الفتنة الطائفية والنيل… نبوءات هيكل / عيد اسطفانوس

الفتنة الطائفية والنيل… نبوءات هيكل / عيد اسطفانوس

تهكم الكثيرون على هيكل، عندما قال ان امن مصر القومي مهدد، والتهديد محصور في قضيتين، هما الفتنه الطائفية والمياه، ولم يمر العام على قولة الرجل، الذي اتهمه بعض (التلاميذ) حينها بالخرف، إلا وانجلى المشهد في القضيتين بكل التفاصيل كما توقعها (الاستاذ) تماما.

في القضية الاولى أياد كثيرة ملطخة بالدماء لا زالت حرة طليقة في الفضائيات والزوايا والشوارع، صنعت واقعا مريرا لاتخطئه عين،هو شرخ في جدار التعايش يتسع كل يوم بين عنصري الامة، هذا الواقع الذي لايراه أعوان النظام، ويرفضون بكل مكابرة مجرد الاعتراف به، ولازال فريق الفتنه يجوب البلاد طولا وعرضا، بعد أن إطمأنوا تماما إلى إنقضاء الشهر الرابع من بدء إجراءات تسويف آخر القضايا، نعم تسويفها لتلحق بسابقاتها في الأرشيف المهين، أرشيف دماء الضحايا الصارخين من قبورهم المطالبين بالقصاص العادل،في خمسين جريمة، ارتكبت في وضح النهار، وفشل الجميع شرطة ونيابة وقضاء، في العثور على شاهد إثبات أو مجرم واحد،بينما مرتكبوها يتباهون بها في ميكروفونات الزوايا. وربما لا يدركون أن قتل الناس، وحماية القتلة بمرجعيات دينية هو قمة العنصرية البغيضة، وهو وصمة عار في حق أي شعب وأي نظام حكم وأي نظام عدل، وستظل عالقة به، حتى ولو اغتسل بمياه الدنيا كلها، كما ظلت عالقة بالنازيين والعثمانيين والتتار والمغول إلى اليوم وستظل إلى الابد.

إن الظلم الذي يحيق بالاقباط جعل الحديث الذي كان بينهم خلف الجدران همسا عن المطالبة بتقسيم السلطة والثروة، تجاوزه الآن بمراحل، وأصبح على الميديا صياحا عن المطالبة بتقسيم الوطن، كل ذلك بسبب رؤوس الفتن، المعروفين بالإسم هم ومن يمولهم ويحرضهم، وبسبب الرؤوس المدفونة في الرمال والتي لا ترى أبعد من حوافرها،وبسبب الرياح الساخنة المحملة بالرمال ودولارات النفط القادمة مع العبّارات من شبه الجزيرة، وبالطبع سيجد الاقباط من ينتصر لقضيتهم في العالم كله وفي وطنهم أيضا، إما اقتناعا بقضيتهم العادلة وهو الغالب والصحيح، أو نكاية في المتطرفين الذين نشروا العنف والدماء، ونالوا كراهية الإنسانية كلها،أو كراهية في النظام نفسه الذي يفرض العقائد على الاطفال قسرا بمناهج دراسية،ويفرض العقائد على الكبار برفع الإيدي بتشريعات فاسدة، وحتى التدخل في أمور زواجهم وطلاقهم بأحكام قضائية،كل ذلك للتعجيل بإخراج السيناريو المشبوه الساعين إليه بقوة.

ولن يقف الامر عند هذا الحد بل ستتحرك نوازع نائمة بعيون نصف مغمضة لأعراق أخرى مقهورة ظلموها ظلم بين، أغتصبت أراضيهم وتم إقتلاعهم من أرض أجدادهم، بإدعاءات ثبت كذبها، وعلى مرأى منهم يتم منح أوطانهم هبات لغرباء، لم تطأ أقدامهم أبدا هذه الارض من آلاف السنين، وعلى الحدود في الجنوب والغرب، تتنمر أعراق تربطها صلات ليست خافية على أحد بظهيرها خلف الحدود، ناهيك عن بدو سيناء، وهم قنبلة على وشك الانفجار.

هذا هو السيناريو الذي يسعى إليه المتطرفون في مصر، هو نفس سيناريو السودان الذي أسسه الترابي ويقوده البشير، متبادلين الادوار ببراعة، بهدف واحد وهو الحصول على إمارة بأي ثمن،إمارة يرتدون فيها العمائم ويلوحون بالعصي والسيوف، ويقطعون عراقيب أرجل الجوعى الذين يتجرأون على بساتين أسيادهم في بحري، ولا يهم بعد ذلك أن يتشظى السودان كله جنوبا وغربا وشرقا، أو يذهب إلى الجحيم، وأما التراضي والغزل على الساحة بين الحركة الشعبية والبشير لا يحتاج إلى قدر كبير من الفطنة فكل سينال مراده، إمارة عمائم في الشمال للشيخ البشير، وولاية قبعات في الجنوب للخواجة سالفا، بالإضافة طبعا لمهزلة دويلة المخيمات في الغرب.

أما في القضية الثانية وهي الكارثة المحدقة بالجميع والتي نحن على وشك ادارتها بطريقة النواح ولطم الخدود وإهالة التراب على رؤوسنا ورؤوس الجميع، والصراخ وبث البيانات وسب الاعراق والشعوب والحكام، واتهام الجميع بالكفر والعمالة والمؤامرات، ولابأس من الزج باسرائيل وأمريكا والصين في القضية، كل ذلك لنبدو وكأننا فوجئنا بمؤامرة،كأنها كانت تحاك في الظلام الدامس ونحن نائمون، مع أن القضية عمرها أكثر من نصف قرن، وبعد أن قطعنا أوصال علاقات تاريخية مع كل دول القارة بسذاجة نادرة نعود الان للتهديد بالقوة، قوة الحناجر التي نملك رصيدا منها لاينتهي أبدا ولا نمل استعماله، مع أننا خسرنا كل القضايا الذي استعملنا فيها هذا السلاح (البتار)، وبات العالم كله يعرف أنه سلاحنا الوحيد.

ولقد شاهدت بعيني (مذيع فضائي) يستضيف (خبير مائي) وافتتحوا مكلمة فاسدة كال فيها (الخبير والمذيع) للشعب الاثيوبي كل انواع السباب،بما فيها التدخل في الشؤون الداخلية، وبالطبع الطريقة التي نجيدها في تأليب الاعراق بعضها على بعض، والتبشير بأن أثيوبيا على وشك الانفجار، وأن (العفر) قادمون و.و. بينما لم يقل (الخبير المائي) أننا نهدر المياه بسفاهة في نظم ري عقيمة بالية، لم يعد أحد في الدنيا يستخدمها، ونغسل السيارات بالخراطيم في الشوارع القذرة لنصنع الاوحال،ونزرع ملاعب الغولف في البوادي القاحلة، ونخزن المياه في صحراء درجة حرارتها سبعين درجة في الظل ونزرع محاصيل شرهة دون تخطيط، ونبيع ملايين الافدنة بملاليم بعناوين حمراء في الصحف -وليتهم زرعوها- وكانت النتيجة أن دول المنبع تعتقد أن لدينا فائض هم في حاجة إليه أو على الاقل إقتسامه، أما خبراء الري الذين حذروا من الموقف من عشرات السنين فقد أقصوهم لأسباب يعرفها الجميع، ولا ينتظر ظهورهم على الميديا لانهم سيقولون الحقيقة.

وحتى لو افترضنا موافقة دول الحوض على مطالبنا اليوم ترى بعد كم سنة سنطلب تعديلها، في ظل سباق التناسل الرهيب لمضاعفة أعداد جيوش المرضى والمعاقين والجهلة والبلطجية وأطفال الشوارع وبسببهم أصبحنا مضطرين لاستجداء الغلة العطنة من كل شعوب الارض .

في نفس الوقت كان يزور مصر رئيس الكنيسة الاثيوبية، وعدا زيارته لرئيس الكنيسة المصرية، لم تكلف الدولة نفسها حتى من باب الذوق ان ترتب له زيارة الى اي مسؤول، بينما استقبله بشار الاسد في سورية استقبال رؤساء (وليس بينهم مصالح)، وعندما زار رئيس الكنيسة المصرية اثيوبيا قبل عامين استقبله رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء استقبالا لائقا وهم يفصلون تماما بين الدين والدولة.

لاشك أننا نحصد نتائج السباب والتطرف وتديين القضايا على الفضائيات، ونتائج العشوائية والعنتريات الكاذبة على الأرضيات، ونتائج ألعاب الفهلوة من المهرجين في (السيرك) الدبلوماسي الذين يضعون رقاب الشعب المصري كله، تحت رحمة هواه، هواه دمروا العلاقات بين مصر والجزائر بسبب مباراة للعب الكرة،بل بين مصر وكل محيطها، وسوف يدمرونها بين مصر وأثيوبيا،وكل دول الحوض التي تكن لنا عداء نحن نعرف أسبابه،وربما تذكرون حربا أهلية وصراعات ومذابح جرت على ضفاف البحيرات العظمى دامت سنوات ولم نفكر بمساعدة هؤلاء البشر بصندوق دواء أو بطانية أو حتى 'باكو' بسكويت منتهى الصلاحية لطفل مشرد، أسوة (بإخوتنا في الله) في البوسنة والشيشان، الذين جمعنا لهم التبرعات، ودعونا لهم في الميكروفونات، وارسلنا المجاهدين وصورنا الطائرات على الميديا وهي محملة لهم بأطنان الدقيق والزيت، ترى ألم يكن هؤلاء أيضا جيراننا في النهر و(إخوتنا في الإنسانية) ؟

إن تلك العلاقات التاريخية التي عرف محمد علي أهميتها منذ قرون، ولم يكن يملك وزارة للخارجية متخمة بجيش من الدبلوماسيين وسفارات فخمة وسيارات فارهة وبرج على النيل،هذه العلاقات نسيناها، وانكفأنا على قضايا يثيرها فارغو العقول والقلوب،وتجار الميديا، قضايا عفى عليها الزمن، يثيرها باعة الصحف الصفراء،قضايا الإسدال والأسمال، ومحاكمات المليونيرات والغواني،وتجار الحسبة و'الحوتسباه'، وها هي النتيجة على الساحة، سحبوا رصيد الشعب المصري الخالد من القارة السمراء، هذا الرصيد الذي تراكم من حتشبسوت الى عبد الناصر، تراث خالد من التعايش والاخوة والسماحة والتضامن، وكانت القاهرة هي العاصمة الثانية لهيلاسلاسى ونكروما وبن بيلا وكيتا ولومومبا وسنغور وسيكوتوري وغيرهم وغيرهم.

أن مصير أي شعب يتوقف على توافر مقومات أساسية، أهمها الوحدة ورغيف الخبز وشربة الماء، الان وحدتنا مهددة بالتفسخ، وطوابير الخبز تستطيل كل يوم،وشعبنا مهدد بالعطش، هذا هو حال (أم الدنيا) وما وصلنا إليه في ظل أوضاع ساد فيها الفسدة والمتطرفون والمحاسيب واستولوا على مقدرات الوطن وعبثوا بها،وتغلغلوا في مؤسساته بشعارات كاذبة، استعدت علينا كل الامم، شعارات أصّلت للنصب والاحتيال على البسطاء المطحونين لتلهيهم عن واقع أليم أوصلهم لبرك الدماء في الشوارع ورغيف خبز تعافه الدواب وشربة ماء مصيرها مجهول.

 

عن جريدة القدس العربي 4/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق