الــعــــــــار / عباس بيضون

العار.. هو الاسم الذي أطلقته أسبوعية «أخبار الأدب» المصرية على حادثة سرقة «زهرة الخشخاش»، لوحة فان غوغ من متحف محمود خليل، وهو مصري ثري شيّد القصر ولم ينجب وأنفق على شراء لوحات من المدرسة الانطباعية لفان غوغ ومونيه وسيزان وهي المدرسة الرائجة في أيامه، وأهدى القصر للدولة ليكون متحفاً بعد وفاته.

ظل القصر متحفاً إلى أن خطر لرئيس الدولة انور السادات الذي كان يسمي المصريين أولاده أن يستأثر بالقصر لسكنه. أليس «أبا المصريين»، فلماذا لا يحلّ في أعاليهم؟ أما بعد رحيل السادات غيلة فقد وجد من أحصى اللوحات فوجد بعضها ناقصاً. وهذا البعض لكبار الانطباعيين مثل فان غوغ ومونيه، واستعصى السر على الجميع الا ان بعض الآراء ذهب إلى أن السادات، وهو ابن بلد بصحيح، قد يكون قدم هذه اللوحات هدايا لنظرائه في أسفاره الكثيرة إلى بلادهم. فابن البلد كما تعلم شهم سخيّ ولو أفضى سخاؤه إلى إهدار العزيز الغالي. ومن العزيز الغالي لوحات مونيه وفان غوغ، إلا ان السادات في سخائه تجاوز القيمة التاريخية والفنية والمالية للوحات، واستعملها كبعض مقتنياته.

لم تثر للصحافة ثائرة يوم كُشف ما نقص من متحف محمود خليل. فقد كان الرئيس «شهيداً» ولم يكن هناك مجال للعبث بسمعته. أحصت ما نقص بدون تعليق وبدون اتهام صريح. اما لدى سرقة لوحة عائدة لفان غوغ مؤخراً فقد كان الوقت مناسباً لتنفجر الصحافة عن هذه المرة ولكن أيضاً عن المرة السابقة. هكذا حملت «أخبار الأدب» عنوان العار.

لكنها ليست المرة الأولى التي يفقد فيها أثر ثمين، فقد حدث أن اثارت «أخبار الأدب» حادث فقدان مخطوطة تاريخية ثمينة ولم تُعرف بالضبط عواقبها. أما هذه المرة فقد وُضع أمين المتحف في السجن لكنه رمى تهمة الإهمال على وزير الثقافة (وهو من أهل البيت)، وهي تهمة تنصل منها الوزير. فقد روى أمين المتحف أنه نبه الوزير إلى عطل في كاميرات المتحف، لكن الوزير سها أو تغاضى.

نذكر في السياق أن اللوحة المسروقة عائدة إلى المتحف وليس مؤكدا أنها أصلية. نضيف أيضا أنها ليست المرة الأولى التي ترمى فيها تهمة العبث بالتراث الثقافي، فقد علت صيحة حول ترميم تماثيل فرعونية خالدة بينها تمثال رمسيس نفسه ولم نعرف أيضا النتائج. التهمة في كل مرة تقع على شخصية سياسية أو فكرية. لكن الأمر لا يتعدى الشبهات والعواقب غالبا مجهولة، فالشخصيات التي تحاط بالشبهات اهم من أن توضع في قفص أو تتعرض لمحاكمة. هكذا تجري هذه الأخبار مجرى النمائم أو الشائعات فتبقى كالدولة نفسها تحت شبهات دائمة ليس هناك من يمحّص فيها أو يفضي بها الى خاتمة. ثم ان ميزتها الأولى هي ان أبطالها غالبا ما ينظرون إلى التراث كأنه ملك خاص أو أنه مقتنى شخصي، خاصة عندما يكونون من الساسة. فهؤلاء جميعا، آباء أو أبناء، ما وصل إلى أيديهم، كذلك الدولة، ميراث عائلي.

العار هو العنوان الذي حملته أخبار الادب لحادثة سرقة «زهرة الخشخاش». العنوان كما نرى حاد وفضائحي. يمكننا أن نتبنّى العنوان نفسه لتجارة الآثار في لبنان، التي أدت إلى سرقة رموز أثرية هامة، وحلولها زينة في الدارات والقصور أو في أسواق الفن العالمية. ليس هناك من يحصي هذه الآثار المفقودة، فقد انتزعت من باطن الأرض في غفلة من الدولة والمجتمع وسوّقت بالأسلوب نفسه، فهي لم تعدّ لتفقد ولم تحصَ لتنقص. بل نحن إلى الآن لا نعرف ماذا خسرنا وماذا فقدنا، من القاعة الأشورية في متحف لندن إلى الآثار الفرعونية في فرنسا إلى آثارنا المتفرقة في كل مكان.

نجد لنا صوراً في الخارج بينما نبحث عن صورنا في الداخل فلا نجدها. صورنا في الخارج هي الصور الوحيدة التي نساجلها بدون ان نقابلها بصورنا نحن التي صنعــناها لأنفســنا. ربما لا نفعل في الأدب شيئا آخر. إن العربي في الســينما الأميركية أو الإسرائيلية هو ما يستفزنا عن حق . لكن أين هي صورتنا للعربــي وأين نجدها؟ إنها فقط إنكارنا للصور الأخرى التي تصــنع لنا. للآخرين أفكار عنا ولا نملك افكاراً عن أنفسنا، بل نحن شيء ما بالنسبة إلى الآخرين. شيء ما، هيكل ما، مهما اختلّت نســبه أو تباعدت، لكننا لسنا شيئا عند انفسنا. فنحن الذين ندافع بلا انقطاع، نبني كما يفعل الآخرون بنا على جزئية صغيرة هيكلاً كــاملاً ونعرّف أنفسنا في الغالب بواحدٍ من كليشيهاتنا وعناوينــنا. كليشــيهات وعناوين فولكلورية، فنحن نواجه العالم النابذ بالأدعيــة والفولكلور. صورتنا في الداخل قد تكــون ضبابيــة غامضة كنهب المتحف العراقــي والمتاجــرة بآثاره في أسواق الدنيا.

 

عن ملحق السفير الثقافي 17/9/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق