الــدولــة العابرة والدولة المنشودة

يتحدث كثيرون اليوم عن نهاية “الدولة الوطنية” أو الدولة القومية، مع نمو العولمة الرأسمالية وتقدمها؛ ولكن لم يتحدث أحد بعد ماركس ومن نسبوا أنفسهم إلى الماركسية عن نهاية الدولة السياسية ونهاية المجتمع المدني معاً، بل إن ماركس تحدث عن نهاية الدولة السياسية، الليبرالية، أو انتفائها جدلياً، بما هي شكل غير مطابق لمضمونه، أي قبل أن تفصح الدولة عن مضمونها إلا في الصيغة البورجوازية، في مرحلة التراكم الأولي لرأس المال، وعارضها بالدولة الديمقراطية، الدولة المادية التي هي وحدة الشكل والمضمون، أي وحدة المجتمع والدولة. ولم يقل أحد بعد ما هي الدولة التي ستنجم عن تعمق العولمة، وما مصير الدول التي تتآكل سيادتها باطراد في البلدان المتأخرة. وسؤال الدولة هو نفسه سؤال المجتمع المدني.
المسألة تتعلق، على ما يبدو لي، بصفة الدولة أو صفاتها وتحديداتها المختلفة، لا باختلاف العلوم الوضعية التي تناولتها، كعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم القانون والأنثروبولوجيا، واختلاف مناهجها، فحسب، بل باختلاف المنظومات الفكرية، من ليبرالية وماركسية ووجودية وبنيوية وفوضوية، والمنظومات الأيديولوجية من قومية واشتراكية ودينية، ولا سيما الإسلامية منها. وكل صفة هي حد وفرق يضع تعارضاً، وينشئ جدلاً، ويثير جدالاً. والجدال، لا الجدل، أي الديالكتيك، هو السمة الغالبة على الفكر السياسي العربي في موضوع الدولة، وهو جدال حول الصفات، فحسب، لا حول الموصوف الذي قلما يعبأ به المتجادلون والمتساجلون. ولا بد أن نلاحظ أن الصفة عندنا تأكل الموصوف أو تستنفده، بخلاف منطق لغتنا العربية. والجدال حول الصفات (دولة قومية أم دولة إسلامية أم دكتانورية البروليتاريا..؟) يحيل على الطابع الأيديولوجي للخطاب السياسي من جهة، وعلى عجزه عن تجاوز حدود الوضعية الإيجابية التي تحولت لديه، بحكم الطابع الأيديولوجي ذاته إلى مذهب وضعوي يقيم الوثنية على صعيد الفكر والاستبداد على صعيد السياسة.

الدولة القومية والدولة الاشتراكية والدولة الإسلامية هي شعارات الخطاب السياسي العربي، وشعارات الحركة الشعبية، بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، والقومية العربية والاشتراكية والإسلام، على ما بينها من تداخل واختلاط، هي مضامينه. السياسة، بما هي فاعلية المجتمع، على الصعيد العملي، وعلم الدولة، على الصعيد النظري، وبما هي معطى مدني ومجال مستقل، ظلت خارج اهتماماته. حضور السلطة الوحشية (الطبيعية) المباشر والكثيف في جميع مجالات الحياة الاجتماعية وفي تفاصيل الحياة الشخصية للفرد حجب فكرة الدولة المبهمة والمعقدة. تحويل المجتمع إلى أرقام إحصائية وإلى قطعان، وتحويل الأفراد إلى كائنات توتاليتارية حجب فكرة الدولة. إدماج جميع مجالات الحياة الاجتماعية في مجال واحد هو مجال السلطة الشمولية التي لا يخرج من دائرتها شيء أنتج تطابقاً وتماهياً بين السلطة والدولة. جميع أفراد الشعب متساوون في كونهم لا شيء؛ إذن، ليس هنالك دولة وليس هنالك أمة وليس هنالك شعب. لذلك كله، ولأسباب أخرى كثيرة، ليس أقلها اختفاء الدولة في العراق مع اختفاء صدام حسين واحتمال اختفائها في بلدان عربية أخرى، بات واجباً علينا أن نهتم بفكرة الدولة قبل أي صفة أخرى من صفاتها. لكي نعيد تعريف السياسة بأنها شأن عام وفاعلية مجتمعية، وعلاقة مزوجة ذات اتجاهين: من الأدنى إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأدنى، ومن دون أدنى مكاناً أو رتبة ليس هنالك أعلى. الدولة، في موضوعنا هي الأصل، وجميع صفاتها الأخرى تابعة.

والاهتمام بفكرة الدولة اليوم يتخطى مطلب الفهم وإلحاحه إلى مطلب العقل، أي يتخطى مطلب العلم الوضعي الإيجابي إلى الفلسفة والأخلاق، ويتخطى المذهب الوضعي إلى الديالكتيك، لكي يمكن إدراك العلاقة الحية بين المجتمع المدني والدولة السياسية، وإيضاح الديناميات الحيوية والأساليب والوسائل التي ينتج بها المجتمع المدني دولته تعبيراً عن كليته العينية، ولإرساء أسس منطقية وواقعية لرؤية ديمقراطية تنطلق من الواقع إلى الهدف؛ رؤية تتمحور على فكرة الإنسان ومفهوم التقدم ومعنى التاريخ، أي على الحرية في مقابل الاستبداد والعبودية والاستلاب، وعلى الحداثة في مقابل التقليد، وعلى العلمانية في مقابل التيوقراطية وحاكمية “وزراء الله”، وعلى العقلانية في مقابل العشوائية والاعتباط والتبعية والولاءات ما قبل الوطنية، وتتمحور من ثم على العلاقة الجدلية المباشرة بين المجتمع المدني والدولة السياسية، وبين الفرد والمجتمع من جهة والفرد والدولة من جهة أخرى، وترى في علاقة الفرد بالمجتمع علاقة موسَّطة بالتحديدات الذاتية والاجتماعية للفرد[1]، وفي علاقة الفرد بالدولة، لا بالسلطة[2]، علاقة موسطة بمفهوم المواطن، علاقة لا تستطيع معها الدولة أن تنظر إلى الفرد إلا بصفته المجردة، أي بصفته مواطناً من مواطنيها وعضواً من أعضائها، بغض النظر عن جميع تحديداته الأخرى. الفرد الطبيعي هو أساس المجتمع المدني، والمواطن هو أساس الدولة السياسية. وهي رؤية تقر من البداية بنسبية الحقيقة واحتمالية الواقع، وبأن “العلم كله في العالم كله”، وتقر من ثم بما يمكن أن يعتورها من نقص وما يساورها من خطأ وضلال، في مقابل أوهام التمامية والكمال، رؤية لا ترى في الدولة مجرد شكل سياسي للوجود الاجتماعي المباشر فحسب، بل ترى فيها، إضافة إلى ذلك، كائناً أخلاقياً يستمد مشروعيته وسيادته من الشعب، ويستمد سموه من سمو القانون وسيادته على الحاكم والمحكوم.

ظاهرة الدولة ظاهرة حديثة نسبياً تعود تاريخياً إلى القرن السادس عشر للميلاد؛ ومن ثم، فإن مفهوم الدولة مفهوم حديث لم ينغرس بعد في الفكر السياسي العربي؛ فكلما وردت كلمة الدولة في الخطاب العربي المعاصر تحيل على تصور ما للسلطة التي يلتبس مفهومها، عندنا، بمفهوم الدولة، وقلما تتقاطع التصورات الخاصة للسلطة في تصور عام أو فضاء فكري عام يمكن أن يكون أساساً للتفكير في الدولة أو لنظرية في الدولة بما هي سلطة عامة عليا تستمد منها جميع السلطات مشروعيتها وهويتها الوطنية.

فقد عرفت البلاد التي يطلق عليها اليوم اسم المشرق العربي المدينة الدولة والنظام الإمبراطوري والتفتت الإقطاعي، ولكنها لم تعرف الدولة، على النحو الذي حدث في الغرب الذي شهد جميع الأشكال السابقة للدولة الحديثة. وما أطلق على أنظمة الحكم المختلفة من أسماء، كالخلافة والإمارة والسلطنة والولاية وغيرها، لا تحيل إلا على الأساس الأنثروبولوجي المشترك بين تلك الأنظمة والدولة الحديثة. ولم يفكر أحد في عدم مطابقة مفهوم الدولة لأنظمة الحكم التي نطلقها عليها: (الدولة الأموية والدولة العباسية …). وقد انتظر العرب المسلمون أكثر من ألف عام، منذ خروج البويهيين على السلطة المركزية في بغداد إلى عهد الاستعمار الغربي، حتى عرفوا الدولة معرفة مشوبة بالرفض وبشعور ما بالانتهاك والمهانة والذل، من حملة نابليون على مصر حتى الحرب العالمية الثانية. ولذلك لا نجد في المعاجم العربية ولا في كتب السياسة السلطانية معنى لكلمة الدولة قريباً من معناها الذي نتداوله اليوم. فضلاً عن ذلك يلاحظ الباحث أن الاهتمام بموضوع الدولة اقترن دوماً بازدهار الفكر النظري، لارتباط هذا المفهوم بعلم السياسة. وافتراض تأخرنا في علم السياسة لا يحتاج إلى برهان أكثر من برهان الواقع[3].

وتجدر الإشارة إلى أن سلطان الدولة الإمبراطورية المركزية لم يكن يتعدى كثيراً المدن والحواضر وظهيرها، وكانت الجباية من المناطق النائية والهامشية أشبه ما تكون بحملة أو تجريدة عسكرية تذيق سكان تلك المناطق ألوان القهر والعذاب، وكذلك تأديب العصاة والمارقين. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن أياً من الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، بما فيها الإمبراطورية العربية الإسلامية، لم تتمكن من دمج سكان الأقاليم التي سيطرت عليها في فضاء اجتماعي وسياسي وأخلاقي مشترك، بحكم مبدأ الإمبراطورية ذاته، أي نهب الخارج ونهب الداخل. ولما كانت تجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة السلطة، وتجربة الدولة التي تتجمع فيها ينابيع جميع السلطات أيضاً، يغدو مفهوماً قول عبد الله العروي أن الحرية لم تكن توجد إلا خارج الدولة وبالتضاد معها، ولم تكن الحرية تتجلى في تاريخنا الطويل إلا في البداوة والتقوى والتصوف. وأن البنى ما قبل الدولتية كانت ولا تزال ملاذاً آمناً من سطوة السلطة التي كانت ولا تزال تتلخص في العصبية والغنيمة والعقيدة[4]. وتجدر الإشارة إلى أن الظواهر التي كانت تشير إلى الحرية خارج إطار العشيرة والعقيدة، في تاريخنا وثقافتنا لم يمنحها المجتمع أي نوع من أنواع المشروعية، بدءأً من ظاهرة الصعاليك إلى ظاهرة المعتزلة والمتصوفة ومن في حكمهم ممن رمتهم الأكثرية بالزندقة والإلحاد.

لقد عشنا تجربة الدولة في العهد الكولونيالي وفي العهد الليبرالي القصير الذي تلاه، فعرفنا البرلمان والانتخابات التشريعية والدستور والقانون الوضعي وفصل السلطات والجيش الوطني والبيروقراطية والنقابات والأحزاب السياسية والصحافة الحرة والتعليم العلماني والصناعة الحديثة والزراعة الحديثة والمواصلات والاتصالات الحديثة والخدمات العامة وحكم القانون، وشهدنا ظهور فئات اجتماعية جديدة … إلخ؛ ولكننا لم نعرف الدولة، فلم نتساءل لا عن ماهيتها ولا عن وظائفها ولا عن أهدافها ولا عن وسائلها وآليات عملها ولا عن علاقتها بالمجتمع المدني الذي يفترض أنه ينتجها، أي إننا لم نعرف فكرة الدولة حتى اليوم. وقد قصرت الحديث على العهدين الكولونيالي والليبرالي لزعمي أننا عشنا منذ عام 1958 حتى اليوم تجربة السلطة الشمولية ذات السيماء المملوكية العثمانية، بل ذات السيماء الرعاعية، لا تجربة الدولة الحديثة، ومع ذلك نسمي جميعنا هذه السلطة الشمولية دولة وجمهورية، مع أنها لم تبق من الدولة الوطنية الحديثة التي كانت آخذة في النمو سوى هياكل فارغة ومؤسسات صورية.

ولذلك فإن الدولة ليست حاضرة في الفكر العربي وفي الوعي الاجتماعي سوى بوصفها سلطة مباشرة ومعطى بديهياً يطلب منا أن نقبله ونعترف به ونخضع له بلا نقاش. ليس لدينا إذاً سوى فكرة مسبقة وناجزة عن الدولة، أي ليس لدينا سوى أدلوجة عن الدولة، بحسب تعبير العروي[5] الذي يؤكد أن “أدلوجة الدولة سابقة على نظرية الدولة”[6]. فإذا استثنينا الكتب المترجمة في موضوع الدولة، على قلتها، وما كتبه أساتذة القانون لطلابهم، وكله أو جله مترجم أيضاً لا نقع في المكتبة العربية إلا على شيء يسير لا يعتد بمعظمه في هذا الموضوع. ويلفت النظر أن العاملين في حقل الفلسفة من العرب لم يتطرقوا إلى هذا الموضوع إلا لماماً؛ مع أن الدولة موضوع فلسفي وأخلاقي بامتياز، قبل أن تكون موضوعاً قانونياً وسياسياً؛ فقد كتب هيغل في هذا الصدد: ” الحق والأخلاق والواقع الفعلي للعدالة والحياة الأخلاقية تدرك عن طريق الأفكار؛ فمن خلال الأفكار تتخذ شكلاً عقلياً، أعني شكل الكلية المتعينة، وهذا الشكل هو القانون الذي ينظر إليه الشعور في نزوته الخاصة على أنه عدوه اللدود، وهو محق في ذلك لأن هذا الشعور يقيم الحق على الاقتناع الذاتي، ومن هنا اعتبر الطابع الصوري الذي يتخذه الحق بوصفه واجباً وقانوناً كأنه حرف ميت وبارد وقيد من القيود، فهذا الشعور لا يتعرف على نفسه في القانون، وبالتالي لا يعرف أنه حر في مجال القانون، هذا لأن القانون هو العلة العاقلة لكل شيء، ولا يسمح العقل للشعور بأن يجد لنفسه الدفء في أعماق قلبه الخاص”[7].

والقانون، بصفته العامة والمجردة، وبما هو إنشاء عقلي، هو ماهية الدولة؛ لذلك، فإن تجربة الدولة لا تغني عن نظرية الدولة التي تعيد بناء العلاقة بين الحرية الذاتية والقانون الموضوعي، بين الشعور الذي يقيم الحق على الاقتناع الذاتي والعقل الذي يقيمه على الحقائق الواقعية والعلاقات الموضوعية وعلى فكرة القانون العام. ومن ثم فإن وعي فكرة الدولة هو المقدمة الضرورية لعقلنة السياسة. ومن دون ذلك يغدو المجال مفتوحاً لسيل من الادعاءات والمزاعم حول هذا الموضوع، ويعد كل نائم نفسه من الأصفياء الذين وهبوا المعرفة وهم نيام؛ فترد جميع الأفكار والموضوعات إلى مستوى واحد ويسوَّى بينها جميعاً “على نحو ما ألغى الاستبداد في الإمبراطورية الرومانية التفرقة بين الأحرار والعبيد وبين الفضيلة والرذيلة وبين الشرف والعار وبين العلم والجهل، وكانت نتيجة هذه التسوية وهذا التسطيح أن أصبحت التصورات عما هو حق وكذلك عن قوانين الأخلاق لا تعدو مجرد آراء واقتناعات ذاتية؛ وعلى هذا النحو يصبح لأسوأ المبادئ الإجرامية، ما دامت هي الأخرى اقتناعات، نفس قيمة القوانين”[8]، وهذا تابع لتقسيمها العالم عالمين: عالم الرومان وعالم البرابرة، المبدأ الأخلاقي هو ذاته في الحالين، أعني بناء الأحكام على الاقتناع الذاتي. والاستبداد في كل زمان ومكان هو بناء الأحكام على الاقتناع الذاتي؛ يكفي أن يقتنع المستبد أن الآخرين برابرة أو أعاجم ليكونوا كذلك، وليعاملوا على أنهم كذلك. ويكفي أن يقتنع المستبد اليوم أن الذين لا يوالونه خونة وعملاء ومأجورون ليكونوا كذلك وليعاملوا على أنهم كذلك. وعلى أساس الاقتناع الذاتي كان المستبد، ولا يزال، يختار شعبه من الأصفياء والموالين والتابعين، ويساوي بينهم جميعاً على أنهم لا شيء، فهو من يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويقرب ويقصي، ويقال له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار، ولا تعوزنا الأمثلة.

إذا صح أنه ليس لدينا سوى أدلوجة وآراء وتصورات ذاتية عن الدولة يصح القول أنه ليس لدينا سوى أدلوجة وآراء وتصورات ذاتية عن السياسة؛ لأن السياسة في أحد أهم معانيها هي العلم الذي يهتم بدراسة الدولة، فضلاً عن كونها علاقات موضوعية. السياسية عندنا أدلوجة قوامها أفكار وتصورات مسبقة وثابتة عن الأمة والدولة القومية أو الإسلامية أو الاشتراكية وشعارات وأهداف ذاتية تمتح من تلك الأفكار والتصورات، وتستمد مشروعيتها منها، لا من الواقع الذي ترفضه رفضاً مطلقاً أو تشيح عنه، وليست مشاركة إيجابية في الحياة المدنية. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك كما أدعي، فلا بد من معارضة هذه الآراء والتصورات الذاتية التي تنظر إلى الواقع بمنظار حكمة أعلى، بالفكر النظري النقدي الذي وظيفته اكتشاف العناصر العقلية في الواقع المعطى وفي تجارب الأمم المتقدمة، ومبدأ الفكر النظري هو التزام الحقيقة. إن “ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي عند هذا الاقتناع، يقول هيغل، يلتقي الإنسان البسيط والفيلسوف، ومنه تبدأ الفلسفة دراستها لعالم الروح ولعالم الطبيعة على حد سواء. ولو كان التفكير أو العاطفة أو أية صورة شئت من صور الوعي الذاتي تنظر إلى الحاضر على أنه شيء باطل وتسعى إلى تجاوزه بمنظار حكمة أعلى من حكمة العقل ذاته فإنها تجد نفسها في فراغ، ولأنها لا تكون موجودة بالفعل إلا في الحاضر فحسب، فإنها هي نفسها مجرد عبث باطل[9]. وهكذا جميع الأيديولوجيات التي سادت عندنا منذ أكثر من نصف قرن لم تكن سوى عبث باطل، وكذلك السياسات التي استندت إليها أو اشتقت منها. وليس مصادفة أن تعود بلادنا إلى أوضاع شبيهة بأوضاعها أواخر العصر العثماني، أي إلى أوضاع تجعلها قابلة للفوضى والاندفاعات الغريزية وحرب الجميع على الجميع وقابلة للاستعمار.

كلمة السياسة مشتقة في اليونانية من Polis المدينة/الدولة، والسياسة لم تكن تدرك عندهم إلا على أنها الحياة في المدينة/الدولة، وجملة من الحقوق والمسؤوليات والالتزامات يضطلع بها المواطن الحر الذي هو أساس الدولة. وصارت السياسة في الأزمنة الحديثة تحيل على ما هو عام ومشترك بين جميع مواطني الدولة وجميع طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، أي على العلاقات الموضوعية التي تربط بين الأفراد، وبين الفئات والطبقات الاجتماعية، في الدولة المعنية، وعلى العلاقات الموضوعية التي تربط بين مختلف الأمم والشعوب والدول. ويذهب بعضهم إلى أن علم السياسة أدنى إلى علم السلطة منه إلى علم الدولة، إذ مفهوم السلطة أقدم وأوسع نطاقاً من مفهوم الدولة، إلا أنني أميل إلى تعريف السياسة عندنا بأنها علم الدولة انطلاقاً من رؤية فكرية وأخلاقية ترتكز على مفهوم العمومية أو الجمهورية التي تتجلى في وحدة القانون وعموميته، والقانون هو روح الشعب وماهية الدولة. الدولة كائن عقلي في ذاته، وكائن أخلاقي، هو مرآة أخلاقنا الذاتية والموضوعية، في المستوى الذي لا نستطيع معه فصل الذات عن الموضوع، فمن دون موضوع ليس هنالك ذات، ومن دون موضوعية ليس هنالك ذاتية. السياسة بما هي علم الدولة مسعى دائم لفهم الدولة، بما هي تجريد للعمومية، أي لفهم العلاقات الموضوعية التي أشرت إليها ومفهمتها؛ وقد تكون بعيدة عن مطلب بناء الدولة على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه هذه الأخيرة، لأنها في هذا المجال المخصوص لا تبين إلا الكيفية التي ينبغي أن تفهم بها الدولة بوصفها كائناً سياسياً وعالماً أخلاقياً. وقد يستهجن كثيرون عندنا فكرة أن تكون الدولة عالماً أخلاقياً، لأن السياسة قد انفصلت عن الأخلاق، ولأنه ليس من معنى عندنا للأخلاق إلا في دائرة الذاتية التي أصابها ما أصابها من تراخ في المعايير. أما الأخلاق الموضوعية التي تتجلى في بنى المجتمع وتنظيماته وعلاقاته، وتتجلى أكثر ما تتجلى في ماهية الدولة ومبدئها ووظائفها وآليات عملها، فتقع في دائرة الوعي المعتم.

مهمة الفكر النظري، النقدي، بحكم طبيعته ذاتها، هي تعرف ما هو موجود، أي ما هو قائم بالفعل، هنا والآن، وتفهمه وتعقله، وتعرف أسباب نشوئه وعوامل صيرورته على ما هو عليه، وتعرف ممكناته واحتمالات تطوره، والتنبؤ باتجاهات هذا التطور الممكن أو المحتمل، وهذا الأخير لا يعدو كونه تنبؤاً، مهما أسبغنا عليه من صفات؛ لأن ما هو كائن، في كل لحظة زمكانية، هو العقل نفسه، والكينونة لحظة من لحظات الديالكتيك؛ فكل كائن هو ناتج وصائر. الكينونة حتمية، إذ الحتمي هو ما تحقق بالفعل واكتملت تعييناته؛ أما الصيرورة فإنها احتمالية فحسب. والتوتر الدائم الذي يندرج فيه الفعل البشري هو التوتر بين الواقع والممكن، بين ما هو قائم بالفعل وما ينطوي عليه من احتمالات تتوزع عليها القوى الاجتماعية بنسبة اختلاف مصالحها بصورة أساسية، وهو ما يرجح أحد الاحتمالات على غيره؛ والاحتمالات الأخرى لا تنعدم ولا تتلاشى، بل هي التي تحدد قوة الاحتمال الراجح ووتيرة نموه واتجاه تطوره. السياسة العقلانية هي العمل على ما هو ممكن لا على ما هو واجب، والممكن اليوم هو تعزيز الدولة الوطنية القائمة بالفعل في البلدان العربية ومنحها المشروعية السياسية والأخلاقية والارتقاء بها إلى دولة ديمقراطية. “وإذا استطاعت نظرية ما أن تجاوز العالم الواقع فعلاً، وأن تبني المثل الأعلى للعالم على نحو ما ينبغي أن يكون عليه، فإن هذا العالم يكون له وجود من غير شك، ولكن في رأس صاحب النظرية فحسب، على هيئة عنصر لا قوام له”[10]، كالدولة الاشتراكية في رؤوس الاشتراكيين والدولة القومية في رؤوس القومويين والخلافة الإسلامية في رؤوس الإسلامويين. العقل هو عقل العالم بما هو عليه وبما يمكن أن يكون عليه؛ إنه وحدة الشكل والمضمون؛ “لأن الشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون هو العقل بوصفه الماهية الجوهرية للواقع الفعلي سواء كان واقعاً أخلاقياً أو طبيعياً” [11].

يعكس الفكر السياسي العربي الهوة السحيقة بين “الدولة” القائمة بالفعل، على ما أصابها من تآكل وفساد[12] في ماهيتها وبنيتها ووظيفتها، وبين يوتوبيا الدولة القومية، (دولة الأمة العربية) أو الإسلامية، (دولة الأمة الإسلامية)، أو الاشتراكية (دولة الطبقة العاملة التي تصير هي الأمة، بتعبير ماركس في البيان الشيوعي)[13]، بين الدولة القائمة والدولة الفاضلة، الدولة غير الشرعية والدولة الشرعية. ويمكن القول إن العربي ينتمي ثقافياً وروحياً إلى دولة متخيلة، أما الدولة القائمة بالفعل فلا تعني له سوى كونها عقبة في طريق الدولة المنشودة، تجب إزالتها، ولذلك لم يمنحها أي نوع من الشرعية حتى اليوم، سوى شرعية الأمر الواقع. حتى الذين يتحدثون اليوم عن دولة ديمقراطية يعيشون نوعاً من طوبى الدولة. أشير هنا إلى هذيان الهدف الذي لا ينتج سوى الهذيان، أو طغيان الهدف الذي لا ينتج سوى الطغيان. و”حينما نقابل وصف الواقع التاريخي بتطلعات الطوبى ندرك تجربة الفرد العربي في مجال السياسة[14]”.

حين يتحدث العربي عن الدولة الواقعية يتحدث عن شيء يرفضه، عن قوة خارجية قاهرة وغاشمة تقتضي منه الحكمة أن يتحاشاها ولا يتساءل عن أصلها وفصلها وماهيتها ومضمونها؛ بل يكفي أن يتحاشاها، فينأى بنفسه عن ظلمها وجورها إلى حيث يتوهم أنه في مأمن وملاذ، أو ينقاد لها ويطيع أوامرها أو “قوانينها”، من دون أن تعني له تلك الأوامر أو “القوانين” سوى قوة منع وكبح خارجية، تتجلى دوماً في هيئة شخص ما تتكثف فيه قوة السلطة، على اختلاف مراتبها، بل قوة الجهاز وسطوته. وهذا الشخص يمكن التحايل عليه أو التماس عطفه والتزلف إليه واسترضاؤه أو رشوته، أو الاستقواء عليه بمن هو أقوى منه سلطة ونفوذاً، بأي من وسائل الاستقواء التي توفرها العلاقات ما قبل الدولتية أو ما قبل الوطنية، كالعشائرية والمذهبية والجهوية. ولم يكن للسلطة عندنا أن تتشخصن لولا نظرة الناس إليها وموقفهم منها على هذا النحو، وهما نظرة وموقف متجذران في التجربة السياسية منذ أكثر من ألف عام.

يرى العروي أن “الفكر السياسي الإسلامي صورة معكوسة للتجربة السياسية العربية”. وأن المفكرين المسلمين يتفقون في تصورهم لطبيعة الدولة، ويستعملون مفهوماً واحداً هو الذي نجده في القاموس تحت مادة (دول). إذا لخصنا تعريفاتها وجدناها تتناول جميعها ميدانين: الحرب والمال، وتؤدي معنيين: الغلبة والتناوب. الغلبة في الحرب تؤدي إلى الاستيلاء على المال والاستقلال به، لكن الحرب سجال، ولا دوام لسلطة جماعة واحدة لا بد أن تضعف وأن تخلفها جماعة أخرى. وما تحليلات ابن خلدون المتشعبة إلا تعيينات لفكرة القهر والاستئثار من جهة وفكرة التداول من جهة أخرى[15] ولعل الانقلابات العسكرية التي نجحت ومحاولات الانقلاب التي لم تنجح تحيل على هذين المعنيين، الغلبة والتناوب، وتؤكد حقيقة أن الحرية لا تزال تنمو وتنبسط خارج الدولة وبالتضاد معها، وأن ما يسمى دولاً عربية ليست بعد تعبيراً عن الإرادة العامة، ليست بعد تعبيراً عن الحرية وتجسيداً للعقل.. ويضيف: هذا هو واقع الدولة؛ مفهومها هو التسلط، لا يمكن تصور دولة بلا قهر وبلا اسئثار جماعة معينة بالخيرات، وبالمقابل لا يمكن تصور الحرية إلا خارج الدولة، أي في نطاق الطوبى.

ومثلما يضع الفكر العربي الإسلامي الحرية خارج السلطة يضع الأخلاق خارجها أيضاً، ولذلك يساوره يأس مطبق من إصلاحها. الحرية هنا تعني موضوعية الإرادة التي تتجلى واقعياً في الملكية وما ينجم عنها من علاقات اجتماعية. وحين يكون التملك استيلاء واغتصاباً، بمقتضى القوة والغلبة، وهما دول بين الناس، أو وضع يد أو استصفاء وإقطاعاً ينتفي معنى الحرية عن الحاكم والمحكوم، ويتولد عن هذا الانتفاء منظومة أخلاقية تتمحور على مفهوم البطل، قوامها أنانية لا ترتوي وتسلط لا يشبع، تقابلها منظومة مضادة تتمحور على مفهوم الضحية أو الشهيد قوامها التقية والمسكنة والمراوغة والمخاتلة أو اليأس. فالرعايا الذين لا يملكون وأولئك الذي يدفعون إلى صاحب السلطة بأملاكهم مقابل الحفاظ على حياتهم وأمنهم (الإلجاء) ثم يقطعها لأحدهم أو لبعضهم، وفق علاقات التبعية الشخصية أو الولاء الشخصي، لا يتمتعون بأي نوع من الحرية. ولكن ماذا عن أخلاق السلطة المستبدة، وماذا عن علاقة السياسة بالأخلاق؟ لكل نظام حكم منظومته الأخلاقية التي مركزها الشرف أو الشجاعة، ما عدا الحكم الاستبدادي فالشرف والشجاعة وغيرها من القيم لا تكون إلا بالتضاد معه، وقد صدق من قال إنه إهانة للكرامة البشرية.

بوجود يوتوبيا الدولة، بما هي صورة مقلوبة عن الدولة القائمة بالفعل، بحسب العروي، تُنزع الشرعية القومية أو الاشتراكية أو الإسلامية عن الدول الإقليمية أو القطرية. هناك ولاء ولكنه غير مرتبط بها، وهناك إجماع ولكنه ليس معقوداً حولها. أوامرها تنفذ وإنجازاتها تتحقق، ولكن ذلك لا يكسبها ولاء ولا ينشئ حولها إجماعاً، خاصة إذا كانت الأيديولوجية السائدة تعيد إلى الأذهان كل يوم، حتى من مؤسساتها الثقافية والإعلامية، أنها مرحلة على طريق تحقيق الوحدة العربية الكبرى أو على طريق الدولة الإسلامية أو على طريق الأممية البروليتارية. دعاية الدولة القطرية مناهضة لحقيقة وضعها، وهو ما يدفع إلى الاستخفاف بها. لذلك فإن المفكرين العرب لا يهتمون بالدولة القائمة، ومن ثم لا يرون فائدة في السؤال: ما هي الدولة؟

والفكر الأكثر عقلانية يخشى أن تقوي نظرية الدولة الكيانات “القطرية” القائمة بإعطائها الشرعية الضرورية، لأنه لا يزال محكوماً بالهدف الوحدوي المشروع أخلاقياً، أو بيوتوبيا دولة الأمة من المحيط إلى الخليج، مع أنه يعلم أن النظرية “من المحتمل أن تهدينا إلى طرق واقعية مناسبة لتحقيق الوحدة ومزاوجة الدولة بالحرية والعقلانية[16]ولكن بعد تجربة عمرها أكثر من خمسين عاماً بات من الضروري الانطلاق من الواقع كما هو وإعادة إنتاج الرؤية الوحدوية على أسس واقعية أولاً وديمقراطية ثانياً، انطلاقاً من فكرة الإرادة العامة، ومن احتمالية الواقع معاً، أي انطلاقاً من الممكن لا من الواجب..

تأخذ الدولة في التشكل مع انحلال نظام القرابة القبلي وانحلال النظام الأبوي (البطريركي) التراتبي الذي يقوم على علاقات التبعية والولاء الشخصيين، وانحلال مبدأ العصبية العرقية أو الدينية أو المذهبية الذي يرتكز عليه. فالدولة لا تقوم على بنى قبلية وعشائرية ومذهبية وإثنية متحاجزة ومتنابذة. وإذا قامت أو أقيمت على هذا الأساس تظل عرضة للنزاعات الداخلية والحروب الأهلية، كما هي الحال في لبنان أو العراق أو السودان، على سبيل المثال لا الحصر. وبعبارة أخرى، تأخذ الدولة في التشكل مع انطلاق سيرورة الاندماج الوطني وحلول مفهوم الأمة محل مفهوم الملة، وحلول مفهوم الشعب محل مفهوم الرعية، وحلول القانون الوضعي محل العرف والعادة والتقليد ومحل الشرع، ونشوء مفهوم المجتمع المدني الذي أساسه الفرد الطبيعي، ونشوء مفهوم الدولة الوطنية التي أساسها المواطن .. وهذا كله مرتبط أوثق ارتباط وأشده بنمو العمل البشري والإنتاج الاجتماعي، العمل الذي لا يستطيع أن ينظر إلى الفرد سوى بوصفه منتجاً للقيمة.

وقد لاحظ إنغلز، في كتابه الشهير، “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، الذي استند فيه إلى أنثروبولوجيا مورغان، أن انحلال نظام القرابة القديم ونشوء نظام جديد يرتكز على تقسيم الأرض إلى أوطان قارة، كل وطن مخصص لقسم معين من الشعب هو أساس قيام الدولة، فاستنتج أن التساكن المستمر يستوجب ضمان الأمن، أي إقامة حرس عمومي؛ وبما أن هؤلاء الحراس لم يعودوا قادرين على إنتاج معاشهم فلا بد أن تتكفل الجماعة بذلك، وهكذا تنشأ الجباية. ثم تستوجب مسؤولية الأمن والجباية إدارة جنينية لا تلبث أن تتطور وتتضخم، فيتعالى قسم من الناس فوق الباقي لأنهم لم يعودوا يشاركون مباشرة في الإنتاج، وبهذا الانفصال تنشأ الدولة.[17] فالدولة، على هذا الأساس، هي الطريقة التي ينتظم بها المجتمع. ومن ثم فإن سؤال الدولة يغدو هو نفسه سؤال المجتمع. ولكن إنغلز لا يمضي في هذا الاتجاه.

فالمذهب الوضعي الذي ذهب فيه إنغلز جعله يغفل مسائل مهمة كان ماركس يعدها أساسية، كما لاحظ عبد الله العروي، أهمها أن المجتمع المدني هو الذي ينتج الدولة شكلاً سياسياً وحقوقياً لوجوده المباشر، وأن عملية الإنتاج هذه ليست سوى تعبير آخر عن فكرة العقد الاجتماعي الذي يتجلى واقعياً في انتخاب أعضاء الهيئة التشريعية التي تعبر وحدها عن معنى السيادة، سيادة الشعب الذي يشرع القوانين ويطيعها، فيغدو بذلك وحده حاكماً ومحكوماً في الوقت ذاته. والعقد الاجتماعي هو التعبير النظري عما يسمى اليوم المفاوضة الاجتماعية وعن الحوار الذي ينتج حقائق جديدة لجميع المتحاورين، لأن شيئاً من الحقيقة قائم بالضرورة لدى كل منهم. والمذهب الوضعي ذاته جعل إنغلز، بخلاف ماركس، يحصر معنى الدولة في وظيفتها (الحفاظ على الأمن والنظام) والحفاظ من ثم على حقوق المالكين، فلم ير في الدولة سوى “دولة الطبقة الأقوى” و”آلة يستغل بها الرأسمال العمال الأجراء” فلم تبد له الدولة سوى بصفتها أداة قهر طبقية. الفرق بين رؤية إنغلز ورؤية ماركس، في هذه المسألة، هو الفرق بين المدخل الجدلي والمدخل الوضعي. ولذلك “حظي مؤلف إنغلز بتقدير كبير لدى الإثنولوجيين والأنثروبولوجيين الذين سعوا إلى إنشاء أنثروبولوجية سياسية”، كما يقول العروي. ولما كان الاستقرار في المكان والتساكن فيه شرطين لازمين لقيام الدولة فإن الوطن والدولة لا ينتميان إلى حقلين مختلفين ومتباينين، كما هو مستقر في الوعي السياسي العربي. فقد عرف علماء القانون الدولة بأنها أرض وشعب وسلطة عامة، ولا تقوم دولة إلا بهذه العناصر مجتمعة. وفضلاً عن ذلك لا بد من مبدأ موجه في تحديد ماهية الدولة ووظيفتها وغايتها، كالحرية مقابل العبودية أو الحداثة مقابل التقليد أو الديمقراطية مقابل الاستبداد أو العلمانية مقابل التيوقراطية أو العقلانية مقابل التبعية والولاء والتعسف والاعتباط.

يقترن مفهوم الدولة الحديثة بالعقل والعقلانية، (والعقلانية هي التوحيد والتجريد والتعميم) فالدولة الحديثة هي مجموع أدوات العقلنة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، أو مجموع أدوات عقلنة المجتمع. بل إن هيغل ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، حين عدها تجسيداً للعقل، وعلى هذا الأساس يغدو المجتمع المدني تجسيداً للفهم، ويختص الفرد الطبيعي بالإدراك الحسي. هذا المعنى يكاد يكون غائباً عن الخطاب العربي، لغياب المبدأ الموجه لتحديد ماهية الدولة، ولا سيما مبدأ الحداثة في مقابل التقليد الذي يشمل جميع المبادئ الأخرى. وسؤال الدولة، على هذا الصعيد هو أهم أسئلة الحداثة، إن لم يكن سؤالها الأهم. وعلى الرغم من وجود العقلانية بنسب مختلفة في كثير من الأنظمة السياسية التاريخية إلا أنها لم تتبلور عملية شاملة وعميقة إلا في الغرب الحديث بعد النهضة الأوربية والإصلاح الديني والثورة الفرنسية والثورة الصناعية، إذ صارت العقلانية قيمة في ذاتها ولذاتها تدفع الاقتصاد والأخلاق والفن في الاتجاه ذاته، وكلما أعطت نتائج حميدة في قطاع، كالعلم التجريبي مثلاً، طبقت بكيفية أعمق وأشمل في القطاعات الأخرى: في التنظيم والإدارة وفي التعليم والقانون. العقلانية هي القيمة المؤسسة للحداثة.

ولعل أخطر ما أصاب الفكر العربي منذ النصف الثاني من القرن الماضي انفكاك معنى الثورة عن معنى الحداثة. والبيروقراطية على صعيد الدولة من أبرز تجليات الحداثة. (الخطاب العربي، الذي يمعن في انتقاد البيروقراطية، ينتقد دوماً ما لا نملكه، ويبدأ في كل شيء مما بعد البداية) يقول ماكس فيبر: “البيروقراطية هي الوسيلة الوحيدة لتحويل العمل الجماعي إلى عمل اجتماعي معقول ومنظم… إنها تشجع طريقة عقلانية في الحياة، علماً بأن مفهوم العقلانية يحتمل معاني جد مختلفة”[18]وتمتاز البيروقراطية بالتفريد والتجريد والتعميم، وهي ذاتها مزايا العقل. ومفهوم البيروقراطية عنده يتفرع عن مفهوم الانضباط، وتفوقها في مجال الإدارة كتفوق الآلة على العمل اليدوي.

لاحظ عبد الله العروي أن التجربة العربية، في أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، شهدت نوعاً من الاتفاق الضمني بين الفقهاء والليبراليين فامتزجت في الحركة الفكرية التي نشأت آنذاك الدعوة الدينية والدعوة السياسية، فكانت سلفية وليبرالية في الوقت ذاته. وما لبثت السلفية أن انفصلت عن الليبرالية في المرحلة الكولونيالية حين انحسر الشرع من معظم مجالات الحياة العامة. ومع ذلك لم يتردد الفقيه في تفضيل الدولة المنتظمة، دولة السياسة العقلية، على السلطنة الجائرة التي سبقتها، ولكنه لا يتردد أيضاً في مطالبتها بالتحول إلى إمارة شرعية؛ يقبل آليتها المستحدثة التي تحقق العدل وتشجع العمران، ولكنه يذكر باستمرار أن الشرع يجب أن يكون أساس التشريع، لأنه لا يتعارض مع المصلحة، بل هو عدل ورحمة وحكمة. وقد “اعتنقت الحركة الوطنية في الأقطار العربية طوبى الفقهاء فكراً سياسياً من دون أن تعي أنها طوبى، فأشاحت عن كل نظرية موضوعية في مسالة الدولة. فقهاء العهد الوطني متخلفون عن فقهاء عهد السلطنة، والمفكرون الوطنيون متخلفون في مسائل السلطة عن معاصريهم الفقهاء”[19] بيد أن السلفية التي انفصلت عن الليبرالية في العهد الكولونيالي عادت إلى الاتصال بالحركة القومية، التي يفترض أنها ذات مضمون ليبرالي بوجه عام وعلماني بوجه خاص، والاندماج بها؛ حتى بتنا أمام أطروحة: الأمة لا تنهض إلا بجناحيها، العروبة والإسلام..

الليبرالية المنتكسة إلى أصولية “عربية إسلامية” والماركسية المعتقدية على السواء تحولتا، كأي عقيدة مغلقة، إلى طوبى مكثفة، لأنهما تتلبسان ذهنية معتادة منذ زمن طويل على انتظار الدولة الفضلى وعلى هجران التنظيم السياسي القائم. لذلك لا تزال الدولة العربية الحالية متأرجحة بين نمطين: السلطانية المملوكية والتنظيمية العقلية، بل تبدي في الواقع ملامح النمطين معاً. كما لاحظ العروي، وسبب ذلك هو الفجوة القائمة بين السياسة والمجتمع المدني، وبين السلطة والنفوذ المادي والأدبي، بعد أن صارت السلطة مصدراً للثروة والجاه، وبين الدولة والفرد، تلك الفجوة الموروثة عن “الدولة” السلطانية القديمة والتي ركزتها الإدارة الاستعمارية تفسر عزوف كتلة المجتمع عن المشاركة الفعلية في الشأن العام، وتفسر التأييد السلبي والمعارضة السلبية في أفكار النخبة السياسية وتصوراتها وفي سلوكها.

[1] – يتعامل المجتمع المدني مع الفرد بوصفه صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، غنياً أو فقيراً، مالكاً أو غير مالك، وعلى أنه من أتباع هذا الدين أو ذاك، هذا المذهب أو ذاك، ومن هذه الجماعة اللغوية أو الإثنية أو تلك، من العاملين في هذه المهنة أو تلك، وبصفته الريفية أو المدينية، النقابية أو الحزبية …. إلخ. ما دام المجتمع المدني كينونة اجتماعية مباشرة تنطوي على كل هذا التنوع والاختلاف فإنه لا يستطيع أن يرى الفرد إلا بصفاته وتعييناته ومحمولاته المباشرة، أي إنه لا يستطيع أن يراه إلا بعين ماهيته الاجتماعية، وهي التنوع والاختلاف. أما الدولة فهي تجريد العمومية، أي تجريد لما هو عام في جميع أعضائها، وما هو عام في جميع أفراد المجتمع وأعضاء الدولة هو الإنسية والمواطنة، والدولة من ثم كائن سياسي بدلالة المواطنة، وكائن أخلاقي بدلالة الإنسية، أي بدلالة ماهية أفرادها. الدولة على القياس السابق نفسه لا تستطيع أن ترى الفرد إلا بعين ماهيتها السياسية والأخلاقية بالتلازم، وماهيتها هي تجريد العمومية. فنحن لا نرى الدولة، بل نرى مؤسساتها التي لا يساوي جمعها الحسابي دولة، ونطيع قوانينها التي لا يساوي جمعها الحسابي دستوراً، أو قانوناً عاماً. والثقافة هي التوسط الضروري الذي يجعل الدولة كذلك، أي تجريداً للعمومية، وشكلاً سياسياً وأخلاقياً للكلية الاجتماعية. الدولة لا تتجلى فعلياً إلا في مؤسساتها: التشريعية (السيادية) والتنفيذية (السياسية) والقضائية (الأخلاقية)، لذلك كان في كل واحدة من هذه المؤسسات عنصر عمومية مستمد من عمومية الدولة ذاتها وعنصر خصوصية مستمد من الفئة الاجتماعية المسيطرة.

[2] – علاقة الفرد بالدولة الحديثة ومؤسساتها تحيل على المواطنة والمساواة أمام القانون. أما علاقته المباشرة بالسلطة الاستبدادية، فتحيل على الرعوية والتبعية وعلى الشمولية والتسلط. السلطات الاستبدادية على مر التاريخ لم تكن تعامل الأفراد إلا على أساس تحديداتهم الذاتية والاجتماعية، ولذلك لم تكن أي منها تجريداً للعمومية، ولا يطلق على أي منها اسم الدولة إلا مجازاً.

[3] – الزعماء والقادة الملهمون عندنا هم منظرو السياسة وعلماؤها، ومعظمهم ضباط لا يتقنون العلوم العسكرية فضلاً عن العلوم السياسية. ولا يخلو أن تجد مثقفين ومفكرين معروفين ومشهورين يستشهدون بأقوال هؤلاء ويقبسون منها وبرصعون بها أحاديثهم ومقابلاتهم التلفزيونية والإذاعية ومحاضراتهم ومقالاتهم وبحوثهم الفكرية، وقد باتت أقوالهم تدرس في جميع المدارس والمعاهد والجامعات. ولا يخلو أن تجد ضباط أمن صغاراً وكباراً يتنطعون للحكم على المثقفين والمفكرين وعلى إنتاجهم: فهذا علاك وذاك (…. = كلمة نابية) وذلك عميل … إلخ الأحكام النقدية الرفيعة التي تتبناها دوائر الرقابة في وزارات الإعلام واتحادات الكتاب والصحفيين ووزارات الثقافة في الدول الشمولية.

[4] – راجع محمد عابد الجابري في “نقد العقل السياسي” وجورج قرم في “تعدد الأديان وأنظمة الحكم”

[5] – عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 1981، ص 5

[6] – المصدر نفسه، ص 6

[7] – هيغل، أصول فلسفة الحق، المجلد الأول، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة،ص 106

[8] – هيغل، المصدر السابق نفسه، ص 110 – 111

[9] – راجع، هيغل، مصدر سبق ذكره، ص 114

[10] – هيغل، مصدر سابق، ص 116

[11] – المصدر السابق، ص 117 – 118

[12] – الفساد هو المعادل الأخلاقي للاستبداد، تكف معه الدولة أو تكاد تكف عن كونها كائناً أخلاقياً. واللافت للنظر أنه لم يفكر أحد في بلادنا بعد بالإصلاح الأخلاقي. ولم يدرجه أحد بعد في سلم الأولويات. مع أن الجميع يلاحظون العلاقة الطرية بين نمو الفساد وانحطاط الأخلاق. ولم يقترح أحد بعد تدريس مادة التربية الأخلاقية بدلاً من التربية القومية الاشتراكية مثلاً في جميع مراحل التعليم.

[13] – يلاحظ هنا أن الأمة هي القاسم المشترك بين هذه الشعارات، وهو ما يطرح ضرورة تفكيك مفهوم الأمة ونقده وإعادة تعريف الأمة بدلالة قيم الحداثة وأفكارها ومناهجها ومنجزاتها.

[14] – راجع العروي مصدر مذكرو ص90

[15] – المصدر نفسه، ص 114

[16] – راجع عبد الله العروي، المصدر السابق، ص 171

[17] – المصدر السابق، ص 60

[18] – عن العروي، مرجع سابق، ص 68

[19] – راجع العروي المصدر السابق نفسه، ص 141

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق