الفلسفة الفرنسية، “الأنا” و”العالم”


      الفلسفة الفرنسية، غير ذات شأن؟ الفلاسفة الفرنسيون، أفرطوا كثيرا في الأدب؟ يوضّح هنا، "فريديريك ورمز"، خطأ ذلك : فإذا انعدم وجود مدرسة فلسفية فرنسية، فقد تبلور في المقابل "فكرٌ فرنسيٌّ" فلسفيٌّ، اتّصف بكونه ذاتيا وملتزما في آنٍ.

      الفلسفة الفرنسية؟ موضوع صعب! تبدأ مقاربته عبر "تاريخ طريف" :  سنطلب من ثلاثة فلاسفة : ألمانيّ وإنجليزي وفرنسي، إنجاز أطروحة عن الجمل. هكذا، فإنّ الألمانيّ سينزوي داخل أهمّ المكتبات، وبعدها  سيخرج ببحث صوريّ عن هذا الحيوان يتضمّن خمسة عشر جزءا. أمّا الإنجليزي، فسيجوب صحاري ومراعي الكون، ثم يهيّئ بحثا مقتضبا عن الجمل :  وقائع وملاحظات. فيما يخصّ الفرنسيّ، فسيمكث في مقهى، ويحضر دراسة لامعة جدّا عن الجمل! مقاربة كاريكاتورية؟ ستكون الفلسفة الألمانية مجرّدة ونظرية، إلى  حدّ أنها لن تهتمّ قط بملاحظة الجمل على أرض  الواقع. بينما، ستبقى الفلسفة الإنجليزية حسّية وعلمية، بحيث لن تضيف شيئا للوقائع. في حين، ما سيميّز الفلسفة الفرنسية إسهابها دون التفات سواء للوقائع أو النظريات. محض فنّ للكلام أو الكتابة، ربما على طريقة جان بول سارتر المقصود هنا حتما والذي  ظلّ يكتب في مقاهي سان جيرمان Saint-Germain ، حول الموضوعات الأكثر رصانة  فلسفيا وسياسيا! بالتأكيد، تناولنا الفلسفات الثلاث بطريقة ساخرة، لكن الفلسفة "الفرنسية" وحدها، تتجلّى لدينا في إطار مبدئها ذاته. وباسم، هاته الصورة الهزلية، التي نستبعدها غالبا، خاصة في فرنسا، سنلاحظ من جهة ثانية، بأنه إذا كان الفلاسفة الفرنسيون يسافرون باستمرار إلى الخارج، فلأنهم أحيانا، لا يُستمع إليهم داخل فرنسا. وضعٌ انطبق على ميشيل فوكو، وجاك ديريدا وميشيل سيريز، بحيث يُدَرّسون في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من فرنسا.  كيف نفسّر اختلالا كهذا؟  ألن تكون الفلسفة "الفرنسية"، بشكل مبهم وبلا تمييز، مجرّد فنّ للكلام والكتابة، عزّزته التطبيقات المدرسية (المبحث المشهور والمنفرد) ثمّ القنوات الأدبية والإعلامية؟

      لا يتعلّق الأمر هنا حتما، بالإجابة عن هذا السؤال، ونقلب بغتة الباخرة كي نجزم  بأن للفلسفة الفرنسية خاصيات إيجابية استثنائية بل ومتميّزة عن الفلسفات الأخرى! لا توجد في الفلسفة سمات فطرية، جوهرية ومرتبطة بوطن ما. إذا قيل عن الفلسفة الألمانية، بأنها "مجرّدة" فليس التعريف ماهويا،  ولكن لاحتفاظنا بصورة عن أعمال كبيرة يتّفق الجميع على قيمتها، كما هو الأمر مع كتاب كانط ونقده للعقل المحض. أما، إذا اعتبرنا الفلسفة الإنجليزية "حسّية" فلا يدخل ذلك في باب حقيقتها الصنميّة، ولكن لأنّ رموزها الكبيرة مثل لوك وهيوم (اسكتلندي في الأصل) انتقدوا جميعهم الفلسفة التي تتجاوز التجربة. لكن، لا سمة توحّد جميع الألمان ـ كيف نقول عن نيتشه بأنّه فيلسوف تجريديّ؟- أو الإنجليز الذين تأثّروا عميقا بفلاسفة مثاليين كأفلاطون، وهيغل. لا توجد فلسفة  قائمة بذاتها : مختلف الفلاسفة يتواصلون فيما بينهم، فدون الإنجليز، لم يكن بوسع كانط إنجاز نفس المشروع.

      باختصار، تلزمنا وقفة، من أجل الخوض في هاته القضية، ومعالجة الحالة الفرنسية، هل ينبغي ربما المرور عبر السمات الإيجابية إذا توفرت، كما تضمّنتها مقاربتنا التهكّمية. أميّز بين اثنتين، تحدّدان لحظة ارتباطهما، ما تتّصف به هاته الفلسفة الفرنسية من غنى وتعدّد وخصوبة. أقصد بهما : التأمّل الباطني والنقاش الخارجي العموميّ حتى السياسي. كلاهما، ينهض على مبادئ ومفاهيم تجعل من هاته الفلسفة حينما تكون حقّا فلسفية، فلسفة رصينة جدا، قياسا بالفلسفات الأخرى !

      إنّ وضعية شخص يكتب في المقهى، تستدعي بالفعل صورتين أخريين. من جهة، نستحضر رجلا يركّز، فرغ إلى نفسه (غليون وقلم، يشهدان على ذلك). صورة ثانية، تظهر لنا شخصا يناقش، مختلطا بالآخرين (ثم المرور بسرعة من الطاولة إلى الجريدة فالشارع). إجمالا، الفيلسوف "الفرنسي" سيكون في الآن ذاته، فيلسوف "الأنا" الباطنية وكذلك "العالم" الخارجيّ. ديكارت، هو من سيؤسّس ذلك بكوجيطو "أنا أفكّر"، لكنه سينخرط أيضا في العلم والفعل. ثمّ، سيبرز روسّو كمفكّر في الآن ذاته للتأمّلات الشاردة والتجوّل وحيدا منعزلا ثمّ العقد الاجتماعي. طبعا، نقف هنا أيضا على سخرية ممكنة. بما، أنه لا يكفي أن تكتب بطريقة مجرّدة كي تتحوّل إلى كانط، مثلما لا يقتصر الأمر على توجّهك إلى المقهى لتصبح سارتر، ولا كذلك ( أن تتّخذ مع وسائل الإعلام) وضعية مفكّر أو خطيب كي تتقمّص ديكارت أو روسو. مع ذلك، فهاتان الخاصيتان، جوّانية الوعي أو الفكر ثمّ برانية الفعل وكذا العلم، يمكنهما في الواقع تعيين الفكر "الفرنسي" شريطة اختبارهما كمبادئ، وأن نرى بينهما توتّرا، بل وتناقضا، يجسّده أحيانا في الوقت ذاته كبار الكُتّاب وكذلك كُتّاب آخرون أساسيون، وأن نرصد من خلالهما خيوط علاقات منفتحة في الزمان والمكان. لا يمكننا في هذا المقام استعادة كلية هذا التاريخ، بل ليس في وسعنا إلا أخذ بعض الأمثلة الدالة هنا.

      نبدأ أوّلا مع سارتر، الذي انتُقد كثيرا. في الواقع، مؤلَّفه "الوجود والعدم" الصادر سنة 1943، عمل ضخم، لكنّه مهمل جدّا، ليس فقط لأنّ جزءا منه، أنجزه سارتر في المقهى. نعاتبه غالبا لكونه شوّه "الظاهراتية" التي درسها انطلاقا من الفكر الألماني لاسيما عند هيدغر (حيث قلّد :  الوجود والزمان، الصادر سنة 1927). لكن  من المهمّ فهم أنّ سارتر إزاء هيدغر، لم يرتكب أخطاء، بل عبّر عن اعتراضات عميقة وأصلية. أطروحته، كالتالي : لا يجب فقط، أن ندرس تحت اسم وجود محض علاقة بين وعي مجرّد و"ظواهر" الكائن أو "العالم"، لكن العلاقة الملموسة حقّا بين وعي هو أيضا حرية، ثم الكائن باعتباره كذلك موقفا وتاريخا، إذن هما منحيان في الوجود الإنساني. قد لا نتّفق  حتما مع سارتر، بيد أنه ليس لنا الحقّ في اختزال أطروحته هاته إلى نزوة أو خطإ، خاصة وأنّ هذا المفكّر أبَان عن عمل متين ومركّب، غنيّ بالنقاشات الخصبة، داخل ما نسمّيه بشكل سريع جدّا "الوجودية".

      مع هاته الأطروحة، ارتبط سارتر بالميزتين "الفرنسيتين" اللتين أشرنا إليهما سابقا،  وقد كان واعيا بهما. سنة 1947، وضع مقدّمة مجلّد اتّسم بطابعه الملتزم، تضمّن نصوصا لديكارت تحت عنوان : "الحرية الديكارتية"، في إطار سلسلة مكرّسة لـ "كلاسيكيات الفكر الفرنسي". مقدّمة، وضعت فكره و"كذلك باقي  الفرنسيين" على آثار ديكارت بخصوص تيمتي الحرية والوعي. لكنها كشفت أيضا عمّا يصنع فرادته وأصالته : ليس للحرية أساسا ميتافيزيقيا، لكنها واقعة تمنح للإنسان وعليه أن يعطيها معنى. تماهى سارتر أيضا، مع الرافد الفرنسي الآخر، أي المتعلق  بـ"المثقّف" والتزاماته. مع ذلك، كان عليه مجابهة اعتراضات ينطوي عليها الفكر الفرنسي نفسه، تناقض الوعي باسم العلم، حيث أن التزاما قائما على الحرية وحدها، بغير الارتكاز على مبادئ مطلقة أخلاقية أو سياسية،  باختصار لا شيء يتموقع هنا، فقط  توتّر حاد.

      قبل سارتر، انطبق ذلك بالتأكيد على ديكارت، "أب" الفلسفة "الفرنسية" و"طوطم" "القبيلة". هكذا، بالنسبة لأمثال "أندري غلوكسمان" والذين أمكنهم  إصدار كتاب يحمل عنوان : "ديكارت"، فإنّه يجسّد فرنسا. أمّا، من هم على شاكلة "فرانسوا أزوفي" François Azouvi، الذين فكّكوا البناء الوطني وأحيانا شوفينية صورة  أو أسطورة كهاته، فنادرا ما تمّ بهذا الحجم، مماثلة فيلسوف بوطن ما، وبالتالي طرح قضية فلسفة وطنية.

      لكن، ماذا يستثني ديكارت، كي يجيز لنا القول بأنه "نموذج" فرنسي، أو أنّ الفرنسيين سيكونون في المقابل، طبيعيا "ديكارتيين"؟  إنّ ديكارت، المستند في الآن نفسه إلى شكّ "مونتين" ونجاحات العلم، سعى إلى أساس مطلق وجده في الفكر،  "الأنا"، الكوجيطو : "أنا أفكّر، إذن أنا موجود"، كما أشار "شارل بيغي" سنة 1900، فديكارت هو أيضا الإرادة، والتصميم والسخاء : ديكارت "فارس فرنسيّ" كذلك، وخاصة اختياره للمنفى نحو هولندا أو السويد! هو المفكّر ورجل الفعل؟ لكن بالتأكيد، على نفس المبدأ، شيّد الفيلسوف في اللحظة ذاتها نظام البراهين والإرادة الحرّة ثم العلم والأخلاق. أيضا، هي بالفعل قضية، اقتسمتها كلّ فلسفة حقبته حين طرح هذه "الأنا أفكّر"، التي انكبّ عليها معاصروه في فرنسا أو متكلّمو الفرنسية. ولا يمكننا، فهم اللحظة "الديكارتية" دون الوجوه الكبيرة التي عارضت ديكارت بعمق، من خلال ارتباطها بانشغالاته، كما كان  الوضع مع باسكال و"خواطره" الذي انتقد "الأنا" التي هي "ممقوتة" بل "الفلسفة" والعلم : ((بحيث لا يساويان ساعة عناء))، قياسا لفعل  يبتغي الخلاص والأبدية. باسكال، الذي دافع أيضا عن "الإنسان باعتباره القصب المفكّر" وكذا "عظمته" بالرغم من بؤسه، ثم استعاد ثانية انتقاد الأعراف السياسية كما تناولها مونتين، الأستاذ الذي يشترك فيه مع ديكارت. لا يرتبط الفكر الفرنسي، بمُؤلِّف لكنه عبارة عن مجموعة علاقات. فديكارت وباسكال، هما قارئان لمونتين، كما سيقول ليون برونشفيك سنة 1944 في كتابه الأخير، الذي أنجزه في ظلّ أجواء  منفى داخلي نظرا لظروف الحرب، تقديرا لما هو أكثر إضاءة بين ثنايا هذه الأزمنة الغامضة في الفكر "الفرنسي".

      بوسعنا الحديث، عن ممارسة فلسفية زاخرة فترة الأنوار والثورة. لقد، ركزنا أكثر على ما يتعلق مثلا بفولتير أو روسو. فاختزلنا الأوّل إلى عمله السياسي، وهو بالطبع حاسم، إلى جانب نقده للدين : لكنه أنتج كذلك نظرية خاصة حول التاريخ والتقدّم والفكر، درسها في إنجلترا. أمّا روسو، فقد تقلّص إلى الإحساس بالطبيعة وكذا "الأنا"، أو العقد الاجتماعي والقانون، وننسى، بأنه وضع أسس مفاهيم وكذلك تمييزات، سيتحدّث مثلا كانط عن أهميتها بالنسبة إليه. بل هاته اللحظة الجوهرية (هل كان بإمكان الثورة أن تقوم دون "الفلاسفة") لازالت كليا معاصرة، إلا أنّها غير مُقدّرة جيدا.

      لكن، ينبغي أيضا استحضار "لحظتين"، مهمّتين للفلسفة الفرنسية، عرفهما تاريخنا، ولا زال تأثيرها قائما. لنتكلّم أوّلا، عن "لحظة 1900"، لقد توجّه تفكيرنا باستمرار، إلى أن بداية القرن تحددت خاصة مع حلقة فيينا والتحليل النفسي الفرويدي أو ألمانيا مع الظاهراتية وفلسفة العلوم التي ستنتقل مبكّرا إلى إنجلترا. في حين، تاهت الفلسفة "الفرنسية" بين طيّات ما يمكن تسميته بـ"روحانيتها"، وسيُحكم عليها بالالتزام المفجع لبعض ممثليها كهنري برجسون، إبان الحرب العالمية الأولى، الحقبة التي تصادم فيها مفكّرون من جهتي الحدود، فتأكّدت حقيقة مخاطر فكرة الفلسفة الوطنية ذاتها. مع ذلك، تشير "لحظة 1900" في فرنسا، إلى تطوّر الفكر البرغسوني، بحيث نكتشف اليوم ثانية أهميته وكذلك علاقاته مع التحليل النفسي أو الظاهراتية. موعد، أيضا دشّن فيه برونشفيك وتلميذه باشلار، فلسفة للعلوم "على الطريقة الفرنسية" ستدير في الحال اشتغال التاريخ ومفاهيم العلم. إجمالا، هما منهجيتان منفتحتان، نصفهما باعتبارهما "فرنسيتين"، ستعثران مرّة أخرى على سمتي الذات والعالم، الداخل والخارج، لا يمكننا اختزالهما إلى صورهما الكاريكاتورية، بطريقة  أكثر فظاعة مما عليه في الواقع.

      أخيرا ينطبق الوضع ذاته، على ما سمّي حينها في الولايات المتحدة الأمريكية بـ"الفكر الفرنسي". لقد وقع في الغالب خلط بين هاته الفلسفة والأحداث السياسية لشهر ماي 1968، المرتكزة في الآن ذاته على "الرغبة" كما أوحت بها، أم لا،  فلسفة دولوز وكذا البنيوية التي خوّلت للعلوم الإنسانية أساسا علميا جديدا، كما أرست دعائم  نظريات سياسية أخرى. والحال أنها أبعد من مجرّد تبسيطها إلى ذلك. فهي، تستند أكثر على توتّرات تسكن قلب الفكرة، وبالضبط فكرة البنية. نموذج جديد للمعنى، لا يكمن في كلمة أو شيء منفصلين، بل بناء على علاقات بين علامات داخل نسق ما. هكذا، فالمعنى هو في الآن ذاته بنية وقاعدة ثم انسياب يتعذّر الإمساك به. نقف ثانية، هنا إذن، على القطبين اللذين يطويان هذا التاريخ، مفاهيم دقيقة ودينامية غير قابلة للتقليص. حتى، ولو أفرزت هاته اللحظة كذلك، صورها المخادعة، ممّا يحتم إعادة قراءتها عن قرب.

      هناك من جهة ثانية، قطيعة مهمّة ينبغي التفكير فيها، إنها ليست تلك التي تقصي سلبيا فلسفة "سنوات 1960"، ولو تحتّم أيضا انتقاد أساطيرها، إنها بالأحرى المتأتية على نحو مؤكّد من تلك الحقبة إلى فترتنا. هذا الحاضر لتاريخ الفلسفة "الفرنسية"، لا يكفي بالتأكيد كي نفهم، لكنه قد يساعدنا على الاستيضاح. مساران إذن، يتموضعان من جديد : ما عبّر عنه بول ريكور، بالحاجة إلى أن نعطي ثانية معنى إلى "ذات" هي اليوم هشّة نفسيا واجتماعيا. ثم، أيضا الاصطدام بحقيقة خارجية، لا تتوقف عن الصيرورة علميا وسياسيا. إذن، وبعيدا بالفعل على تعلم الحديث عن ذلك بكيفية عميقة، يفرض هذا الاقتضاء العثور مرة أخرى على فنّ ثنائيّ للكتابة، الأسلوب والمفهوم، وجّه أهم تمرحلات الفكر "الفرنسي" وأسّس أيضا مع تاريخ الفكر وقراءة النصوص، مبادئ تعلمها. في هذا السياق، فإن الفكر "الفرنسي" ليس في حاجة إلى تكراره أو التخلي عليه، بل تناوله من جديد.

العنوان الأصلي للمقال: La philosophie française, le "moi" et le "monde", par Frédéric Worms
وهو منشور بمجلّة : Le Point Hors-série n° 20 de novembre-décembre 2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق