الــثــورات إلــى أيــن ؟ / الحبيب الجنحاني

قد آن الأوان أن نتحدث عن الآفاق المستقبلية فنتساءل عن أبرز المظاهر التي فجرتها الثورات المنتصرة :

أولا : هبوب نسائم الحرية التي حرم منها المواطن العربي عقودا من الزمن فصرخت الأفواه المكممة، و انهمر مداد الأقلام المهجورة، و تحولت النسائم في حالات معينة إلى عواصف هوج مهددة مكاسب الثورة، و لكن بالرغم من الهنات هنا و هناك، و بالرغم من محاولات الركوب على الثورة فإنه من الصعب إيقاف مسيرة الحرية، و لكن حمايتها تتطلب من أنصارها ليس اليقظة فحسب، بل تجنيد قوى المجتمع المدني للوقوف في وجه قوى الردة و الرداءة.

ثانيا : الدخول في مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة إرساء أسس الدولة المدنية الديمقراطية، ملاحظا أن هذا المكسب الثمين من مكاسب الثورة ما تزال تهدده عوامل متعددة، و معقدة، و هنا تبرز مسؤولية النخبة السياسية و الفكرية للتصدي لكل مظاهر الانزلاق، و محاولات المس بالحريات، و فرض الرأي الواحد، و بخاصة إذا زعم أنصاره زورا و بهتانا أنهم يستمدون شرعيتهم من السماء، كما بدأ يلوح ذلك من استعمال مفاهيم ماضوية تراثية لا علاقة لها لا بعالم الأرض، و لا بعالم السماء.

مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية قد أصبح مفهوما كونيا نشأ و تطور في خضم صراع سياسي اجتماعي و فكري منذ ما يربو عن قرنين، يكاد ينحصر هذا المفهوم في ثلاث قواعد:

– التداول السلمي على السلطة عبر انتخابات حرة.

– احترام الحريات العامة.

– فصل الدين عن السياسة.

إن المؤمن بهذه القواعد، والصادق في تبنيه لمفهوم الدولة المدنية لا يستطيع أن يستعمل بعد ذلك مفاهيم ماضوية تراثية مثل “الخلافة”، و “ديوان المظالم”، و “صلح الحديبية”، و تنفيذ حد “الحرابة”، و النائب “الرباني”، و الحركة “الربانية”، و غيرها من المفاهيم التي نظّر لها قبل قرون، و في ظرفية تاريخية معينة لا علاقة لها بزماننا.

ثالثا: تميزت الثورات العربية عند انطلاقها بوحدة الصفوف و الشعارات رغم تنوع القوى السياسية و الاجتماعية التي أسهمت فيها، و كان للنقابات دور بعيد الأثر في الحالة التونسية بصفة خاصة نظرا لوجود حركة نقابية لها تقاليد عريقة في النضال الوطني و الاجتماعي، فهي التي احتضنت القوى الثورية في كامل مدن الجمهورية.

و أود التأكيد على أن الثورات لم تتزعمها قيادة سياسية موحدة، و كان لذلك جانب إيجابي تمثل في إيصاد الباب أمام احتكارها من قوة واحدة لتوجهها كما تريد، و قد تسير بها رويدا نحو نظام شمولي كما حدث ذلك في تاريخ كثير من الثورات، و جانب سلبي تمثل في فتح الباب لقوى حاولت بعد سقوط النظام الركوب على الثورة، و هي في حقيقة الأمر معادية للشعار الأبرز للمسيرات الشعبية : الحرية و العدالة الاجتماعية.

رابعا : إن التساؤل عن آفاق الثورات العربية، و ما يرتبط به من وجل يفرض التلميح بإيجاز إلى نقاط سلبية في المجتمعات العربية طفت فوق السطح بعد هبوب رياح الحرية، و هي نقاط خطرة و خطيرة قد تعصف بالآمال :

– برزت الروح العشائرية و الجهوية في تونس، و النعرات القبلية في كل من ليبيا و اليمن، و التحمت القبلية بالطائفية في فضاآت أخرى.

– ينبغي ألا ننسى في هذا الصدد تلك الظاهرة السلبية الأخرى، و أعني بذلك الصراع الطبقي دون وعي سياسي، و هو أخطر من الصراع الذي تغذيه إيديولوجية طبقية، إذ أن الحقد هو الذي يحركه فيسقط في الفوضى، و ينسف روح التوحد و التضامن التي يحتاجها المواطنون في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة.

و هنالك سمة أخرى لا تقل خطرا عن الصراع الطبقي الفوضوي، ألا و هو انشطار المجتمعات العربية إلى شطرين :

أ‌- قسم تقليدي محافظ اجتماعيا و ثقافيا، و تمثله جهات جغرافية معينة، و منها ينحدر سكان الأحياء الشعبية الكبرى في المدن، و قد تحولت هي نفسها نتيجة النزوح إلى مدن، و هي تمثل التربة الخصبة لنشاط حركات الإسلام السياسي.

ب‌- قسم حداثي في نمط عيشه المجتمعي، و في رؤيته الاجتماعية و السياسية.

و هذا الانشطار يغذي الروح العشائرية من جهة، و الحقد الطبقي الفوضوي من جهة أخرى.

و مما يلفت النظر في هذا الصدد أن ظاهرة الانشطار هذه لم تسلم منها حتى البلدان التي راهنت على نشر التعليم و حققت نتائج باهرة مثل تونس، و هذا يكشف بدوره مدى هشاشة التجارب التحديثية التي قادتها دول الاستقلال في بعض الأقطار.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق