الفلسفة في غير الأوان : حالة نيتشه

ينعت نيتشه مجموعة “اعتباراته الأربعة “والتي كتبت في مرحلة الشباب بـ unzeitgmassen. وإذا كان هذا المفهوم قد وجد في ترجمته الفرنسية مقابلين متقاربين في الدلالة هما :   intempestif و inactuel ، فإنّ نقل المفهوم إلى اللسان العربي يستتبع إشكاليات حول اختيار المكافئ الدلالي العربي. وبالفعل، فنحن نجد أنّ عشرات المحاولات التي عملت على ترجمة unzeigamess إلى اللغة العربية غلب عليها التباعد في اختيار المقابل العربي مما استلزم على مستوى تداوله قلقا في المعنى واضطرابا في الفهم. ورغم غياب الترجمة الكاملة لأيّ جزء من المكوّنات الأربعة، فإنّ نقل العنوان لوحده أنتج التباين في اختيار المقابل العربي.
وإذا كان مفهوم betraschtungen أو بالفرنسية considérations قد ترجم إلى العربية بتأمّلات أو خواطر أو اعتبارات، فإنّ مفهوم unzeigamess أو مقابله الفرنسي intempestif ولّد مراتب متباينة في اختيار المقابل الموافق حتى عند المتخصّصين في ترجمة المتن النتشوي. وهكذا أصبحنا نجد من المقابلات العربية له ما يلي :
1 – ضدّ الزمان أو اللازمان أو ضدّ الراهن. وهذه المقابلات هي التي يعتمدها عبد السلام بن عبد العالي في ترجمته لبعض الشذرات النتشوية أو ما يتعلق بها كـ”قلب الأفلاطونية”.
2 – “غير ملائمة ” أو “غير مناسبة”، وهما الاختياران اللذان وظفهما عبد الله العروي في مؤلفه “مفهوم التاريخ”.
3 – في غير الأوان وهي الترجمة التي اعتمدها عبد الرحمن بدوي في كتابه “نيتشه”.
4 – “غير الحالية” أو”اللاحالية” وهي المقابلتان المستخدمتان من طرف أسامة الحاج في ترجمته لكتاب دولوز”نيتشه والفلسفة”.
5 – “غير موافقة للعصر”، وهي العبارة التي استعملها علي مصباح في ترجمته لأحد مكوّنات “غسق الأوثان”، متخليّا عن العبارة “سابق لأوانها” التي وظفها في ترجمة ecce homo.
6 – “اللاوقتية ” و”اللاراهنة “، وهما المقابلتان المتداولتان في بعض الملتقيات والندوات الفلسفية.
إن ملاحظة هذا التنوع والتباين في اختيار المقابل العربي لمفهوم unzeigamess يولد لدى المتداول العربي لفلسفة نيتشه عدة تساؤلات منها :
كيف يمكن تفسير هذا التضارب في الترجمة؟ ما سبب التباين في اختيار المكافئ الدلالي عند نفس المترجم وأحيانا داخل نفس المؤلَّف وما المعنى الذي يفيده unzeitgamess في اللسان العربي؟
خلافا لمن يدعي أن الترجمة غير ذات أهمية، تشير إلى أن ترجمة unzeitgamess إلى المجال التداولي العربي يتطلب كثيرا من الصبر والأناة، فهو مشوب بالكثير من الغموض. وإذا كانت الترجمة الفرنسية قد استندت إلى الأصل اللاتيني intempesticus , فإنّ معناه يفيد النضج في غير الأوان، أي خارج الفصل hors saison :
« Intempesticus, hors saison; qui est fait à contre temps, se produit mal à propos ou apparaît comme inconvenant»
ولذا فإن تأصيل المفهوم في التداول العربي يقتضي بحثا مزدوجا، الحفر في لسان العرب لإيجاد المقابل الذي يمكن أن يقرّب المعنى، ثم النبش في المتن النتشوي عما يقصد بunzeitgamess ، على مستوى الفكر والعمل .
أما على مستوى اللسان العربي فنسجل الملاحظات التالية:
لا وجود لتطابق المعنى بين لفظي “الراهن” و”الزمان”، فالراهن هو الذي يكون له عند الغير رهن. فالراهن ليس هو actuel ، لأنّ للأوّل علاقة بالدين، المرهون من المال مثلا. هذا ما استحضره الجابري مستعيرا دلالة المفهوم من لسان العرب ابن منظور. وبما أن الراهن ليس هو الزمان، فلا يصحّ القول باللاراهن .
لا يفيد لفظ “الزمان” ولا “العصر” في ترجمة actuel ، لأنّ الزمان يتضمّن الأبعاد الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل. فيقال الزمن الحاضر، وما تقدّم من الزمان، وسالف العصر. ومجازا يقال الوقت الراهن. فـ unzeitgamess لا تعني “اللازمان” ولا تفيد “ضدّ الزمان” ولا تتوافق مع”اللاوقتية”.
 إنّ نفي الملاءمة والمناسبة عن actuel ، بترجمة مفهوم unzeitgamess بغير مناسبة أو غير وقتية، لا يفيد في تقريب المعنى. فالتلاؤم والتناسب يحيلان إلى التطابق بمعناه المنطقي compatibilité ، وهو مالا يعنيه نيتشه في صياغته للمفهوم داخل مجال المعرفة التاريخية.
لا يصحّ اعتماد لفظ “الحالية ” أو “اللاحالية” لترجمة المفهوم، فكلّ ما ليس بالحالي، فهو غير واقعي.
وإذا كانت هذه الترجمات لا تفي بالغرض، فإننا سنعتمد مفهوم “الأوان” لترجمة actuel، وليصبح inactuel هو في “غير الأوان”. هذا الاختيار يجد سنده في “لسان العرب” . فيقال “الأوان والإوان : الحين والزمان، فنقول : جاء أوان البرد. ويقال آن الشيء أينا، أي حان. وبما أنّ “الأوان” مفهوم أصيل، وبما أن المفهوم مازال يستعمل اليوم في الفلسفة كما في التاريخ، فإنّنا سنعتمد ترجمة unzeitgamess بـ “في غير الأوان”.
ولمّا لم تكن مهمّة المترجم هي مجرّد نقل اللفظ من لغة إلى أخرى، بل العمل على تقريب المعنى داخل اللغة المنقول إليها، وجب علينا أن نوضّح ما يعنيه نيتشه بصيغة “في غير الأوان”. كيف ذلك؟
يحدّد نيتشه في الجزء الثاني من اعتباراته الأربعة، المعروف بـ”جدوى ومضارّ الدراسات التاريخية للحياة”، تصوّره لـ”في غير الأوان” كما يلي : “كتلميذ للأزمنة القديمة، خاصة الإغريقية منها، توصلت إلى أن أمارس على ذاتي، كطفل من العصر الحالي، تجارب آنية. ولي الحق في أن انسب هذا الاستحقاق لنفسي ولمهمتي كفيلولوجي كلاسيكي. والسبب في ذلك هو أنني لا اعرف المعنى الذي يمكن أن تنعت به الفيلولوجي إذا لم يكن يفعل بطريقة غير آنية على زماننا، أي ضد الزمان ومن ثم على هذا الزمان، لصالح زمن مستقبلي، كما آمل”.
هذا التصور استوجب من دولوز في مؤلفه “نيتشه والفلسفة” توضيحا يلخصه في هذا التعليق : “للفلسفة، عند نيتشه، علاقة أساسية بالزمن : الفيلسوف المضاد لزمانه دائما ناقد للعالم، نافد للأوان. فهو يشكل ويصوغ مفاهيم لا أبدية ولا تاريخية, إنها مفاهيم مغايرة لزمانها وغير آنية. إن التعارض الذي تتحقق فيه الفلسفة هو تعارض الأوان مع اللازمان. وفي هذا التعارض هناك حقائق أكثر من الحقائق الأبدية والتاريخية، إنها حقائق الزمن القادم. فليست هناك فلسفة تاريخية ولا فلسفة أبدية، فأبدية الفلسفة وتاريخيتها إنما ترد إلى ما يلي : الفلسفة التي في غير أوانها، هي دائما الفلسفة التي تكون في غير أوانها بالنسبة لكل عصر”.
فأن يكون الفيلسوف “في غير أوانه”، معناه أن يفكر ويفعل، ليس كما هو زمانه، ولكن ضد وعكس وفي تعارض مع زمانه. وهذا التصور يستلزم التمييز بين دلالتين لصيغة “في غير الأوان”.
أما الدلالة الأولى والتي تعود لأكثر من خمسة قرون فأصبحت بالية ومألوفة من كثرة التداول، بتعلق الأمر بمفهوم النقد. فمهمة الناقد تتحدد في نقد زمانه وعدم قبول من الأفكار المعاصرة إلا ما قبله النقد. ولعل المقاربة الديكارتية المعتمدة على الشك تمثل هذه الدلالة. فديكارت لا يقبل ما اكتسبه بالعادة والتربية إلا بعد إخضاعه للنقد. فكل ما هو معاصر من المعارف والقيم يستوجب الحيطة والحذر. فلا يتم قبول أية قضية، خاصة أو عامة، فلسفية أو سياسية إذا لم يقرّرها النقد.
ويمكن إدخال سلطة النقد ومشروعيته في إطار المفهوم المخفف للفلسفة في غير الأوان. وهكذا فالتساؤلات الكانطية حول نقد العقل الخالص والعقل العملي تدخل في هذا الاتجاه.
لكن الصيغة النتشوية تعتبر أكثر صلابة، فهي تجمع بين النقد والهدم والبناء والحرب. فالفعل التقدي الذي هو “في غير الأوان” يتضمن مجموعة من الآليات يمكن رصدها فيما يلي :
ــ المهمة الأولى للفيلسوف هي نقد زمانه، نقد الحاضر، أو ما يعتبره ويعتقده الناس، فـ”الفيلسوف، باعتبار رجل الغد أو بعد الغد، يجد نفسه بالضرورة دائما في تناقض مع الحاضر. إن خصمه كان دوما هو المثل الأعلى اليومي. وقد نسب كل رواد الإنسانية الخارقين هؤلاء، الذين نسمّيهم فلاسفة والذين قلما اعتقدوا أنفسهم أصدقاء الحكمة،…إلى أنفسهم مهمة صعبة، لاإرادية، لا مفر منها، والتي خلصوا إلى اكتشاف العظمة فيها، عظمة أن يكونوا إحساس زمانهم بالذنب”.
الفيلسوف “في غير أوانه”، يشعر بالقرف من زمانه، ويحسّ بالاغتراب عن حاضره، إنّه يرفض الإحساس بالانتماء إلى الحاضر أو أن يكون مواطنا في زمانه.
هذا النقد يفيد قلب القيم ونقد الحداثة وعدميتها. إنه نوع من مواجهة الزمن الحاضر من أجل تأسيس المستقبل. فلا عجب أن تكون هذه الفلسفة هي فلسفة المستقبل وفلسفة العقول الحرة والمتحررة من كل دوغمائية. إن القضايا التي طرحتها هذه الفلسفة مثل الحياة، المرض، الدولة، الحرية هي قضايا دائما آنية أو لتقل تجاوزا لها رهنيتها.
ورغم كونه ناقدا، فإنه يختلف عن باقي النقاد، أو عمّن يسمّيهم نيتشه “شغيلة الفلسفة”، وهذا ما يتطلب الكفّ عن عدم التمييز بين شغيلة الفلسفة، وبصفة عامة بين رجال العلم وبين الفلاسفة. من المهم في هذا المجال بالضبط أن يعطى”لكلّ ذي حقّ حقّه”. الواجب على الفيلسوف أن يكون “ناقدا وشكوكيا ودوغمائيا ومؤرخا، وبالتالي شاعرا، رحالة ومكتشف ألغاز. إنه يتصرف في عمل شغيلة الفلسفة التمهيدي، كل أولئك الذين صفّوا حساباتهم مع الماضي، ينزعون إلى المستقبل بأيادي خلاقة، ومن أجل هذه المهمة كل ما وجد يعتبر وسيلة، أداة ومطرقة.
النقد “في غير الأوان” يختلف عن النقد الفلسفي المعتاد، فهذا سيكون مجرد مادة خام يمكن أن يشتغل عليها. لهذا يؤكد نيتشه أنّ الفلاسفة الذين هم في غير أوانهم “لن يفرضوا على أنفسهم النظام النقدي وكل ما يعوّدنا على الوضوح والصرامة ويرفضون نعتهم بالنقاد، وسيعتبرون أن نعت الفلسفة ذاتها، كما يحلو للناس أن يفعلوا اليوم، على أنها علم نقدي ولاشيء غيره، إنما هو إهانة خطيرة للفلسفة…النقاد أدوات للفلاسفة، وسيلزمهم الكثير ليكونوا فلاسفة”.
ــ إذا كان النقد “في غير أوانه” يجعلنا نتجاوز معناه المتداول، فإنّ المعنى الجديد يصبح هو الهدم أو ممارسة التفلسف بضربات المطرقة. إنه نقد عنيف يهدف إلى هدم الأوثان بكل أنواعها سواء الظاهرة أو الخفية، وقلب المفاهيم ومنها الأفلاطونية. أي نقد كل القيم التي اعتبرها الناس حقائق. بل والكشف عن كل أمراض العصر وأعراضها، وإزالة الأقنعة عن أوهام الحداثة وعدميتها.
لا ينبغي أن تفهم أن هذا الفيلسوف مطالب بالانعزال والهروب من الواقع، بل العكس فهو مطالب بالغطس في الحياة، في الإقامة في هذا الزمن وليس الاختفاء خلف المعالي. وإذا كانت العامة قد “تجاهلت الفيلسوف لمدة طويلة وخلطت بينه وبين رجل العلم أو بينه وبين المتصوف المهووس المنتشي بالإله بعد أن تجاوز الأخلاق وانعزل عن العالم…فإنّ الفيلسوف الحق لا يحيا في هيئة “فيلسوف” ولا في هيئة “حكيم” ولا في هيئة عاقل على الخصوص. إنه يحسّ بثقل حمل وواجب خوض التجارب المائة وإغراءات الحياة المائة، يلعب إراديا باستمرا ر، يلعب اللعبة الرديئة بامتياز”.
ــ المهمة النقدية الثانية للفيلسوف بعد الهدم هي البناء. ومن أجل هذه المهمة “كلّ ما وجد يعتبر وسيلة، أداة ومطرقة. الـ”معرفة” بالنسبة إليه إبداع . وعلمه وعمله يقتضي التشريع”.
هذا الفيلسوف لا ينفي فقط بل إنه يثبت، يقول نعم للحياة، لكل ما هو إشكالي في الحياة.
ــ إن عدم التوطن الفيلسوف في هذا الزمان، يتطلب السفر إلى زمن آخر الاتصال بعصر آخر، بزمن من تلك الأزمنة البعيدة والمنسية، العوالم الأكثر غرابة. وانطلاقا من هذه العوالم نمارس التجربة على الذات. لكن الاتصال بالماضي البعيد يتعلق، بالنسبة لنيتشه، يتعلق بالإغريق ما قبل سقراط. والاتصال بالإغريق ـ الذين هم لا ينتمون إلى الحاضر ـ معناه استحضار ماض أصيل، وبما أن هذا الماضي لم يعد بالفعل حاضرا، فإن هذا يفيد معنيين : أن الماضي ليس واقعيا (لأنه لا يوجد في الحاضر) وليس أسطوريا (لانه كان موجودا ومازال مؤثرا) . هنا يحضر العود الأبدي .ونيتشه يقترح تسمية ديونيزوس لهذا الماضي البالي الذي سكن الإغريق، هذا الماضي الذي يحضر ليتحدث الآن وهنا.
ــ لما كان الفيلسوف الذي في “غير أوانه” يحسّ بالغربة عن زمانه، والبعد عن عصره، فإنّ سبب ذلك ينبغي أن يكون بسبب إحساسه بالانتماء إلى زمن آخر، ليس إلى الماضي فحسب، ولكن إلى ماض عائد، والى زمن مستقبلي. بمعنى أن لا يحس بالأبدية أو خارج الزمان، إنه مدعوّ إلى خلق زمن آخر مستقبلي.
إن النقد الذي هو في”غير أوانه” يتجسد عند نيتشه في نقد الماضي، سقراط وأفلاطون، مع استحضار النماذج الإغريقية المفعمة بالحياة. كما يشمل نقد الحاضر، فاغنر وشوبنهاور، مع الانفتاح على المستقبل “أكتب هذا التاريخ للقرن المقبل أو للقرنين المقبلين. هنا يمكن اعتبار الفلسفة “في غير أوانها” نوعا من التنبؤات للمستقبل. فالقضايا التي طرحها نيتشه كالعولمة، والحروب، وحدة أوروبا، الكحول وربط مصير الإنسانية بالتغذية، وجدت ما بعد عصر نيتشه أوانها. بل إنها مازالت آنية. فلا أوانية نيتشه هي التي تجعل القضايا التي يطرحها آنية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق