النظم السياسية بكلّ جهدها للتعاون مع السوق الأوروبية المشتركة، وعجزت في المستوى المغاربي على التنسيق فيما بينها، ليصبح هذا التعاون لفائدة البلدان الأوروبية، وقد أملت شروطها مستغلّة الفرقة بين النظم السياسية المغاربية، وتكرّر نفس السيناريو في المفاوضات من أجل إبرام عقود الشراكة مع الاتحاد الأوروبيّ، ولم يقف الأمر عند التعاون الاقتصاديّ، بل شمل التعاون الأمنيّ والعسكريّ، ليبلغ التعاون مع الحلف الأطلسي في نفس الوقت الذي يتزعّم فيه حلفا دوليا في بلد مسلم، أفغانستان، ويقوم بدور خفيّ في دعم الاستعمار بالعراق، ويفتح الباب على مصراعيه للتعاون العسكريّ مع إسرائيل.

ثمّ جاء الترحيب بإنشاء “الاتّحاد من أجل المتوسط”، ومن المعروف أنّه بعث لتحقيق أهداف ثلاثة:

· التزام دول الجنوب بحماية حدودها البحرية، واتّخاذ جميع الوسائل الصارمة للقضاء على ظاهرة زوارق الموت.

· التطبيع مع إسرائيل عبر بوّابة الاتحاد.

· التعاون الأمنيّ والعسكريّ لوأد كلّ حركة يشتبه أنّ لها علاقة بظاهرة الإرهاب.

والسؤال الذي يقفز أمام أعيننا هنا: أين نضع في هذا السياق المطالبة بالاعتذار وجبر الأضرار؟

إنّ دعوة المطالبة بالاعتذار دعوة حقّ دون ريب، ولكنها ولدت وهي تشكو من نقاط ضعف كثيرة، إذ سيطر عليها الخطاب الحماسيّ السياسويّ، ولم يدعمها الخطاب الرسميّ العربيّ حتى الآن، وممّا شكّك في موضوعيتها اقترانها في بعض الحالات بالتنديد بقوى وطنية في الداخل، وبقوى الحرّية والتقدّم في الغرب، وهي قوى عرفت في تاريخها الطويل بمقاومة الإيديولوجية الرأسمالية الاستعمارية، ومناصرة الشعوب المضطهدة، وقد لقيت نتيجة مواقفها الشجاعة عنتا شديدا من قوى اليمين المتطرّف في بلدانها، ويكفي التلميح هنا إلى مناهضة عدد كبير من النخبة المثقّفة الفرنسية للحرب الاستعمارية الفرنسية ضدّ الشعب الجزائريّ، وفي طليعتها الثنائي سارتر- بوفوار، وقد حاول اليمين الفرنسيّ تفجير مسكن سارتر، وقدّم عدد كبير منهم للمحكمة العسكرية بتهمة مساعدة العدوّ.

حذار إذن من الوقوع في فخّ حركات التطرّف الإسلامويّ، وحشر الغرب في جراب واحد، فالغرب متعدّد، وليس واحدا، تتصارع فيه منذ عصر الأنوار والثورة الفرنسية قوى اليمين الرأسماليّ العنصريّ، وهو الذي قاد الحملات الاستعمارية، والقوى المؤمنة بقيم المواطنة والحرّيات العامّة، والتي أسهمت إسهاما بعيد المدى في دعم معارك الحرية والتقدم في العالم.

هذه القوى هي التي كانت سندا قويا لحركات التحرّر الوطنيّ العربيّة، ففتحت أبوابها أمام روّاد الحركات الإصلاحية لتؤسّس منابرها الإعلامية، مندّدة بالحكم المطلق في العالم العربيّ الإسلاميّ، كاشفة بصفة خاصة النظام الاستبداديّ للسلطان الأحمر عبد الحميد الثاني، وهي التي ساندت الأفغاني، وتلميذه عبده لإصدار العروة الوثقى في باريس، وساندت صديقهما أديب إسحق لإصدار صحيفته “مصر القاهرة” قبل “العروة الوثقى”، وفتحت صحفها أمام مصطفى فاضل أبي الأحرار، ليميط اللثام عن دسائس الرجل المريض في اسطنبول، وهي القوى التي استجابت للزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي لمّا دقّ أبوابها ليهديها كتابه “تونس الشهيدة” الصادر بالفرنسية في باريس عام 1920 موثّقا جرائم الاستعمار الفرنسيّ بالبلاد التونسية، ونوّاب هذا التيّار في البرلمان الفرنسيّ هم الذين كشفوا جرائم الاستعمار الفرنسي في الأقطار المغاربية معتمدين على مجلة “المغرب”، وقد كان يصدرها بالفرنسية المناضل الوطني محمد باش حانبة، ويسرّبها إليهم من جنيف، ومثلت أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان حالة الطوارئ المصدر الوحيد للتعرّف إلى ما يقوم به غلاة الاستعمار، وهي نفس القوى التي ساندت نضال الزعيم الحبيب بورقيبة في معركة الاستقلال، وهي أيضا التي كشفت في الأعوام الأخيرة بعد رفع الحظر عن الوثائق الرسميّة جرائم الجيش الفرنسي في الجزائر، وأفادت منها في إخراج أفلام وثائقية عجزت دول المغرب العربي عن إنتاجها.

إنّه من الغريب أن يتجاهل البعض هذه القوى، قوى الحرّية والتقدّم، ويشيد في الوقت ذاته بالرئيس الفرنسيّ الحاليّ الذي بلغ سدّة الرئاسة بفضل أصوات اليمين المتطرّف، أنصار لوبان، وهو الذي سنّ القوانين الزجرية ضدّ الأجانب، ولم يسلم منها الفرنسيون المنحدرون من أصول عربية وافريقية، وهو الذي زار إسرائيل أثناء مجزرة غزّة معربا عن تفهّمه وتأييده.

ومن نقاط الضعف في هذه الدعوة، المطالبة بالاعتذار عن جرائم الماضي والسكوت عن جرائم الاستعمار الأمريكي والبريطاني اليوم في العراق! مرّة أخرى أعود لأقول: إنّه من الخطأ والخطر الوقوع في فخّ حركات التطرّف، ووضع الغرب بكلّ تيّاراته في كيس واحد.

لا أريد إنهاء هذا النص دون الإلماع إلى مسألتين:

أ‌- من أغرب النصوص التي قرأتها حول دعوة المطالبة بالاعتذار تلك التي ربطت بينها وبين التشكيك في قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها قيما غربية، متجاهلة أنّها تحوّلت إلى قيم كونية بفضل ثورة الاتصالات التي أزالت المسافات، وأسقطت الحدود بين الشعوب، هذا الربط هو الذي جعل البعض يتّهم الدعوة بالتوظيف السياسيّ، وينعتها بأنها كلمة حقّ أريد بها باطل.

إذا أردنا لهذه الدعوة أن تنجح، وأن تجد آذانا صاغية في الداخل والخارج، فلا بدّ أن تدرس بكلّ موضوعية وعقلانية، وأن ينأى بها أنصارها عن التوظيف، وعن استغلالها لتصفية حسابات سياسوية وإيديولوجية، ولعلّ الخوف من الانزلاق هو الذي يفسّر إحجام الخطاب الرسميّ العربيّ عامّة والمغاربي بصفة أخصّ عن تبنّي الدعوة.

ب‌- اقترنت الدعوة كذلك في بعض النصوص بالتنديد بمحاولات التدخّل في الشؤون الداخلية لدول الجنوب، وهو تدخّل يرفضه كلّ مواطن حريص على السيادة الوطنية، واستقلال قرارها، ولكن لا بدّ من الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ ضعف الجبهة الداخلية وتفكّكها يمثّلان الثغرة الخطيرة والخطرة للتدخل الأجنبيّ.. وقع ذلك بالأمس في مرحلة بداية الاستعمار المباشر، ويقع اليوم في الساحة العربية الإسلامية أمام أعيننا، وما بعد العيان من بيان.

إنّ السدّ المنيع ضدّ التدخّل الأجنبيّ هو تقوية الجبهة الداخلية عبر إرساء أسس وفاق وطنيّ تكون دعامته الصلبة صيانة قيم المواطنة والحريات العامة، وفي طليعتها حرية التعبير والنشر، واحترام الرأي الآخر، ونبذ جميع أشكال العنف، وترشيد صنع القرار الوطنيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق