الـ “فتنة” مازالت نائمة – بلال خبيز

نخطئ حين نحسب أن فيلم «فتنة» معزول عن سياقات أوروبية أصبحت اليوم في طريقها إلى الرسوخ والثبات، فهذا ليس رأياً متطرفاً ومعزولاً، والسبيل الوحيد إلى عزله وتهميشه يتمثل أولاً وأخيراً بعزل المتطرفين وتهميشهم في بلاد الإسلام والمسلمين.

إذا قتل غيرت فيلدرز رئيس حزب الحرية في هولندا، هل سيكون قاتله فرداً اتخذ قراراً فردياً وهو مسؤول عن قراره أمام القانون جملة وتفصيلاً؟ أم أنه سيكون جزءاً بالغ الصغر من جماعة منتشرة في كل مكان، وترى أن التعدي الذي قام به غيرت فيلدرز على الإسلام يستوجب القتل عقاباً؟

ليس السؤال قانونياً بحتاً، فالقانون الهولندي، مثله مثل أي قانون في العالم، إذا استثنينا بعض البلاد العربية والشرق أوسطية، يحمّل الفرد مسؤولية أعماله، وينزع عنه، في أثناء محاكمته كل صفة أخرى تتصل بالجماعة والمنبت والمعتقد والنسب. القانون لا يستطيع العمل إلا حين يفرد الناس وينزعهم عن الحشد الذي يتحدرون منه، ويتعطل القانون حكماً حين تناصر الجماعة الفرد منها وترفض إفراده لتنفيذ حكم القانون به.

يعيش غيرت فيلدرز اليوم في حماية الشرطة، بعد تلقيه تهديدات تتصل بعرض فيلمه «فتنة» على أحد مواقع شبكة الإنترنت. ورغم أن الحكومة الهولندية لا ترى رأيه في الإسلام، ولا تجد في تعميماته المسطحة ما يمكنها الدفاع عنه، فإن الحكومة الهولندية تجد نفسها ملزمة في الدفاع عن حياته وحمايته. ذلك أن مثل هذه الحصانة لا تسقط عن المواطن حتى لو اقترف جرماً يستوجب محاكمته، ولو أن قاتلاً نفذ تهديداته بقتله، ونجح في ذلك، سيعامل أيضاً بموجب القانون كفرد له الحق في محاكمة عادلة.

لكن النقاش الفقهي والقانوني في حقوق الأفراد ليس سوى الشجرة التي تخفي الغابة، وواقع الحال، أن الرأي العام الغربي يتحول يوماً بعد يوم إلى نزع صفة المواطنين والأفراد عن المسلمين المقيمين في الغرب، وتحويلهم إلى جماعات متراصة، لا تفريق في ما بين أفرادها، والأرجح أن أخطر ما أتى به فيلم فيلدرز هو بالضبط هذا القلق من التزايد العددي للمسلمين في أوروبا. ثمة خمسون مليوناً يعيشون في أوروبا، هم قتلة محتملون، بالنسبة لهذا الرجل. وهو ليس فرداً معزولاً وثمة جموع كثيرة ترى رأيه، ولا يعصمها عن المجاهرة بمثل هذا الرأي إلا قوة القانون، وبالتالي يفترض التعامل معهم بحسب هذه النظرة المرتابة، وهي نظرة وصلت إلى أعتاب المؤسسات القانونية، بوصفهم يملكون أسباباً للتحول إلى إرهابيين، مما يستوجب التحوط منهم والحذر، مما يعني أن المواطنين المسلمين في هولندا وفي أوروبا عموماً باتوا يحملون وزر أنسابهم وأصولهم. لتصبح دمغة النسب التي يحملونها بمنزلة مضبطة اتهام جاهزة طوال الوقت.

هل تتحمل المجتمعات الأوروبية وزر هذا الاتجاه نحو بربرة مواطنيها المسلمين وحدها؟ الأرجح أننا أمام قضية معقدة وشائكة، لكن غيرت فيلدرز ليس معنياً بأن يفهم الإسلام والمسلمين، مثلما لم يكن آية الله الخميني معنياً بفهم المسيحيين أو اليهود. غيرت فيلدرز لم يعلن نفسه مرة باحثاً أو عالماً، إنه مجرد سياسي، وما الطلب إلى الأوروبيين المسيحيين والغربيين عموماً التعمق في الدين الإسلامي واكتشاف عظمته إلا ضرب من تحميل الأوروبيين ما لا طاقة لهم به. ذلك أن مسؤولية فهم الدين الإسلامي تقع على عاتق المسلمين الحريصين وطبعاً لا تقع على كاهل المسيحيين الغربيين، وأقصى ما يمكن أن يطلب من المواطن الغربي لا يتعدى مطالبته برفض التعميم القاتل، لكن المهمة الرئيسة في إعادة تظهير صورة للإسلام والمسلمين تختلف في فحواها ومعناها عن صورة قاتل المخرج الهولندي ليو فان غوغ، وتدين في سلوكها اليومي وأفكارها صورة أبي مصعب الزرقاوي وتقع هذه المهمة على عاتق المسلمين. وهذا جهد يفترض بالمسلمين ألا يتقاعسوا أبداً عن الشروع فيه، لأن معاقبة فيلدرز على ما يعتقده اليوم لن يجعل الغربيين يقتنعون بقدرة الإسلام على التسامح، وقدرة المسلمين على التعايش مع أنظمة الحكم الديموقراطية من دون أن ينتقص من إيمانهم شيء. مع ذلك ثمة اعتذار على السيد فيلدرز ومن هم مثله إعلانه جهراً، ليس لأنه يحمّل المسلمين مسؤولية العنف المستشري في العالم هذه الأيام، بل لأنه لم يلحظ أن ضحايا الزرقاوي كانوا في معظمهم من المسلمين.

نخطئ حين نحسب أن فيلم «فتنة» معزول عن سياقات أوروبية أصبحت اليوم في طريقها إلى الرسوخ والثبات، فهذا ليس رأياً متطرفاً ومعزولاً، والسبيل الوحيد إلى عزله وتهميشه يتمثل أولاً وأخيراً بعزل المتطرفين وتهميشهم في بلاد الإسلام والمسلمين، وعليه لم يعد جائزاً أن يمر المسلمون على خطب الدعوة إلى قتال الصليبيين واليهود ورميهم في البحر مرور الكرام.

نشر في جريدة الجريدة في 5/4/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق