الفكر العربي وغياب البعد التاريخي

يعلمنا تاريخ البشرية أن الأخلاق تمثل دائما واحدة من الدعامات الأساسية لكلّ تقدّم بشريّ، ففضائل الأمة ومكارم أخلاقها هي مصدر قوتها وتماسكها ومنارتها التي تدلها على سبيل التطور والتقدم، وكلما غابت الأخلاق والقيم كان ذلك إيذانا بانهيار الدول وانحلالها وتفكك عراها. نميّز في الأخلاق بين واجبات تجاه الذات، وأخرى تجاه الغير، تقوم الواجبات تجاه الذات على أساس تثقيف الذات وانتزاعها من كل أشكال الوصاية والترفع عن كل ما يذهب العقل من طعام وشراب، والمحافظة على الحياة، والبحث عن الكمال الأخلاقي من خلال إتباع مبادئ العقل لا دوافع الرغبات والشهوات. أما النوع الثاني الذي يتوجه إلى الغير الذي يعيش إلى جانب الذات يتقاسم معها المصير نفسه، فيمكن إجماله في واجبات الحبّ والاحترام والتعاطف والتسامح والتعايش والتواضع والأمانة والصدق والوفاء والصداقة…، نحن هنا أمام أخلاق ذات وجهين يتكاملان في تحقيق السعادة للفرد مع ذاته أولا، ومن ثمّة سعادة المجتمع ثانية من جهة، وأيضا أمام حقوق للذات وحقوق للغير، والواجب الأخلاقي الإنساني يفرض أن تبقى هذه الثنائية متلازمة في كل وعي أو سلوك بشري.

من خلال هذا التقديم يظهر أنّ حديثي سيدور حول مبحث القيم والأخلاق من وجهة نظر فلسفية، وبما أن المجال لا يتسع للحديث عن فلسفات الأخلاق مجتمعة، فسأقتصر على النموذج الحداثي، وأنا أعرف أن الكتابات حول الحداثة وقيمها السياسية والأخلاقية ما فتئت تترى داخل الساحة العربية، لكنني أتمنى ألا تكون مقالتي ترفا فكريا لا يضيف للقديم جديدا، توقفي عند الحداثة ليس بغاية تعداد القيم الأخلاقية والسياسية ومعانيها…، فهذا متوفر في كتب الفلاسفة بشكل أفضل وأدق مما سأقدمه بالتأكيد، بل للحديث عن الشغل الشاغل لأغلب المفكرين العرب الذين اهتموا بالمسألة.

يتعلق الأمر بالطريقة التي عبرها يمكن بثّ القيم الفكرية والأخلاقية والسياسية في الوعي العربي الجمعي، وهي مسألة لم تثر اهتمام المفكرين والدارسين فحسب، بل إنها تمثل غاية كل من التربية والتعليم وهدفهما، الجميع يشتغل، أهل الفكر بالكتابات والنشر، وتوظف الدولة كل إمكانياتها من خطباء وأئمة ومرشدين ومدرسة ووسائل إعلام مرئية ومكتوبة ومسموعة لتكريس هذه القيم، كلما حلت مناسبة ما [اليوم العالمي لحقوق الإنسان، للمرأة، للطفل، للبيئة، للأم، للعامل، لمختلف الأوبئة والأمراض الفتاكة كالتدخين، والسيدا…] تكثر الحملات التحسيسية إما للتوعية بالمخاطر والمشاكل، وإما لاحترام وتبني سلوك أو فكرة ما، لكن رغم ذلك لا تجد أثرا فعليا في السلوك اليومي لهذه القيم، فما السبب؟ كيف يمكن إخراج هذه القيم كممارسة وسلوك إلى العالم؟ أسئلة تفرض نفسها بإلحاح. فما دامت هذه القيم معروفة للجميع، وما دامت لا تجد لنفسها مكانا في السلوك اليومي فهذا يعني وجود خلل ما في طريقة فرضها، ويعني أيضا أن الطريقة المتبعة في إعلانها وتبليغها باتت مفلسة وعاجزة عن أداء دورها، إنها طريقة لا تتجاوز مستوى الوعظ والإرشاد، ولم يكن الوعظ في يوم من الأيام وسيلة لتغيير نمط التفكير وطرق السلوك.

لا بدّ من وجود ميكانيزمات متحكمة فاعلة وقادرة على خلق السلوك الأخلاقي والعقلاني، تتجاوز مستوى التمنّي إلى العمل الحقيقي، فأين نجد هذه الميكانيزمات؟. إن أقصر طريق إليها هو استحضار الوعي بأهمية التاريخ ودوره في صناعة القيم الحداثية.

غالبا ما يثير الحديث عن القيم الحداثية – خاصة منها السياسية كالعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والحرية- سؤال الخصوصية الثقافية لكل تجربة إنسانية، إذ ممّا لا شك فيه أنّ هذه القيم نشأت في ظل شروط نظرية/علمية وسياسية عرفتها أوروبا العصر الحديث، وقبل أن يقسو عليّ القارئ الكريم بحكم/تهمة الدعوة إلى تقليد التجربة الغربية في تكريس هذه القيم، أشير إلى أن ما يهمّني ليس تقليد الغرب في نهضته، فهذا غير ضروري طالما أنّ للثقافة العربية – رغم ما سأكشف عنه من تشابه بعد قليل- خصوصياتها، ثم إن الغرب رغم أنه أنتج هذه القيم فهي ليست حكرا عليه، فهي تجربة إنسانية تتطلع إليها كل الأمم بإعجاب ما دامت تجسد آمال الشعوب التي ما تزال ترزح تحت نير الطغيان والاستبداد، وهي في الوقت نفسه لا تمثل نهاية التاريخ، بل هي لحظة فتحت المجال واسعا أمام الإنسان الذي يحركه السعي دائما نحو نماذج جديدة تكون أفضل من سابقتها، أما ما يهمني منها فهو التوقف عند الدرس التاريخي الذي يكشف لنا عن الطريقة التي انغرست بها تلك القيم الأخلاقية الكبرى في السلوك الغربي، وكيفية انتقال أوربا من ما قبل الحداثة إلى الحداثة، وعندها سيظهر لنا التشابه الكبير بين ما عاشته أوربا القرنين السابع والثامن عشر وما تعيشه الثقافة العربية اليوم. فما الذي أقصده بداية بالتاريخ الذي يجب الوعي بأهميته؟ نميز هنا بين التاريخ والتأريخ، إذا كان التأريخ تسجيلا لما وقع في الماضي من أحداث، فإن التاريخ هو المعرفة والعلم بحقيقة تلك الأحداث وأسبابها وظروفها ونتائجها، وكلاهما مختلف عن فلسفة التاريخ التي تنظر إلى التاريخ كما لو كان تحقيقا لمخطط أو مسار يقصد غاية معينة.

عندما يحضر التأريخ في تاريخ الفكر الفلسفي يفسده، لأنه يبقى حبيس الطابع الكرونولوجي، ولا يقدم إلا أفكارا معزولة مشتتة لا تجمعها رابطة، وهذا يفقد الفكر الفلسفي طابعه النسقي وقوته الحجاجية. أما التاريخ الذي أقصده فيرتبط بالمنهج العلمي المعروف بالمنهج التكويني، والذي مؤداه أن الأشياء لا تكشف معقوليتها كما هي في حالتها الراهنة، بل لا بد من العودة إلى تاريخ تشكلها وصيرورتها. ينسحب هذا القانون على مختلف الظواهر الطبيعة ومنها الإنسان، كل شيء له تاريخ، وحتى المفاهيم لها تاريخ.

بما أننا ربطنا غياب القيم الأخلاقية بغياب البعد التاريخي، وبما أن الغرب لم ينشئ هذه المفاهيم إلا في العصر الحديث، فهذا دليل على أن الغرب نفسه لم يستحضر أهمية البعد التاريخي إلا في العصر الحديث، بينما غاب التاريخ وفلسفة التاريخ عن الفكر القديم [الفلسفة اليونانية].

يشهد العالم العربي اليوم تململا فكريا ووعيا ثقافيا وثورات سياسية تجسد لحظة حاسمة في تاريخه، وهي مشابهة إلى حد كبير لما عاشته أوربا إبان ثورتها على أنظمة الحكم السياسية الإقطاعية والفكر السكولائي، لذا لا بأس بأن نقيم نوعا من المقارنة بين اللحظتين الزمنيتين، ليس بغاية إثبات نجاح وتفوق التجربة الغربية، فهذا ما لا ينكره لبيب، وإنما بهدف إدراك ومعرفة ما يبدو أنه سر النجاح والتقدم، ولنعرف الشروط التي نضجت فيها تلك القيم. وبما أن المجال لا يتسع للحديث عن القيم الأخلاقية والسياسية الحداثية مجتمعة، فسأقتصر على ثلاثة مفاهيم، يتداخل فيها السياسي بالأخلاقي، وهي مفاهيم الحق/الواجب، التقدم، الحرية/المسؤولية، متى وكيف ظهرت؟ وفي أي سياق فكري تشكلت؟.

يتبين مما سبق أن هذه المقارنة ستتم من خلال بعدين:

يتناول أولهما أسباب حضور الوعي بأهمية التاريخ لدى الغرب الحديث، وغيابه عن الثقافة اليونانية القديمة ومعها العربية حتى الآن.

أما الثاني فينصب فيه اهتمامنا على معرفة الدور الذي لعبه التاريخ في ظهور وتكريس الشعور بالمسؤولية وأهمية الحق والتقدم لدى الغرب.فلماذا غاب بعد التاريخ عن الفكراليوناني والوعي العربي؟ وما سر ظهوره عند الغرب؟.

نصادر بداية على أن تاريخ الفلسفة ليس تاريخ فلاسفة وعظماء، بل هو تاريخ أنساق نظرية (براديجمات بلغة توماس كون) يتفاعل فيها الفلسفي والعلمي، في كل مرحلة تاريخية تسود منظومة نظرية تسعى للإجابة على إشكالات وهموم العلم عبر مجموعة من المناهج والأدوات والمفاهيم، غير أن أي منظومة مهما بلغت دقة أطرها ومفاهيمها لا يمكن أن تبقى صالحة إلى ما لا نهاية، بل إن صلا حيتها تبقى رهينة بمدى ٌدرتها على فك الألغاز العلمية، وعندما تواجهها مكذبات يتم التخلي عنها لصالح منظومة نظرية جديدة تكون أقدر منها على استيعاب ما استجد من هموم العلم(1)، ومن خصائص المنظومة النظرية/البراديجم أنه يبسط سيطرته على مختلف مجالات الفكر في مرحلته بدءا بالعلم مرورا بالفلسفة السياسة والأخلاق والتربية وانتهاء بالأدب والفنون والتربية…،.

لن نتوقف طويلا عند الأنساق النظرية، لكننا سنكتفي بمنظومتين كبيرتين لنعرف الأسباب التي أدت إلى غياب الوعي بالتاريخ في الأولى وحضوره في الثانية، يتعلق الأمر بالمنظومة الإغريقية والمنظومة الحديثة. يمثل النسق الفلسفي الأرسطي البراديجم الإغريقي، فمع أرسطو اكتملت المنظومة الإغريقية وتم تقعيد العقل على قواعد المنطق، في نسقه نعثر على فلسفة متكاملة تم فيها تناول نظريات المعرفة والسياسة والأخلاق والطبيعة والميتافيزيقا والأدب والشعر والفن والأحياء والنفس والفلك…

لم تبلور المنظومة الإغريقية فلسفة في التاريخ، ولم يكن لديها إرهاصات الوعي به، ذلك لأنها لا يمكن أن تظهر في سياق فلسفي لا يولي أهمية للتغير الاجتماعي كما هو حال فلسفة أرسطو، ومن ثمة لا مجال للحديث عن فلسفة للتاريخ في هذا النسق، فما السبب في عدم إيلاء أرسطو الاهتمام الكافي للتغير الاجتماعي؟.

لم يكن الإغريق يفصلون عالم الطبيعة عن عالم الثقافة، ولهذا لم يكن لديهم فصل بين علوم طبيعية وأخرى ثقافية، هناك نسق علمي واحد مركزه هي الطبيعة(2)، وهذه الأخيرة مدخل أساسي لفهم ما يقيمه الإنسان من بناءات ثقافية.

للطبيعة عند أرسطو معنى مؤداه أنها تمثل المبدأ الداخلي الذي يحرك الإنسان ويجعله قادرا على أن يتخذ أشكالا مختلفة، فالطبيعة بهذا المعنى هي القدرة على التولد الذاتي(3). وإذا كان الإنسان كائنا طبيعيا فهل يمكن القول أن ما يحدثه من بنى ثقافية ناتج عن طبيعة تخصه كإنسان أم عن الطبيعة كقوة متحكمة في الكون؟.هل تفسر الإنتاجات الثقافية للإنسان من دولة واجتماع وفنون وعلوم بالثقافة أم بالطبيعة؟. يجيب أرسطو مؤكدا أن الطبيعة مبدأ كوني يفسر كل شيء. ما يهمنا من هذا التقديم البسيط هو أن نعرف نظرية أرسطو حول الاجتماع البشري، ولنفهم سر غياب التاريخ والتغير الاجتماعي لديه.

يقيم المعلم الأول نظرية الاجتماع على فكرة الحاجة والنقصان، فهذه الأخيرة هي التي قادت إلى اجتماع الناس في الأصل، وبالتالي فالمجتمع لم ينشأ عن التعاقد والاتفاق، بل هو مخلوق طبيعي استلزمته طبيعة الإنسان الناقصة. إن عجز كل فرد لوحده عن الوفاء بكل حاجياته ومتطلبات حياته من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وأمن وتعلم هو ما دفع الناس إلى الاجتماع والتعاون والتضامن مع بعضهم بعضا(4). والتعاون والتضامن طبعان بشريان يكشفان عن حسن نية الإنسان تجاه أخيه الإنسان ويدفعان الجماعة إلى خلق نوع من تقسيم العمل وتوزيع الواجبات حسب المؤهلات الطبيعية، مما يضمن الأمن والاستمرارية.

إن الحياة الاجتماعية تلبية لحاجة طبيعية تتجلى في وعي الإنسان بنقصه وحاجته إلى الآخرين الذين يكملونه، وأولى الحاجات الطبيعية التي يفي يلبيها الاجتماع هي ضمان استمرار النوع البشري، وهذا ما تفي به مؤسسة الأسرة، فهي الإطار الأول للتوالد والتناسل، يبتدئ المجتمع من الأسرة، وتجمع مجموعة من الأسر يشكل عشيرة، والعشائر تخلق نظاما اجتماعيا هو القرية، وبتوسع القرى تنشأ المدينة/الدولة.

الإنسان حيوان اجتماعي بالطبع، من هنا يقرر أرسطو أن الاجتماع البشري أمر وقضاء لا اختيار فيه، فالإنسان كائن يشغل في سلم الوجود مكانة وسطى بين الكمال المطلق الذي يجسده الإله، والنقصان المطلق الذي تجسده العجماوات والبهائم، لذا لا يعيش خارج الدولة إلا الإله لأنه مكتفي بذاته ولا يحتاج أحدا، والحيوان لأنه لا يملك العقل ويفتقر للقدرة على التفاوض والتشاور والتعاون(5).

يظهر مما سبق أنه لا مجال للحديث عن التغير الاجتماعي/النظام السياسي الذي سيحكم الدولة، ما دامت تتأسس على الطبع، وما هو بالطبع يبقى قائما لا يقبل التغيير، فهي تستمد مشروعيتها من الطبيعة لا من رضى الناس. مثل هذه الفرضية المفسرة لأصل الدولة ونشأتها تحمل – شئنا أم أبينا- إيديولوجيا تعمل على الدفاع عن نظام الحكم وتدعو للمحافظة عليه واستمراريته، بل وتقدم هذا الدولة كما لو أنها واقع يتقرر مصيره بعيدا عن رغبات الناس وإرادتهم، لذا يتوجب على المواطنين أن يأخذوها كواقع لا يرتفع ولا ينبغي رفعه ولا تغييره. وبالتالي يجب عليهم الخضوع للأمر الواقع والقيام بالدور الذي هيأتهم الطبيعة له، فهناك من هيأتهم ليعملوا بأجسادهم ومنهم من هيأتهم ليفكروا فقط، وعلى كل فرد أن يحترم قسمة الطبيعة العادلة، فالعدل كما عرفه الإغريق هو إنزال الناس منازلهم، ولا تتحقق العدالة في الدولة إلا عندما تقوم كل طبقة بوظيفتها بما يتلاءم ومؤهلاتها الطبيعية(6). وفي تصور كهذا ما يحكم وضعية الأفراد هو الواجب فقط [أما الحق فلا ذكر له نهائيا]، واجب كل فرد أن يقوم بمهمته دون التفكير في تغيير نظام المجتمع الذي ارتضته الطبيعة، والذي ينبغي أن يحاكي نظام الكون لا في تناغمه وتناسق مكوناته فحسب، بل في ثباته وعدم قابليته للتغير.

هنا تجد التفاوتات الطبقية والعبودية مبرراتها وسندها القوي،(قارن بين هذه النظرية، والتفسير الذي يعطيه الفقهاء الرسميون للآيتين: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، وقوله تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا)، فالتفاوت في الاستفادة من الخيرات والقهر الاجتماعي قدر ليس إلا!!!.

من هنا يتبين أن المنظومة القديمة لم تكن أفقا للتغير الاجتماعي ولا للتاريخ، فهذان الأخيران يرتبطان بالممارسة والعمل، ونحن هنا إزاء عقلانية تأملية لا تقيم وزنا للممارسة بدعوى أنها مهمة العبيد، فالتفلسف لا يكون إلا بالارتقاء مما هو عملي نحو ما هو نظري خالص، والتغير الاجتماعي جزء من العملي، لذا وجب تهميشه. فأين نحن من كل هذا؟.

بعد أرسطو استقرت المنظومة النظرية وفرضت نفسها كإطار نظري يتخذ منه الفلاسفة والعلماء مرجعية ومظلة للتفكير، وكان على الذين جاؤوا بعده أن ينطلقوا منه- سواء كانوا معه أو ضده- ولم تشذ الفلسفة العربية والإسلامية عن هذه القاعدة، وهذا ليس عيبا، بل هو قانون الفكر النظري، إذ كان لزاما على الفلاسفة العرب والمسلمين [وحتى المسيحيين الوسطويين] أن يفكروا ويشتغلوا بمفاهيم ومناهج وأدوات المنظومة الأرسطية،[القوة، الفعل، المادة، الصورة، العلل الأربع، الميتافيزيقا، المنطق الصوري، الجنس، النوع، الماهية، الجوهر،القياس…] ولم يكن الممكن المعرفي ليسمح لهم بتجاوز أرسطو، رغم مساهمتهم الكبيرة في تهيئة الأجواء للغرب الحديث لتجاوزه، ولذلك فإن أغلب أعمالهم لم تغادر إطار الأرسطية.

وما دمنا نتحدث عن الفكر السياسي فإننا نجد أن أغلب أعمالهم السياسية تدور حول مفاهيم ارسطو وأحيانا أفلاطون [الفارابي آراء أهل المدينة الفاضلة، ابن خلدون، العصبية والدولة]، ونحن نعرف أن الفكر العربي الإسلامي غادر الساحة النظرية منذ قصة/نكبة ابن رشد، ولم يعد إليها حتى اليوم، تحول الإرث العربي إلى الغرب فأثمر الحداثة في ظل شروط نظرية، أما الثقافة العربية فدخلت عصر الخمول والانحطاط الفكري والفلسفي والأدبي والسياسي والفني. [رغم بعض المحاولات الفردية في الأدب خاصة والفلسفة أحيانا]، منذ أن انتصر فكر العنعنة والنقل على فكر العقل والنقد، أعطي الاهتمام الأكبر للتصوف وأشكاله المختلفة والعجيبة، وتبوأ الأولياء بكراماتهم، والسحرة بمعجزاتهم، والمستبدون بعصيهم وجبروتهم صدارة الاهتمام، وعاد الفكر الخرافي بكل طقوسه [التمائم والتعاويذ والبخور…] إلى الوعي العربي. لقد كان آخر فكر نظري تعرف عليه الوعي العربي واستوعبه وتمثله في التربية والسلوك هو الفكر الإغريقي، دليل ذلك أن ثقافتنا ما تزال تحافظ على مبادئ هذا الفكر وإطاره العام مع تكريسه وتدعيمه بمبادئ جديدة.

إن الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي تتبنى -عن وعي أو غير وعي] نفس المنظور القديم لأصل الدولة القائم على أن الدولة تحظى بالأولوية على الفرد، وهي ليست في خدمة المواطن الفرد ومن أجله، بل هي غاية في ذاتها، وفي منظور كهذا من المتعذر والمستحيل نهائيا أن يتشبع المواطن العربي بالقيم الحداثية ويفعلها في سلوكه اليومي، بل من الصعب أن تتبلور هذه القيم كمفاهيم نظرية أصلا، لذا ينظر إليها على أنها مفاهيم/قيم مستوردة ودخيلة لا شأن له بها، وهذا معقول وصواب، لأنه يدعى ويأمر بالالتزام بقيم لا يفهم دلالاتها ولم يشارك في صنعها، -يحدثونه عن النقد والعقل وهو لم يدخل المدرسة قط، يحدثونه عن قيم حقوق الإنسان وهو يعامل يوميا كحيوان أو أقل، يخبرونه عن العزة وكرامته تهان كل يوم، يحدثونه عن الشرف والنزاهة والصدق وهم يسرقونه ويلعبون بمصيره كل لحظة، يحدثونه عن الديمقراطية ويدفعون له مقابل صوته كلما حلت مناسبة هزلية يسمونها الانتخابات…-.

لقد علمتنا التربية الأخلاقية أن الإنسان لا يلتزم بشيء ويتمسك به كالتزامه بما يشرعه لذاته وبذاته عن رضا منه ودون وجود إكراه خارجي، ولما كانت الأطر الفكرية التي نعيش في ظلها قد انتهت صلاحيتها منذ قرون طويلة، فإن القيم التي تتم الدعوة إليها – حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، الديمقراطية، الحريات العامة، المساواة، البيئة…- تبقى مجرد شعارات جوفاء فارغة من كل قيمة أو معنى ما دامت شروط نضجها غائبة تماما، إننا إزاء خطاب دعائي مفلس لا أفق له.

لنتوقف لوهلة عند واقع الفعل السياسي العربي اليوم ولننظر إلى طبيعة الأزمة الحاصلة، ينظر الحاكم العربي إلى نفسه بإعجاب كبير، معتقدا أنه يحقق أفضل نموذج حكم لرعيته، وأنه أصلح الناس للقيادة، ويعلن بكل فخر أن غيابه أو تنحيه عن السلطة سيوقف نبض زمن العالم، وسيكون لحظة فاصلة ستغير مصير التاريخ، ولذا لا يصدق أن شعبه يثور ضده رغبة في التخلص من ربقة الاستبداد الذي عاناه من نظام حكمه، والمبرر الوحيد الذي يقدمه هو ربط الحراك الشعبي المطالب بالحرية والكرامة بالمؤامرة الخارجية ووصف الثوار بالعملاء والغوغاء والمخربين والإرهابيين، والحل الأمثل لمواجهة هؤلاء العملاء معروف، إنها المقاربة الأمنية التي لم تجمع/تتفق الأنظمة السياسية العربية على قضية كإجماعها عليها،-وإن تفاوتت في حجم وطرق استعمالها المتدرجة في البشاعة-.

ما زال النظام السياسي العربي يعتقد أن التقتيل والترهيب والتعذيب سيمكن من إنهاء ومنع عناصر الرفض والمقاومة والاحتجاج لدى الشعب، لم يفهم بعد أن الأفكار والمشاعر الإنسانية والرغبات لا يمكن استئصالها ولا تموت ولا تفنى حتى لو مات الإنسان، فالأفكار خالدة لا ترتبط بأصحابها، بل لها منطقها الخاص الذي يوجهها ويجعلها بمنأى عن تحكم الأفراد. قد يتمكن من قمع صوت الرفض هنا، لكنه سيعود للظهور في مكان آخر وبشكل آخر،”الرغبات لا تموت، بل تكبت في انتظار أن تجد الفرصة الملائمة لتعبر عن نفسها وتطفو فوق السطح”، قد تتأخر هذه الفرصة، لكنها آتية لا محالة.

أما فيما يتعلق بتوزيع خيرات البلاد، فالحاكم العربي يعتبران كل مال البلد ملك مشاع له ولأقربائه والدائرة المحيطة به، إنه حكم العائلة -الأوليجارشية- القديم. أما الشعب فلا يصله إلا الفتات، وعندما يطالب بحقه ونصيبه من الثروة والخيرات يواجه بالتقتيل والترهيب الذي يصاحبه استغلال بشع للدين، إذ يتم توظيف الدين كإيديولوجيا تكرس هيمنة وطغيان النظام وتكرسه كواقع لا ينبغي التفكير في رفعه وتغييره، أكثر من هذا يذهب بعض فقهاء الأنظمة ومفتيها إلى تحريم التظاهر والاحتجاج والثورة بالكتاب والسنة، ويؤكدون أن الله أوجب على الناس السمع والطاعة لولاة أمورهم في العسر واليسر، وأن ما يحصل ليس إلا بلاء إلهيا غايته اختبار الصابرين الثابتين على إيمانهم، وأن تعويضهم في الآخرة سيفوق بأضعاف ما عانوه في هذه الحياة الدنيا،- يذكرنا هذا بالنزعة الجبرية التي سنها ملوك بني أمية وبعدهم بني العباس لتبرير ملكهم وطغيانهم، وبعقيدة الأورفية اليونانية الانهزامية التي تدعو للصبر على هموم الدنيا لاستحقاق التعويض الأخروي-. نحن هنا إزاء أنظمة سياسية لا تكتفي بمشروعية الطبيعة كما اعتبر أرسطو، بل تسعى لاستنزال مشروعية سماوية، وكأننا أمام مقولة الحق الإلهي الوسطوية التي حكم بها طغاة أوروبا الوسيطة، ولذا فإن من يرفض الأنظمة الحاكمة هو كمن يرفض النظام الذي ارتضته إرادة الإله للبشر، ومن ثمة فالتراتبية الطبقية أمر مفروض لا خيرة للناس فيه، لذا يجب الرضا بهذه القسمة، فالفقير يجب أن يبقى فقيرا وسيلد فقيرا فقط، والغني يبقى غنيا وسيولد أبناؤه وفي أفواههم ملعقة من ذهب، والعبد يبقى عبدا والوزير يلد وزيرا والأمير يلد الأمراء… وتلكم قسمة ضيزى!!.

من خلال ما سبق يظهر أن ما تعيشه المجتمعات العربية مشابه إلى حد كبير لما عاشته أوربا قبل عصر الأنوار، خاصة في الجانب السياسي -أنظمة سياسية مستبدة، تكريس التفاوتات الطبقية، قهر المواطن وإهانته، سيادة المقاربة الأمنية، تغييب الحريات العامة وحقوق الإنسان، الحجر على العقل، تسييد الخرافة والشعودة، حصر الدين في الطقوس وخلق الصراعات الطائفية في أشكال ممارستها وتغييب جانب المعاملات منه-، فكيف انتهت أوربا إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

لا بدّ من التذكير بأن الحداثة السياسية في أوربا لم تأت معزولة، بل جاءت في إطار سياق إصلاحي شامل تمثل في التخلي عن المنظومة النظرية القديمة-الأرسطية والفكر السكولائي- لصالح منظومة حديثة هي الكوبيرنيكية – نسبة إلى الفلكي كوبيرنيك الذي جاء بفرضية دوران الأرض ومركزية الشمس وليس العكس-. لم يكن التغيير السياسي ليتم لولا أسبقية التغيير الذي هم التفكير النظري/الفكري، كما لم يكن ليتم خارج الوعي بالتاريخ، تجلى ذلك في اعتماد المحدثين على المنهج العلمي المعروف بالمنهج التكويني الذي يتأسس على بعد التاريخ، والذي مؤداه أن الأشياء لا تكشف معقوليتها كما هي في حالتها الراهنة، بل لا بد من العودة إلى صيرورتها وتحولاتها التاريخية لتصبح على ما هي عليه الآن. هنا دخل التاريخ إلى دائرة المعقولية .

كانت فكرة الإصلاح وإعادة التكوين دافعا محركا للعقل الحديث، وتعني فكرة إصلاح مجال ما إعطاءه صورة جديدة بعد أن تكون الممارسات الإنسانية التاريخية قد طبعته بالتناقض واللاتناسق. لقد انطلق مسار هذا الإصلاح مع كوبيرنيك الذي أعاد بناء علم الفلك، ثم امتد إلى ميدان الفيزياء الذي اتخذ شكله الحديث مع جاليلي وكبلر ونيوتن، ثم إلى ديكارت الذي أعاد تأسيس الميتافزيقا على أسس العلم الحديث، ولذا كان طبيعيا أن يمتد الإصلاح إلى بقية المجالات الأخرى بدءا بالسياسة مرورا بالتربية وانتهاء بالفن والأدب، يتعلق الأمر بمنظومة نظرية تعمل على طرد مبادئ الفكر القديم وتطهير الساحة النظرية منه.

وبما أننا نتحدث عن الإصلاح السياسي، فإن هذا لم يكن ليتم بدون العودة إلى التاريخ، كان لزاما أن تتم العودة إلى أصل آخر للدولة يكون مخالفا للأصل الطبيعي الذي نادى به أرسطو، أصل تكف فيه الدولة عن أن تكون مخلوقا طبيعيا اقتضته حاجة الإنسان إلى التعاون مع الإنسان،يجب أن تتخلى الدولة عن أصلها الطبيعي أو السماوي وتتخذ طابعا إنسانيا لتصبح موضوعا عموميا قابلا للنقاش والتداول.

وبما أن الأصل الذي يتم رصده لم يكن له وجود واقعي فعلا، فقد صنع فلاسفة العقد الاجتماعي تاريخا افتراضيا لما اعتقدوا أنه أصل الاجتماع والدولة، وهذا الأصل هو فرضية حالة الطبيعة، وظيفة هذه الفرضية ستعطي تفسيرا لنشأة الدولة يقر صراحة أن السلطة التي تمارسها الدولة لا تستمد مشروعيتها من السماء ولا من الطبع، بل من رضا الشعب.

في هذا الإطار يعتبر هوبز أن الناس في الأصل لم يجدوا أنفسهم في إطار دولة ترعى حقوقهم وتنظم حياتهم، بل كانوا يعيشون حالة الحرية المطلقة التي تترك المجال مفتوحا أمام كل فرد ليفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وكيفما يشاء، إنها حالة الطبيعة-هي الحالة التي يفترض أن الناس عاشوها قبل دخولهم حالة الدولة والمؤسسات- التي لا تعترف إلا بحق واحد هو حق البقاء، ويبقى الباب مفتوحا لكل فرد ليفعل كل ما يراه مناسبا لضمان هذا الحق، وهذا ما يدفع الكل إلى الدخول في حرب مع الكل، وبما أن الإنسان شرير بالطبع فإنه لا يتوقع من الآخرين إلا الشر، لذا يبادر إلى القيام به والاستعداد له، نحن إزاء قانون غابوي لا يضمن البقاء إلا للأقوى. غير أن حالة الطبيعة هذه تناقض ذاتها بذاتها، لأن الحرب الدائرة سببها حرص الإنسان على حق البقاء، لكن ضمان هذا الحق لا يمكن أن يمر عبر القتل، هنا يظهر العقل الذي يقود الناس للحل، فإذا كانت الحرية المطلقة هي سبب استمرار الصراع، فالواجب الحد منها لخلق مجال جديد يسمح بقيام نظام سياسي يستطيع فيه كل فرد أن يمارس حريته دون المساس بحرية الآخرين.

لقد ظهرت الدولة نتيجة للصراع والحرب، وليس لحاجة الإنسان إليها، بمعنى أن وجودها ليس سابقا على وجود الإنسان، بل هي صناعة إنسانية محضة. فكيف ظهرت الحقوق؟ رأينا أن مفهوم الحق كان مغيبا في المنظومة القديمة، أما في الفكر السياسي الحديث فقد ظهر الحق، لأن مفكري الحداثة جعلوا من الفوضى والحرب والصراع منطلقا للاجتماع والدولة، حالة الطبيعة تعتبر حالة عدوان. عدوان على ماذا؟.إنها حالة عدوان على حق الغير في الوجود والسلام والطمأنينة، هنا تبرز فكرة الحق كواقعة أولى في تاريخ البشرية، فكرة الحق لا معنى لها في غياب ضدها، وهو العدوان(7)، فلو فرضنا أن الناس عاشوا منذ الأزل حياة أمن وسعادة وهناء وسلام، هل كان الحق ليظهر؟ بالتأكيد لا! مفهوم الحقوق ظهر نتيجة لضياعه واستيلاء الغير عليه، وهو ما جعل المعتدى عليه يطالب باستعادته، ولإنهاء حالة العدوان واللامساواة، تحول الناس إلى حالة الحق والمساواة.

ما كان يهمنا من استحضار هذا التصور الحديث، هو التفسير الجديد الذي أعطي لأصل الاجتماع البشري ونشأة الدولة، فمن خلاله رأينا كيف سقطت مبادئ الفكر السياسي القديم، كالقول بأن الإنسان مدني بالطبع، وبأن العدل هو إنزال الناس منازلهم، الحق/التفويض الإلهي للملوك، الدعوة للحفاظ على النظام القائم، واحترام القسمة الطبيعية. لتحل محلها مبادئ ومقولات جديدة، حيث حل الصراع والمكر مكان التعاون والتضامن، وحل الشرّ محل البراءة والطيبة، ثم رأينا أن القيام بأمور الحكم والتدبير لم يعد تشريفا، وإنما هو تكليف، فالحكم لم يعد ينال بالوراثة والنسب، بل إن الشعب هو من يختار حاكمه بناء على الكفاءة والمهارة وحسن التدبير، كل هذه القيم، لم تكن لتظهر لولا التنبه إلى أهمية التاريخ، ففرضية حالة الطبيعة، هي التي قادت إلى فرض آخر هو التعاقد الاجتماعي أولا بين الناس لإنهاء الصراع، ومع الحاكم الذي تم اختياره للنهوض بهذه المهام.

بفضل هذه التغيرات العلمية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى لحظة الأنوار، تغيرت نظرة الغرب إلى ذاته وإلى العالم، لقد فهمت الأنوار ذاتها على أنها عصر تقدم نحو الأفضل، إنها عصر تحطيم الأوثان باسم العقل، والتقدم هنا يقوم على نظرة تفاؤلية تؤمن أن المستقبل سيكون ولا شك أفضل من الحاضر،لهذا بات الهدف هو التخلص من النماذج القديمة كلما ظهر أنها تعرقل سيرورة التقدم والتطور، والتحول إلى نماذج جديدة تسمح بتسريع هذه العملية، والاعتماد على الذات والدعوة للعمل.

وبما أنهم استطاعوا التخلص من النماذج القديمة على المستوى النظري-سقوط المنظومة الإغريقية- والسياسي-ظهور أنظمة ديمقراطية- والأخلاقي والتربوي، فقد فهموا أن التقدم ما كان ليتأتى لولا التخلص من الموروث، ولهذا يجددون أنفسهم باستمرار في كل شيء، يفكرون بدون عوائق أو حدود، شعارهم لا شيء مستحيل على العقل الإنساني بلوغه، يملك العقل الغربي قدرة رهيبة على وضع فرضيات غريبة وتبدو مجنونة، وهذا سر تطورهم الهائل،- افترضوا قدرة الإنسان على الطيران فطاروا، افترضوا عمر الإنسان فعرفوه وعرفوا عمر الأرض والحياة أيضا، افترضوا أن عالمنا لا متناهي وأثبتوا ذلك، يفترضون وجود حياة على كوكب ما غير الأرض وقد يثبتون ذلك يوما، يفترضون إمكانية تعرض الأرض لما قد ينهي الحياة عليها، ويفترضون إمكانية مغادرتها نحو كوكب آخر، وقد يفعلون ذلك، أما نحن فمجرد مستهلكين، قد رضينا أن نكون تبعا لهم فقط-.

لقد ظلت ثقافتنا العربية حبيسة المنظومة النظرية القديمة عاجزة عن تجاوزها، وبالتالي فالشروط العلمية والثقافية والسياسية التي نحيا في ظلها تمثل عائقا يحول دون ظهور قيم إنسانية أخلاقية وسياسية تقودنا نحو التطور والتقدم. إن نظرة فاحصة إلى وعينا الجمعي تكشف حالة الحيرة والارتباك التي نتجت عن الخوف والقلق من المستقبل -لأنه لا توجد هناك طرق وبرامج استشرافية تسبق المستقبل بالتخطيط والتصميم، بل إن كل شيء متروك للصدفة ولعفوية الجماهير- ومن كل تجديد، لذا فهو حريص على نموذجه القديم الذي تجسد في لحظة تاريخية انتهت وولت، نتاج ذلك أن أصبح وعيا استهلاكيا وغير منتج، إنه وعي خارج التاريخ،. لقد غاب لدينا البعد التاريخي عندما تم تجميد التاريخ في لحظة واحدة تم تضخيمها وأسطرتها والمغالاة في قيمة وعظمة رجالها. هكذا نكون قد وقفنا عند أسباب ظهور قيم الديمقراطية والحقوق وفكرة التقدم وأيضا، عرفنا انسداد أسبابها لدينا. فماذا عن المسؤولية؟.

من المعروف أن المسؤولية مفهوم يتداخل فيه السياسي والأخلاقي، إذ يستخدم في كلا المبحثين، وهو أيضا من جملة المفاهيم التي لم تؤسس نظريا -وأقصد نظريا- إلا في العصر الحديث، لقد خرج هذا المفهوم من رحم العلم وليس الأخلاق، كيف ذلك؟.

لقد انتهى العلم إلى تحطيم ثنائية العالمين التي قامت عليها نظرة القدماء فلكيا، والتي كانت تتأسس على منطق الرفعة والشرف، فالعالم الفوقي أشرف وأعلى مكانة من العالم السفلي، لأن الفوقي عالم الأثير فقط، عالم الكائنات الخالد، عالم لا فساد ولا تغير فيه، أما السفلي فعالم توجد فيه الأشياء ثم تفسد وتتغير، سقطت هذه الرؤية لتحل محلها رؤية موحدة للعالم الذي لم يعد سوى مادة عاطلة لا حياة فيها ولا تفسر إلا بقوانين الميكانيكا، ومع انهيار الثنائية الفلكية لم يعد من المقبول عن تراتبية طبقية في المجتمع الإنساني تحاكي تراتبية العالم، بل أصبح الجميع سواسية، وهذه المساواة إنما قامت على مبدأ العقل، لقد أعلن ديكارت بوضوح، أن العقل نور فطري إلهي، وهو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فلا يتفاوت الناس في مقدار ما أوتوا من العقل، وإنما في طرق استخدامه(8). هذا هو تتويج مسار الحداثة.

لقد أصبح العالم ابتداء من الثورة الكوبيرنيكية- تندرج فيها أعمال كوبيرنيك وجاليلي وكبلر ونيوتن وديكارت- لا متناهيا، وأوسع بكثير مما تصوره القدماء، هذه الشساعة اللامحدودة شكلت صدمة كبرى للمنظور القائل بأن العالم خلق ووجد من أجل غايات الإنسان، إذ من غير المعقول أن يوجد من أجله هذا الوجود الرهيب في اتساعه، في وقت لا يمثل فيه الإنسان إلا نقطة ضائعة صغيرة. وبما أن العالم لم يعد متناهيا ومحدودا كما اعتقد أرسطو، بل انفتح على اللاتناهي، فلم يعد من الممكن الحديث عن مركز يشغله الإنسان، كما أنه لم يعد يقف على مركز ثابت تدور حوله الأشياء، إنه يقف على مادة كروية الشكل تجوب فضاء لا حدود له. هنا سقطت الرعاية الإلهية للعالم وارتفعت عن الإنسان أيضا، وسقط معها المنظور الفيثاغوري والأفلاطوني الذي كان يعتبر أن العالم مظهر للتناسق والتناغم وتجسد للجمال، لذا يجب تأمله والبحث عن سر تناغمه وانتظامه دون التدخل فيه، إذ من شأن أي تدخل أن يفسد النظام الموجود.

هنا فهم الإنسان أنه في مواجهة مباشرة مع قوى الطبيعة المدمرة دون حماية، وأدرك أن عليه تحمل مسؤولية حماية وجوده ووجود العالم الذي يعيش فيه، ووجود الكائنات الحية، وهذا قاده ليتنبه إلى أنه كائن حر، ومسؤول عما يقوم به، وسيتحمل نتائج ذلك ومعه بقية الكائنات -مسؤولية الإنسان عن تلوث الأرض وزيادة حرارتها، ذوبان الجليد وتهديد الأراضي المنخفضة، القضاء على الجو الملائم لحياة بعض الأنواع الحية بالصناعة، القضاء على الغابات، الحروب…-. من نتائج الثورة الكوبيرنيكية أيضا إنهاء الفكر الخرافي القديم الذي يؤمن بتدخل القوى الغيبية والعقول المفارقة والأرواح -أفلاك المنجمين وتنبؤات الكهنة مثلا- في تحديد سلوك الإنسان، لقد تبين أن الإنسان فكر ومادة، وقانون العلم يقول أن المادة لا تؤثر في المادة عن بعد، بل بالاحتكاك فقط، هكذا أنهت الحداثة طقوس السحر والشعوذة وكرامات الأولياء، وكل التقاليد المرافقة للفكر الغيبي القائم على المعجزة الخارقة لقوانين الطبيعة، وبهذا تعطلت عجلة الخرافة عن الدوران في الغرب، إذ لا مكان لها في مجتمع الطب والعلم والعقل، من هنا تبين لنا ذلك الترابط المتين بين العلم النظري والممارسة العملية، فكل تغيير على مستوى النظريات ينعكس على نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم، يبدأ التغير بداية على مستوى العلم، ثم يتدخل الفيلسوف – ما قام به الموسوعيون في فرنسا في القرن الثامن، وما يجب أن تقوم به الجامعة لدينا مثلا- ليبسط الثورة العلمية ولغتها الرمزية الصناعية، فيتكلم لغة طبيعية تجمع بين صرامة العلم وسلاسة/جمالية الأدب دون أن تكون هي علما ولا أدبا، وهكذا تصل الثورة العلمية إلى السياسة والتربية والأدب والفن والموسيقى…، فيقترب العامة بجهلهم من الخاصة وعلمهم. ولم يسبق لثقافتنا أن عرفت هذه الجسور.إن الفكر يرتبط على نحو وثيق بالعمل، وعندما تتغير الأفكار، تتغير معها الأفعال، وما دامت أنماط التفكير قديمة فلا أمل في أن تقدم منظورا جديدا، ومن ثمة لا يمكن أن تنغرس القيم الحداثية مهما تمت الدعوة إليها، لأنها تبقى ضمن دائرة اللامفكر فيه، والذي لا يثير اهتماما لدى الناس.

والدليل على ذلك واقعنا العربي المخيف على مستوى القيم، إذ لن يكون كافيا أن نصف قيمنا الدينية والأخلاقية بالانحلال والميوعة فحسب، بل يجب القول إنها باتت معكوسة، مجتمع أنهكته كل أشكال الفساد الإداري من رشوة وزبونيه ومحسوبية، مجتمع لا يشعر فيه أبناؤه أنهم في وطنهم الذي هو بمثابة أمهم، بل يحسون فيه بالغربة والضياع، يشعرون أنهم مواطنون من درجة ثانية وثالثة، لذا يفضلون ركوب أمواج البحر التي تسلمهم إلى قهر جديد لا يختلف عن الأول إلا في أنه ليس من بني وطنهم، بل من الغريب عنهم، واقع لا تنال فيه معظم -لا نقول كل، لأنه لولا بقية من خير وشرف ونزاهة لانتهى العالم- المناصب والمراكز بالكفاءة، وإنما بالنسب والجاه والنفوذ، أوطان لم يعد الناس فيها يندهشون من موظف يطلب رشوة مقابل قيامه بواجبه، بل يندهشون من موظف شريف ونزيه رفضها، وينظر إليه كملاك، بينما قام بمجرد وظيفته كما يجب، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القيم اللاأخلاقية واللاإنسانية واللادينية باتت شيئا مألوفا وعاديا وكفت عن أن تكون وضعا شاذا غريبا، وهذا خطير جدا. لكن وبالرغم من كل هذا إلا أنه تبقى هناك بارقة أمل.

وأنا هنا لا أحمل مسؤولية التردي الذي يعيشه المجتمع العربي للمواطن العربي فقط، -لأنه أثبت أنه استعاد قدرته على الاحتجاج والرفض والمقاومة وتكسير حاجز الخوف، وهذه بارقة أمل تحسب له-.بل للأنظمة السياسية التي عملت طيلة عقود طويلة على شغل مواطنيها بقضايا الخطر الخارجي والاستعمار وإشعال فنار الصراعات الطائفية تارة والمذهبية تارة والإيديولوجية السياسية تارة أخرى، وضرب التعليم في مقتل من خلال تطبيق سياسات تعليمية ترمي إلى خلق النمط والشبيه دون تجديد، وصرف أموال طائلة في خلق شعب بوليسية وتلاوين وأجهزة أمنية يصعب ضبط أسمائها لكثرتها، ولو تم توظيف تلك الأموال في التنمية الوطنية لما احتاجها النظام السياسي أصلا.لكن المقاربة الأمنية التي يقوم عليها أوهمته أنه يستطيع أن يحمي حكمه ونظامه بالقوة من كل ثورة، وهذا ما كذبه التاريخ، – الثورات التونسية والمصرية والليبية والسورية والبحرينية واليمنية… على سبيل المثال لا الحصر-، ينبني التاريخ على قانون مفاده ما يلي: كل شيء يتطور ويتغير ويفنى، وكل حالة إلى زوال، وهذا ليس قانونا علميا فقط، بل هو قانون إلهي أيضا، قال تعالى: ” كل شيء هالك إلا وجهه”. وهذا لا ينطبق على الحياة فقط، بل على وجود كل الأشياء والمراحل. ولذا فإن أملنا الوحيد أن تتغير حال الأمة العربية، وهذا التغيير سيأتي مهما تم تأخيره، وهذا ما لم يفهمه النظام السياسي العربي.

هوامش: 

1- توماس كون، بنية الانقلابات العلمية، ترجمة: سالم يفوت،دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص:25 
2- أرسطو، دعوة إلى الفلسفة، تر: عبد الغفار مكاوي، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ص:79 
3- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص: 137 
4- أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية من أفلاطون حتى ماركس، دار غريب، ص: 37 
5- أرسطو، في السياسة، ترجمة أوغسطين بربارة، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 1980.ص: من 8 إلى 10 
6- أفلاطون، الجمهورية، تر: فؤاد زكريا،ص: 139 
7- المرحوم عابد الجابري، حالة الطبيعة والعدوان أساس حقوق الإنسان، مجلة فكر ونقد، العدد 26، ص: 14 
8- ديكارت، مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل… تر: جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت،1970، ص:

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق