الـدولـة إلـى أيـن ؟ / الحبيب الجنحاني

• قال صاحبي : لفت نظري نص الأسبوع الماضي، و أصارحك بأنني قد سئلت عنه أكثر من مرة، إذ أن عنوانه “قبل السقوط” كان مخيفا، و عندما يمعن فيه النظر يتحول الخوف إلى هلع، ذك أنه يكتشف بسرعة أن الخوف هو من سقوط الدولة، أليس من الأمر مبالغة ؟

• قلت : إن المتابع لما يصدر في وسائل الإعلام بشتى أصنافها، و المهموم بالشأن العام يلمس في يسر أن ظاهرة الخوف لدى المواطن تطورت، فقد خاف في المرحلة الانتقالية الأولى من عدم بلوغ الانتخابات بسلام، ثم فرح بنجاحها، و تأسيس مؤسسة دستورية تحظى بالشرعية، و تحول الخوف إلى قلق لما اشتد الجدل البيزنطي السياسي داخل جدرانها، و أطلت برأسها نزعة المخططات الحزبية الضيقة، ثم سيطر الخوف من جديد لما تكررت الهفوات في مستوى التسيير اليومي لشؤون البلاد، و لكن الوجل لم يصل يومئذ إلى درجة الخوف على مصير الدولة، و لكننا قد بلغناها اليوم، و أرجو أن أكون مخطئا، لذا فإن نص الأسبوع الماضي ركز على خطورة انهيار الدولة، و لمحت إلى حالات سقطت فيها الدولة، و استمرت سلطة تنفيذية تشرف على البقية الباقية من أجهزتها، و لدينا اليوم أمثلة متعددة في الفضاء العربي الإسلامي، و في عدد من الأقطار الإفريقية، و قد عوض العسكر، أو القبيلة، أو الطائفة الدولة.

• قال صاحبي : أذكرني كلامك هذا بتصريح أدلى به أحد المسؤولين في قمة الهرم أرقني، و أقض مضجعي، قال : ينبغي أن نحمد الله أن الدولة ما تزال قائمة، و نحمد الله عندما نقارن أوضاعنا بدول أخرى، و هو يعني دون ريب الدول المنهارة التي تتقاتل فيها المليشيات المأجورة.

• قلت : إن الشباب قد فجر ثورة الحرية و الكرامة للدخول في مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة التقدم، و العدالة الاجتماعية، و تأسيس الجمهورية الثانية برعاية دولة مدنية ديمقراطية قوية فأصبحنا بعد أقل من عامين نسمع من يقول لنا : إحمدوا الله أننا لم نبلغ الهاوية كما بلغها غيرنا، فبعد أن كنا نرنو إلى السماء، و نتخذ المجتمعات المتطورة نموذجا أصبحنا ننصح بالنظر إلى الأسفل، و نحمد الله أن الأسفل لم يبلغ قاع الجب !

من اللافت في هذا الصدد غياب مفهوم الدولة، و الحديث عن مناعتها، و إرساء أسس هيبتها في الخطاب السياسي الرسمي الراهن، و ضرورة الفصل بينها و بين النظام السياسي، فالنظام يتغير، و يتهاوى، و لكن الدولة يجب أن تستمر، و أن تبقى صامدة أمام الزوابع. إن التاريخ يقدم أمثلة متعددة توضح كيف أن سقوط الدولة، يؤدي حتما إلى تصدع المجتمع، و تفككه.

إن بروز بعض مظاهر التصدع هنا و هناك هو الذي حول في الأسابيع الأخيرة ظاهرة الخوف إلى رعب و هلع.

• قال صاحبي : المواطن العادي لا ينظر إلى الدولة، و إلى رسالتها في تنظيم شؤون المجتمع من الجانب السياسي و الفكري، و إنما يحكم على أحوالها انطلاقا مما يعيشه يوميا، و هاك بعض الأمثلة :

– عجزها طوال شهور عن حماية أجهزتها الأمنية، و حماية رجالها الذين يعتدى عليهم في مراكز عملهم !

– عجزها عن حماية المساجد، فالدولة هي المسؤولة عن توفير الأمن فيها ليؤدي المسلم واجباته الدينية في هدوء و طمأنينة، فنسبة كبيرة منها محتلة من فئات فوضوية تزعم أنها تمثل الإسلام الحق، و تحكم على الآخرين بالزندقة و المروق. إن التاريخ الإسلامي لم يسجل لنا أن المساجد تحولت إلى حلبة صرع ديني سياسي حتى أيام أحلك العصور.

– عجزها عن حماية المؤسسات الجامعية، و حماية أماكن العمل.

– اضطرارها إلى إلغاء أكثر من ثمانين مهرجانا ثقافيا نتيجة غياب الأمن.

– ليس هنالك دولة تستحق هذا الاسم تترك تأسيس نظام تربوي ديني مواز للنظام الرسمي دون أن ترخص له، و تكون مطلعة على أهدافه و برامجه، فالتعليم الخاص هو أيضا، و في جميع البلدان تحت إشراف الدولة.

هنالك أمثلة أخرى كثيرة يلمسها المواطن في حياته اليومية، فكيف تريده أن يطمئن على مصير الدولة و البلاد، و لا يشعر أن السفينة مترنحة، و ليس لها ربان يتحكم في سيرها، قادرا على توجيهها الوجهة السليمة لتصل بأمان إلى شاطئ السلامة ؟

• قلت : قال العرب قديما رنح فلان ترنيحا إذا اعتراه وهن في عظامه. عظام الدولة هي مؤسساتها و أجهزتها فإذا أصابها الوهن ترنحت و تمايلت لتفقد في النهاية توازنها.

 

عن جريدة الشروق التونسية 2/11/2012

  

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق