الــمــرشــد الــعــامّ وشــعــار”الإســلام هــو الــحــلّ”

طرحت الثورات العربية قضايا جديدة ليس عربيا فحسب بل كذلك دوليا، وصعب حتى على أهل الاختصاص رصدها، والتنبؤ بتطوراتها وآفاقها.
تأتي في مقدمة هذه القضايا قضية الحرية والكرامة، وقد تبوأت الصدارة في الشعارات التي رفعتها الجماهير الثائرة، وأشعلت بها فتيل الثورة، ولم تمرّ سوى شهور قليلة على انطلاق قطار الثورة من تونس حتى طفت فوق السطح إشكالية أخرى أشدّ تعقيدا، وأعني الثورات العربية ووصول الإسلام السياسي إلى السلطة، وهي مطروحة بحدّة اليوم في تونس،   ومصر، وليبيا، وغدا في سوريا واليمن، وبعد غد في البحرين والجزائر، والبقية تأتي.
جاءت خطورة المسألة في ارتباطها بصبغة الدولة :
هل ستكون دولة مدنية، أم سيحوّلها الإسلام السياسي إلى دولة دينية؟ 
إنّ الخوف الذي انتشر في صفوف النخبة السياسية والفكرية خوف مبرّر بعد أن تعالت أصوات هنا وهناك بإحياء دولة الخلافة!
إنّ معالجة مثل هذه القضايا الشائكة تستلزم العودة إلى الماضي القريب لفهم مثل هذه المسائل التي تطفو فوق السطح بحدة، وتفاجئ الجميع، مع التذكير في هذا الصدد بأنّ نشاط المؤسسات الإسلامية التي عرفتها الأقطار العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى ثلاثينات القرن الماضي كاد ينحصر في العمل الخيري، والتربوي، والدعوي، ولم يهدف القائمون عليها إلى الوصول إلى السلطة باستثناء الحالات التي التحمت فيها الدعوة الدينية بالعصبية القبلية، كما هو الشأن في التحام المذهب الوهابي بعصبية آل سعود، أو التحام الظاهرة القبلية بالمهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا.
تغير الوضع مع تأسيس حركة الإخوان المسلمين في مصر في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، ثم انتشارها في كثير من الأقطار العربية لتتحول مع الزمن إلى تيار فكري إسلامي عالمي خرجت من عباءته حركات متنوعة معتدلة ومتطرفة مثل الحركات الجهادية، وفي أحضانها ولد الإسلام السياسي، ويرى أنصاره أنه لا يمكن تحقيق أهدافهم إلا عبر الوصول إلى السلطة، وبدؤوا يسعون في سبيل ذلك منذ ستة عقود، ودفعوا ثمنا باهظا في عقر دارهم، مصر. فعاشوا مآسي متكررة منذ محنتهم الأولى في المرحلة الناصرية : 1954، ثم تكررت عام 1965، وتواصل المسلسل في مصر، وفي كثير من الأقطار العربية الأخرى : سوريا عام 1982، الجزائر، ليبيا، وتونس في التسعينات. 
جاءت الثورات العربية لتنعش حلما قديما، وتفتح الباب على مصراعيه لتحقيقه ليس عبر التنظيمات السرية المسلحة، وإنما عبر انتخابات ديمقراطية، وقد أفادوا في هذا الصدد من عناصر موضوعية متعددة، ومن أبرزها :
غياب القيادة السياسية الناضجة للثورات العربية غداة انطلاقها.
تجربتهم في العمل الشعبي، وكذلك الشعبوي.
شرعية المعتقل، والتعذيب، والمنفى.
التدهور الاقتصادي والاجتماعي بعد طغيان ظاهرة الفساد المافيوزي.
ظاهرة انتشار الفكر الغيبي الأسطوري، وقد سعت النظم الاستبدادية، والنظم المحافظة في الوطن العربي على نشره عبر الفضائيات قصد إلهاء الشعوب عن قضاياها الحقيقية.
ضعف التيار القومي العروبي، وقد شوهته نظم استبدادية حملت شعارات قومية، وهي في حقيقة الأمر لا علاقة لها بالقومية، ولا بالعروبة.
ضعف التيار اليساري الذي غرق في التنظير، ونسي واقع حياة الناس اليومية.
تجاربهم الثرية في الإفادة من تربة دينية خصبة هم من أدرى الناس بحرثها،    وإنبات ما يخدم أهدافهم. 
* * *
اطمأن الناس، واستبشروا خيرا لما قرؤوا الأحاديث الصادرة عن بعض قادة حركات الإسلام السياسي، مؤكدين احترام مبادئ الدولة المدنية، وقواعد اللعبة الديمقراطية، بل ذهب بعضهم بعيدا قائلا : إن تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا هي النموذج المحتذى.
لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى بدأ الشك، وانتشرت الريبة، وتساءلت القوى الديمقراطية : إلى أي حد تستطيع حركات الإسلام السياسي أن تتطور، وتغير منهجها ليكون خطابها صادقا، ومعبرا عن اجتهاد جذري في فكرها، وتبنيها رؤية إسلامية مستنيرة تؤمن بضرورة تجديد الفكر الإسلامي ليكون منسجما مع تطور الحضارة البشرية ؟
ذلك ما سعى إليه رواد الحركات الإصلاحية منذ منتصف القرن التاسع عشر (الطهطاوي، خير الدين، الأفغاني، عبده، الكواكبي، الثعالبي، الطاهر الحداد وغيرهم).
لم تنتشر الريبة من باب الظن، وإن بعض الظن يتحول في مثل هذه الحالات إلى يقين، بل نتيجة أقوال صريحة، واستعمال مفاهيم تمتد جذورها إلى العصر الوسيط، مكتفيا هنا بالإشارة السريعة إلى النماذج التالية :
– جاء في حوار مطول مع المرشد العام للإخوان المسلمين نشرته إحدى الصحف المصرية دفاعه المستميت عن شعار الجماعة “الإسلام هو الحل”، فماذا يعني رفع هذا الشعار في الألفية الثالثة ؟ يعني بالضرورة تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية، في المجال التشريعي،   وفي أساليب تسيير شؤون الدولة، وكذلك في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتقسيم العالم في مجال العلاقات الدولية إلى دار الكفر، ودار الإسلام ! 
أبادر إلى القول هنا : إن البون شاسع بين مقولة “الإسلام هو الحل” وبين الإفادة من المبادئ المضيئة في تراث الفكر السياسي الإسلامي، وهو تراث متنوع، ومتعدد الرؤى. من يرفع هذا الشعار ماذا يبقي من مفهوم الدولة المدنية ؟
* * *
– لما سئل عن فصل عبد المنعم عبد الفتوح من الجماعة لأنه خالف موقف مجلس الشورى الذي قرر ألا يرشح أحدا من الإخوان للرئاسة لم يكتف بالقول لأنه خالف قرار مجلس الشورى، وهو قرار حكيم، والفصل في مثل هذه الحالات يحدث في كل الأحزاب، ولكنه قال لأنه “خالف عهده مع الله”.
هذا هو الخطاب الذي يزرع الخوف لأنه يخلط بين شأن سياسي دنيوي وبين الحكم على ضمائر الناس، هو خالف عهده مع جماعته، وليس مع الله. من قال لنا إن الأستاذ عبد الفتوح قد أبرم عهدا مع الله ؟ 
عندما يتم الخلط بين الدين والسياسة لا نستغرب أن يلتجئ الناس إلى الفتاوى في مجال العمل السياسي، فقد بحث شباب الإخوان عن فتوى تبيح لعبد المنعم عبد الفتوح الترشح !
– استعمل في حديثه عمن سيرشح للانتخابات البرلمانية مفهوم “النائب الرباني”، ولم يفدنا بمواصفات هذا “النائب الرباني”، كان من المنطق أن يتحدث عن النائب الوطني الذي سيسخر جهوده لخدمة مصلحة الشعب المصري الشقيق.
– تحدث الأستاذ المرشد عن “المشروع الإسلامي”، وعوض أن يفصل القول في ملامح هذا المشروع كي يطمئن المواطن المصري، وربما يتحمس للمشروع لخص الملامح في جملة واحدة “إن هذا النموذج أكبر ضمان حيث إنه بضمانة الله تعالى”!
وما المانع أن تأتي قوة سياسية أخرى وتدعي أن برنامجها بضمانة الله تعالى، وفي هذه الحالة كيف يعرف المواطن لمن أسندت “ضمانة الله تعالى” الحقيقية ؟ 
هنا نصل إلى بيت القصيد، وأعني ضرورة فصل الدين عن السياسة، ويصدع هو نفسه بحقيقة خالدة في العمل السياسي قائلا : “العمل السياسي دائما وأبدا فيه الصواب، وفيه الخطأ”.
إن الإيمان بهذه المقولة تقتضي الذود عن مبدأ فصل الدين عن السياسة، إذ أن الدين ليس فيه خطأ و صواب، والله أعلم.
* * *
من أبرز ما كشف عنه النص من مقولات تدعو إلى الاستغراب هو القفز على الواقع التاريخي، وتجاهل مفاهيم معاصرة للاستنجاد بأحداث تاريخية مر عليها أكثر من أربعة عشر قرنا !
– أعلمته السكرتيرة المسيحية بأن أصدقاءها المسلمين أعلموها بأن رئيسها الجديد سيطلب منها ارتداء الحجاب، وإذا رفضت فسيتمّ فصلها فاستغرب، وقال لها إنهم لا يعرفون دينهم، قولي لهم : إنه سيردّ لي “دين” النجاشي، فقد كنا مظلومين في بلدنا “فأمرنا النبي الكريم أن نذهب إلى ملك مسيحي لا يظلم عنده أحد، فلا تخافوا ممن يخاف الله”.
أشك أن الفتاة المسيحية قد سمعت بالنجاشي، أو سمعت بأن المسلمين قد التجئوا إليه. كان من المفروض أن يقول لها : أنت مواطنة كاملة الحقوق، وأنك تملكين كل الحرية في تصرفاتك الشخصية.
إن التوجه إلى أبناء وطنه من الأقباط قائلا : “لا تخافوا ممن يخاف الله” كلمة جميلة تبعث الاطمئنان في نفوس بني وطنه، ولكنها كلمة أقرب ما تكون إلى لغة “الوعظ و الإرشاد”، وبعيدة كل البعد عن الحقائق التاريخية التي عاشها المجتمع الإسلامي منذ مرحلة التأسيس.
* * *
المسلمون الذين قادوا الانتفاضة الشعبية في المدينة ضد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان (ر.)، وحاصروه أربعين يوما، ومنعوا عنه الماء واقتحموا عليه بيته، وقتلوه والمصحف بين يديه !! ألم يكن هؤلاء يخافون الله، وبينهم عدد كبير من الصحابة وأبنائهم، وقد تزعمها محمد بن أبي بكر، وهو من نساك عصره ؟ 
وكبار الصحابة الذين تحاربوا في موقعة الجمل، ثم في صفين، وقتل بعضهم بعضا، ونجد بينهم عمار بن ياسر، ونجد كذلك من بشّر بالجنة مثل الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله ألم يكونوا ممن يخافون الله ؟
هذه أمثلة قليلة من مئات المجازر التي قتل فيها المسلمين بعضهم بعضا نتيجة توظيف السياسة للدين في الصراع من أجل السلطة، وهي ظاهرة ليست خاصة بالإسلام، بل نجدها في جميع الأديان السماوية وغيرها.
لماذا العودة إلى الحقب التاريخية البعيدة، وأمام أعيننا اليوم فتن سياسية دينية تدور رحالها في كثير من الأقطار العربية والإسلامية.
من هنا جاء إلحاحنا على ضرورة فصل الدين عن السياسة إذا أرادت الحركات الإسلامية أن تسهم في تأمين استقرار البلدان الإسلامية، والمشاركة في تقدمها، وبناء مناعتها، وحمايتها بالخصوص من حرائق محتملة.
* * *
قد يبادر البعض قائلا : إن المسجد في الإسلام كان فضاء دينيا وسياسيا في الوقت نفسه، والبيعة العامة كانت تؤخذ في المسجد، هذا صحيح تاريخيا، ولكن المتمسكين بهذا التراث السياسي ينسون أن الزمن قد تغير، وأن للعمل السياسي اليوم منابر متعددة تتمثل في الفضاءات الحزبية والنقابية، وفي مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي لا بدّ من حماية المساجد من الخطاب السياسي لتبقى بيوت عبادة يذكر فيها اسم الله، فقد سجلت لنا مصادر التاريخ الإسلامي الجراح التي بقيت مفتوحة حتى اليوم نتيجة الزج بالدين في قضايا السياسة، وما يرتبط بها من صراع على السلطة.
إن الزمن قد تغير حتى بالنسبة للنص الذي ربط فيه الأستاذ المؤسس المرحوم حسن البنا (رسالة بين الأمس واليوم) بين السياسة والإسلام، “فإذا قيل لكم : هذه سياسة فقالوا : هذا هو الإسلام”، فلا بد من تنزيل هذا النص في ظرفيته التاريخية، فقد كانت المرحلة يومئذ مرحلة مقاومة الاحتلال الأجنبي، ووظفت فيها جميع حركات التحرر الوطني الدين لمقاومة المحتل، أما اليوم فالأمر يختلف جذريا، وبخاصة إذا صدقت النوايا لبناء دولة مدنية ديمقراطية تحت شعار “الدين لله والوطن للجميع”.
كيف يصدقهم الناس عندما يقولون : إننا تطورنا، وأصبحنا نقبل اللعبة الديمقراطية، وأحد قيادتهم يتحدث اليوم عن ضرورة توضيح “الضوابط الشرعية للدعاية الانتخابية”، فمتى عرف الإسلام النظام الانتخابي الحديث حتى نحكم في قواعده الضوابط الشرعية ؟
الإسلام دين هداية، وليس مشروعا سياسيا، تحول إلى مشروع سياسي لما بدأ الصراع على السلطة منذ مؤتمر سقيفة بني ساعدة حتى اليوم !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق