الفرديّة… والآنتي فرديّة

من المعروف والمتداول ثقافياً أنّ هناك نزعة فردية تتمثّل في الدفاع عن حرية الفرد الواعي بذاته والقادر على اتخاذ قراراته وخياراته المختلفة في الحياة. وتصنّف المجتمعات الغربية عموماً على أنّها مجتمعات ذرّية قائمة على الفرد كـ لبنة أساسية يقوم عليها المجتمع في مقابل المجتمعات التي تقوم على فكرة الجماعة (كالمجتمع العربي) حيث يذوب الفرد في جماعات أكبر منه وأوسع، وليس أقلّها الأسرة أو العائلة، (حيث الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع وليس الفرد) ويكون الفرد هاهنا خاضعا لاعتبارات الجماعة، فكرياً وعقائدياً وحتى سياسياً.

لنفحص هذه التمييزات والتصنيفات العامة التي تُقدم على أنّها بدهيات أولية في عمليات التحليل الاجتماعي المقارن.

يخلص هربرت ماركيوز في كتابه الشهير “الإنسان ذو البعد الواحد” إلى أنّ الفرد في العالم الغربي الصناعي المتقدّم يعيش خاضعاً لنظام اجتماعيّ سياسيّ اقتصاديّ قائم على الاستهلاك، يلغي حرية الفرد ويجعله تابعاً شعورياً أو لاشعورياً لآليات الاقتصاد الاستهلاكي الحاكمة، وهذا ما يسمّيه الجانب اللاعقلانيّ للعقلانية، ممّا دفع ماركيوز إلى أن يضع رهانه على الفنانين والملوّنين والسود والمهمّشين للقيام بالثورة التي تعيد للفرد حريته المنتزعة باسم العقلانية، تلك العقلانية اللاعقلانية التي تعطي للأفراد شعوراً مزيّفاً بحرّيتهم والسيطرة على حياتهم، في الوقت الذي تسيطر هي فيه على تلك الحياة.

ونحن إن كنّا نتفق في بعض النقاط مع هذه النظرة التي يقدمّها ماركيوز، إلا أننا سنتناول الموضوع من زاوية مختلفة .

إذا كانت النظافة والنظام كما يناقشهما فرويد في كتابه “قلق في الحضارة” من أهمّ محدّدات الحضارة، فإنّ الحضارة الغربية تنبني فعلاً على تلك المحدّدات، ولكنّ النقاش الفلسفيّ لفكرة النظام سيجعلها تصطدم حتماً بالفردية وحرية الفرد، فالمجتمع الغربي هو مجتمع مؤسّسات، مؤسّسات تصنع الأفراد، ولا أهمّية للفرد خارج المؤسسة، فالمؤسسات التعليمية تصنع العلماء، والدينية تصنع اللاهوتيين، والأحزاب تصنع القادة، والمؤسسات التجارية تصنع المستهلك، ولا شيء خارج الهيئة والمنظمة والجمعية والحزب والمدرسة، أي لاشيء خارج ما هو منظّم، ولذلك استحقّت ظواهر المهمّشين والمجانين والمنبوذين ومن على شاكلتهم اهتمام، بل ولع، عدد غير قليل من الفلاسفة كظواهر هي إذا صحّ القول “خارج النظام”، على هامش الحضارة وربّما فضيحتها، وبكون التقدّم يقوم فعلاً على الحرمان فإنّ فرويد مثلاً لم يحسم أمره بشأن الحضارة، ولكنه لاحظ تلك الملاحظة الثاقبة بأنّ الشعور بالذنب نتيجة الخصاء الحضاري والحرمان الفردي سيكون لصيقاً بالحضارة، ربما كلعنة لها.

وبالمقابل فإنّ مجتمعا كالمجتمع العربي لا يرتكز على النظافة ولا النظام (مع أنّ النظافة من الإيمان)، وفي الوقت الذي يُصنّف فيه على أنه مجتمع جماعوي آنتي – فردي، فلا صوت فيه للفرد ولا حرية ولا حقوق تصون الكرامة وتصون الحياة، فإنّه وبنفس الوقت من أكثر المجتمعات فردية في العالم، فابتداء من الله وانتهاء بأكثر المهمّشين إقصاءً ليس هناك سوى الفرد والفردية، فلا أحزاب تفرز قادة، ولا مؤسّسات علمية تفرز علماء، ولا حقوقية لتهتمّ بالأطفال والنساء ومن ضاعت حقوقهم، ولا جمعيات أهلية تنمّي روح التعاون الجماعي، كلّ شيء فرديّ حتى ضمن تلك المؤسسات الشكلية إن وجدت، يبدو المجتمع العربيّ من عاليه إلى سافله كمجتمع من المهمّشين بالقياس إلى الأفكار السابقة، فالقرارات تصدر فيه ابتداء من أصغر قرار شخصيّ حتى أكبر قرار حكوميّ ليس فقط بشكل فرديّ بل في أغلب الأحيان اعتباطيّ، وليست في إطار العقل أو اللاعقل – كجزء سالب للعقل- بل هي خارج إطار العقل إطلاقاً، هي وحي يوحى، مشاعر وعواطف وضربات حظّ، إشارات ربّانية وتوفيقات من الله “سبحانه وتعالى”.

إنّ نقاش فكرة الفردية يحيلنا إلى نقاش فكرة الحرية على اعتبار أنّ الحرية هي الفضاء الذي تتحرّك فيه الفردية، ولكن كيف تتحدّد فكرة الحرية هذه؟ هذا ما سيتمّ نقاشه، لأنّه ومن موقفنا من الحرية تنبثق أفكارنا حول الفردية.

والسؤال هنا هو، هل الحرية في الخلف أم في الأمام؟ هل هي كما انتهت إليها فلسفة هايدغر بمرجعها النيتشوي أم كما عبّر عنها ماركس وخطّه الهيغلي؟

إن الجنّة التي ينتظر دخولها المؤمنون، وكما وصفتها الديانات، هي في الخلف لا في الأعالي ولا في الأمام، هي خلف الكائن البشري وقبل أن يأكل من شجرة المعرفة ويغترب عن عالمه الأصلي العالم الحيواني، عالم الغابة بجنانها ومياهها وخضارها، هناك حيث الحرية بعدم المعرفة، وحيث كان يعيش أنكيدو قبل أن يتركه صديقه جلجامش مدركاً انفصاله الذي لا رجعة عنه عن الطبيعة، الطبيعة التي يتغزّل إريك فروم بالعودة إليها “عن طريق الحبّ” بعد انفصال الإنسان العاقل عنها مرّة وإلى الأبد، وما تقدّمه الجنّة، كما تصفها الديانات، هو مفهومٌ بدائيٌّ للحرية، فلداخليها من المؤمنين، النساء الحوريات والخمور المعتقة إلهياً وكل ما يُحرم منه المؤمن في حياته الدنيا.

يكتب ألبير كامو في “الإنسان المتمرّد” وفي مقارنة فلسفية ثاقبة بين ماركس ونيتشه، “أراد ماركس خضوع الإنسان للتاريخ وإخضاع الطبيعة، في حين أراد نيتشه وعلى العكس إخضاع التاريخ والخضوع للطبيعة”.

ينتصر ماركس للعقل العلميّ الخائف من الطبيعة ولذلك فهو (أي العقل) يحاول إخضاعها والسيطرة عليها دون كلل، بينما ينتصر نيتشه للإرادة، للإنسان المتفوّق السيّد، الذي يلوي عنق التاريخ ويُخضعه لإرادته ولكن بخضوعه هو للطبيعة، ولذلك فهو يتحسّر في “زرادشته” على فقدان الأمل المطلق من أن يصبح كلّ إنسان سيّدًا، متفوّقا على ذاته دائماً ودون كلل.

إذا كانت فلسفة ماركس أبرزت أنّ الحرية هي وعي الضرورة وتجاوزها في حركة تاريخية نحو الأمام ومساوِقة لاتجاه الزمان، فإنّ فلسفة هايدغر تشي، على العكس، بأنّ الحرية هي في عدم وعي الضرورة. “ما حاجتي للمعرفة” يصرخ أوديب، وما الذي أضافه الوعي سوى الشقاء والانفصال والاغتراب. يُفصح أستاذ نيتشه “شوبنهاور” عن هذه الفكرة ببساطة فـ “كلما ازددتُ علماً ازددتُ ألماً”. إنّ فلسفة هايدغر، وبشكل أعمق نيتشه، هي إن صحّ القول فلسفة شخصيّة “للأشخاص” في حين فلسفة ماركس وهيغل هي فلسفة للعموم وللتاريخ، ولذلك فإنّ الوعي الفلسفي الغربي المعاصر وصولاً إلى آخر الموتى “ديرّيدا” هو وعي من أُشبع من التاريخ والضرورة والعقل والعلم، وتفرّغ لميتافيزيقا الذات، الذات المتعالية أمام العالم، ذاتٌ فقدت الأمل من غوغائية البروليتاريا وأيديولوجيا الجموع، وباتت تتفلسف للشخص، بعد أن صار شخصاً، فالإنسان لا يولد إنساناً كما يعبّر هايدغر، بل يصبح إنسانا، وفي قمّة الوعي الفلسفي عند نيتشه يتحوّل الفيلسوف إلى طفل أو إله -لا فرق- لأنّ كليهما يلعب، “لعبة زوس” خارج الزمان وفي مواجهته.

إن الحرية التي تحدّث عنها ماركس هي حرية الإنسان من الطبيعة بالابتعاد عنها وتسخيرها لخدمته، ولكن الإنسان ها هنا منظور إليه ككل لا كفرد، وهو الإنسان في التاريخ، ولذلك كان التقدّم هو العنوان الرئيس لدى كافّة الماركسيين وحرية الفرد هي تابع لحرية المجموع ومرتبطة بها بلا انفكاك، وهذا الخط يجد أصوله عند هيغل، فالأفراد بأزماتهم وكوارثهم، أفراحهم وإنجازاتهم، ليسوا سوى مراحل ضرورية لتحقّق الفكرة المطلقة ذاتها عبر رحلتها في العالم لتعود أخيراً إلى ذاتها.

بينما نجد العكس في الخط الفلسفي لهايدغر، حيث الحرية فردية بامتياز وهي علاقة ميتافيزيقية للذات بالعالم، الذات وقد تعالت على المجموع، ولذلك فقد كانت النازية السياسية هي المصير الحتميّ لفلسفة هايدغر كما أرادها، فالنازيّ هو الفرد الذي يجد ذاته أرقى وروحه أصفى وأخيراً عرقه أنقى من الآخرين، ولكن في النهاية بحثاً عن ماذا؟ هو بحث عن عالم ليس في هذا العالم، عالم من المصطفين والبشر المتفوّقين، هو ذاته العالم (الجنّة) الذي تبحث عنه الأصولية الإسلامية على طريقتها.

ولكن ما الذي تجده هذه الطريقة في البحث عن الحرية إذا ما أوصلناها إلى أقصاها؟ إنه وبالضبط العدم والعدمية، إنّه الموت، عودة المادّة العضوية إلى حالتها اللاعضوية ولذلك قلنا إنّ الحرية هي بهذا المعنى في الخلف لا في الأمام، وهي بعدم وعي الضرورة، بل وبالعلاقة العبثية معها.

إذا أزحنا التبنّي السياسي المتطرّف للفلسفة، الذي أوصل فلسفة ماركس عبر ستالين إلى نفس الطريق الذي وصلته فلسفة نيتشه عبر هايدغر إلى هتلر، والذي يمكن تبريره وتبرئة الإثنين (ماركس ونيتشه) مثل براءة أينشتاين من قنبلة هيروشيما وناكازاكي، ماذا يبقى؟

طريقتان لوعي الحرية وبالتالي طريقتان لفهم الفرديّة، ففي العالم العربي هناك فرديّة، فرديّة فرد وحيد وذرّي ومنعزل أمام العالم يبني علاقة عبثية مع الضرورة، تقوم على اعتباطية القدر ووثوقية المكتوب، علاقة تقوم على الثقة بكتابات الله وانعدام الثقة بالحياة، حياة مُخططة بالجملة بيد الله وليس فيها أيّ تخطيط بعيد المدى أو نظام على يدي الإنسان، إنسان همّه انتهاز الفرص ليعيش ولتذهب الأجيال اللاحقة لجحيم الأزمات، بينما نجد الفرديّة في العالم الغربي فردية تنبثق أصلاً من نظام جمعيّ، من عالم مخطط بشكل مسبق ابتداء من إنجاب طفل وانتهاء بشوارع المدن، الفرديّة على هذا الأساس هي خيار فردي لاحق، بعدم الالتزام بموقف الجموع، وهي موقف أمام العالم وتجاه الوجود، بينما الفرديّة لدينا هي خيار سابق للتجربة أو هي ناتج لانعدام الخيار، وهي التزام بموقف الجموع التي ليس لديها موقف (لا في السياسة ولا في الفلسفة).

هناك إذاً فرديّة في المجتمع العربي، ولكنها فرديّة الوجود الزائف الذي تحدّث عنه هايدغر، فالوجود الأصيل هو في عالم آخر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق