الفلسفة والقناع

‬أثارتني‮ ‬ملاحظة دقيقة وذكية تعرض لها عبد السلام بنعبد العالي‮ ـ ‬في‮ ‬نص‮ :‬الأدب أداة للتحديث من كتاب‮: ‬في‮ ‬الانفصال،‮ ‬دارتوبقال‮ ‬‮ـ حول الدور الذي‮ ‬يلعبه الأدب في‮ ‬التواصل مع الجمهور،‮ ‬إذ ما آثاره‮ كتاب ” ‬في‮ ‬الشعر الجاهلي‮ ” ‬يفوق من حيث الصدمة التي‮ ‬خلقها كتابات عبد الرحمن بدوي‮ ‬وزكي‮ ‬نجيب محمود، ‬معنى ذلك أن الأفكار المزعجة،‮ ‬أي‮ ‬تلك التي‮ ‬تمس المعتقد الإيديولوجي،‮ ‬وتخلخل‮‬الأجهزة الإيديولوجية للدولة ‬وتزعج المؤسسة،‮ ‬كانت تجد طريقها إلى المتلقي‮ ‬عبر النقد الأدبي،‮ ‬أكثر مما تجده عبر الطرق الأخرى،‮ ‬والمباشرة منها على الخصوص‮. ‬معنى ذلك أيضا أن تحديث الذهنيات كان‮ ‬يمر عبر قطاعات تبدو في‮ ‬الظاهر أقل فاعلية من‮ ‬غيرها‮.

الوقوف عند هذه المسألة‮ ‬يجرنا إلى عمق وظائف الأدب التي‮ ‬يشكل فيها الخطاب الإبداعي‮ ‬موقعا فعالا وعميقا‮. ‬فهو خطاب لا يتوقف عن تجديد آلياته وأدواته متجاوزا البعدين الزمني‮ ‬والمكاني‮. ‬ولعل أحد الأسرار التي‮ ‬تقبع داخل الدائرة الأدبية كونه‮ ‬ينطلق من سياق تاريخي‮ ‬وثقافي‮ ‬ويولد منهما،‮ ‬لكنه سرعان ما‮ ‬يتخطاهما ويتجاوزهما،‮ ‬وإلا ما كان لنا أن نتذوق العديد من النصوص الشعرية الجاهلية‮ ‬أو الإغريقية‮.‬ والأعمق من ذلك أن الأدب‮ ‬يتحول في‮ ‬بعض الأحيان إلى خطاب مُرْبِك ومدمِّر للعديد من القيم والتصورات‮. ‬ويبقى السؤال الذي‮ ‬يظل مطروحا هو لماذا تخفق الطرق الفلسفية في‮ ‬تحقيق تواصل مع المتلقي‮ ‬العربي،‮ ‬إذ كيف استطاع المنهج الديكارتي،‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬ أن‮ ‬ينفذ إلى المتلقي‮ ‬العربي‮ ‬عبر كتابات طه حسين وما راج حولها أكثر مما تمكن من ذلك عبر مؤلفات عثمان أمين‮.

ظلت الثقافة العربية تتعامل مع الفلسفة باعتبارها دخيلة،‮ ‬أي‮ ‬إنها ذات مكانة ثانوية بالنسبة لباقي‮ ‬العلوم ،‮ ‬لذلك ظل التعامل معها‮ ‬يتأرجح بين الرفض والتهميش‮. ‬وهو ما انعكس على الإنتاج الفلسفي‮ ‬بحيث وجد النظر العقلي‮ ‬نفسه أمام تحديات حقيقية بما‮ ‬يطرحه من قضايا تعتبر جوهرية من قبيل وجود الله وعالم ما بعد الموت،‮ ‬وهي‮ ‬من القضايا التي‮ ‬حسم فيها الخطاب الديني‮ ‬بشكل لم‮ ‬يعد‮ ‬يحتمل الجدل والنقاش،‮ ‬مع هيمنة المنهج النقلي‮ ‬الذي‮ ‬ازدهر وترعرع في‮ ‬ظل انتصارات سياسية لأهل السنة‮. ‬فكانت كل السبل التي‮ ‬سلكها‮ ‬العقل‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى المزيد من الانتكاسات والتأزيم والرفض من قبل المجتمع الإسلامي‮.‬ وكان من السهل إلحاق كل الصفات التي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلى معجم الإلحاد والشرك والزندقة بكل من خاض في‮ ‬قضايا ميتافيزيقية واستعمل‮ “‬السؤال‮” ‬أداة له في‮ ‬إنتاج الفعل المعرفي‮. ‬فظل الفلاسفة‮ ‬يشتغلون في‮ ‬مساحات مظللة،‮ ‬وفي‮ ‬غالب الأحيان‮ “‬مضللة‮”‬،‮ ‬توظف لغة‮ “‬رمادية‮” ‬انعكست على الخطاب الفلسفي‮ ‬من خلال‮ ‬التوفيق‮ ‬الذي‮ ‬ظل،‮ ‬هو بدوره،‮ ‬يشتغل على الجمع بين متنافرين ونقيضين‮: ‬الثقافة الإسلامية التي‮ ‬تخشى السؤال وتمارس الوأد الواضح،‮ ‬والفلسفة التي‮ ‬لا تجد حياتها إلا في‮ “‬السؤال‮” ‬المتجدد الذي‮ ‬لا‮ ‬يتوقف عن تمجيد العقل الذي‮ ‬لا‮ ‬يُوَحِّد،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يجعل من وظيفة‮ “‬التعدد‮” ‬حقيقته وديدنه،‮ ‬وهو في‮ ‬ذلك‮ ‬يخشى التكرار والاجترار‮.

وقد كان ابن رشد دقيقا وبليغا حين قال كاشفا هذه المعضلة‮ ” ‬فإن الغرض من هذا القول أن نفحص،‮ ‬على جهة النظر الشرعي،‮ ‬هل النظر في‮ ‬الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع؟‮..‬أم محظور؟‮! ‬أم مأمور به،‮ ‬إما على جهة الندب،‮ ‬وإما على جهة الوجوب؟‮” ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن الخطاب الفلسفي‮ ‬اصطدم بالخطاب الديني‮ ‬الذي‮ ‬شكك فيه وفي‮ ‬مدى شرعية الفسلفة،‮ ‬كما‮ ‬يكشف عن الرفض الباطن الذي‮ ‬تنطوي‮ ‬عليه آليات الثقافة الإسلامية،‮ ‬وهو ما دفع ابن رشد وغيره من الفلاسفة إلى التأكيد على الفرق بين‮ “‬الخاصة‮” ‬و‮ “‬العامة‮”‬،‮ ‬وإن العامة هم الذين كان‮ ‬ينتهي‮ ‬إليهم الحسم في‮ ‬الصراع،‮ ‬نظرا لحرص‮ “‬الحكام‮” ‬على الحفاظ على استمرارهم‮. ‬قال ابن رشد في‮ ‬فصل المقال‮ “‬وأما وكثير من الصدر الأول قد نقل عنهم أنهم كانوا‮ ‬يرون أن للشرع ظاهرا وباطنا،‮ ‬وأنه ليس‮ ‬يجب أن‮ ‬يعلم بالباطن من ليس من أهل العلم به،‮ ‬ولا يقدر على فهمه،‮ ‬مثل ما روي‮ ‬عن البخاري‮ ‬عن علي،‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬أنه قال‮:‬‭ ‬حدثوا الناس بما‮ ‬يعرفون،‮ ‬أتريدون أن‮ ‬يكذَّب الله ورسوله؟‮!”.‬

إن هذا الذي‮ ‬لا يراد أن‮ ‬يعرفه العامة هو الذي‮ ‬كان‮ ‬ينشغل به الخاصة من أهل الرأي‮ ‬والعقل‮.. ‬فكان سلطان الأدب والشعر هما وحدهما الأداة التي‮ ‬يسهل بهما التواصل‮. ‬ولا أدل على ذلك من الأحداث التي‮ ‬تناقلتها كتب السير والتاريخ،‮ ‬فقد ذكر الذهبي‮ ‬في‮ ‬سير أعلام النبلاء‮ ـ جـ18‮-‬ـ184‮ ‬ـ أنه وقف على تأليف لابن حزم الأندلسي‮ ‬يحض فيه على الاعتناء بالمنطق ويقدمه على باقي‮ ‬العلوم،‮ ‬فتألم لأنه كان رأسا في‮ ‬العلوم الإسلامية وكان جزاؤه أن أعرضت عن مؤلفاته الأمة وهجرتها ونفرت منها بل وأحرقتها؛ لأن‮ »‬المنطق الذي‮ ‬ليس فيه تعرض للمذاهب بنفي‮ ‬ولا إثبات إذا قيل إنه من علوم الفلاسفة الملحدين نفَّر طباع أهل الدين عنه ” الغزال؛ معيار العلم في‮ ‬ المنطق‮. ‬ص‮.‬178‮].‬ ويبقى هذا التمييز الذي‮ ‬دافع عنه ابن رشد بجرأة وبرهان وعقلانية،‮ ‬إلى درجة اعتبر فيها‮ ‬العامة ‮ ” ‬أطفالا كبارا‮” ‬مما جعل العامة‮ ‬ينفرون من الخطاب الفلسفي‮ ‬ويستهجنونه ويهاجمونه،‮ ‬وهو ما تقوّى مع المصالح السياسية للفقهاء الذين ظلوا‮ ‬يتواطؤون مع الحكم،‮ ‬مما ساهم في‮ ‬أفول الفلسفة ودخولها تاريخ الصمت مع وفاة ابن رشد،‮ ‬وهو ما‮ ‬يفسر،‮ ‬أيضا،‮ ‬الحضور القوي‮ ‬للغزالي‮ ‬و” تهافته “. ‬وقد أدرك ابن رشد ذلك،‮ ‬إذ‮ »‬صار الناس بسبب هذا التشويش التخليط فرقتين‮: ‬فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة،‮ ‬وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة‮. ‬وهذا كله خطأ،‮ ‬بل‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يقر الشرع على ظاهره ولا‮ ‬يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة،‮ ‬لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم،‮ ‬دون أن‮ ‬يكون عندهم برهان عليها‮. ‬وهذا لا يحل ولا يجوز،‮ ‬أعني‮: ‬أن‮ ‬يصرح بشيء من نتائج الحكمة لمن لم‮ ‬يكن عنده البرهان عليها،‮ ‬لأنه لا يكون لا مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل،‮ ‬ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع‮. ‬فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعا،‮ ‬أعني‮: ‬بالحكمة وبالشرع،‮ ‬عند أناس،‮ ‬وحفظ الأمرين جميعا عند آخرين” ‬ابن رشد؛ الكشف عن مناهج الأدلة‮. ‬مركز دراسات الوحدة العربية‮. ‬الطبعة‮ ‬1‮. ‬1998‮. ‬ص‮. ‬151‮

ولما كان الدين هو الحقيقة التي‮ ‬تشكل وعي‮ ‬العامة،‮ ‬أضف إلى ذلك تواطؤ الفقهاء وأهل الحديث والمتكلمين وإشراكهم للعامة في‮ ‬التكفير والتصدي‮ ‬للفلاسفة،‮ ‬فإنهم انتهوا إلى تحقيق انتصارات متتالية ضربت في‮ ‬العميق الفلسفة التي‮ ‬كانت ما تزال في‮ ‬مرحلة النشوء والتطور دون أن تحقق نضجا‮ ‬يكفل لها الخروج عما وضعه أرسطو‮. ‬وهو ما دفع ابن رشد إلى اعتبار الغزالي‮ ‬أنه كان‮ ‬يجاري‮ ‬العامة في‮ ‬كتابه تهافت الفلاسفة،‮ ‬الذي‮ ‬أخطأ‭ ‬فيه حين تطرق لقضايا إلهية وجعلها في‮ ‬متناول العامة التي‮ ‬يصعب عليها أن تستوعب مثل هذه المسائل،‮ ‬حيث وجدت مأواها في‮ ‬الفنون اللغوية المتوارثة ونقصد الأدب‮.‬ نحن نعلم مكانة الأدب في‮ ‬الثقافة العربية،‮ ‬ودوره أيضا،‮ ‬خصوصا إذا أضفنا إلى ذلك كله،‮ ‬أن الحضارة العربية هي‮ “‬حضارة نص لغوي‮ ” ‬بامتياز،‮ ‬‮ ‬تستند على خلفية مرجعية وثقافية‮ ‬تبجل الإبداع اللغوي‮ “‬الشعر‮”‬،‮ ‬باعتباره علما لم‮ ‬يكن للعرب علما‮ ‬غيره،‮ ‬وهو‮ ‬ديوانهم‮ ‬وفي‮ ‬المقابسة الخامسة والستين‮ ‬يقول أبو حيان‮: “‬نزلت الحكمة على رؤوس الروم،‮ ‬وألسن العرب،‮ ‬وقلوب الفرس،‮ ‬وأيدي‮ ‬الصين‮” ‬إذ جعل موطن الحكمة لدى العرب في‮ “‬لسانهم‮”‬،‮ ‬كما تناول في‮ ‬المقابسة الستين أن”قد جرى كلام في‮ ‬النظم والنثر‮:‬‭ ‬النظم أدل على الطبيعة،‮ ‬لأن النظم من حيز التركيب‮. ‬والنثر أدل على‭ ‬العقل،‮ ‬لأن النثر من حيز البساطة‮. ‬وإنما تقبلنا المنظوم،‮ ‬بأكثر مما تقبلنا المنثور،‮ ‬لأنا بالطبيعة أكثر منا بالعقل‮. ‬والوزن معشوق الطبيعة والحس‮.

لقد اعتبر فوكو أن الثقافة الغربية تعيش أزمة،‮ ‬وهي‮ ‬الأزمة التي‮ ‬تتعلق بالتأمل المتعالي‮ ‬الذي‮ ‬ربطت الفلسفة نفسها به منذ كانط،‮ ‬والمتعلقة بقيمة الأصل أو بالأحرى ذلك الوعد بالعودة الذي‮ ‬يتم من خلال تفادي‮ ‬اختلاف الحاضر،‮ ‬ومن ثم تمكننا من تفادي‮ ‬تحليل ما نفعل في‮ ‬الواقع‮. ‬إذا كان هذا حال الخطاب الفلسفي‮ ‬الغربي،‮ ‬فكيف سيكون في‮ ‬ظل واقع عربي‮ ‬ظلت علاقته منذ قرون مع الفلسفة مشوبة بالحيطة والحذر والارتباك‮!‬ إذن،‮ ‬فالمسألة لها صلة بطبيعة المعرفة والآلة التي‮ ‬تنتج المعرفة،‮ ‬وبالسبل التي‮ ‬يسلكها‮ “‬النظر‮” ‬و‮ “‬الرأي‮” ‬لتقديم التصورات التي‮ ‬جعلت العقل العربي‮ ‬يميل إلى الأدوات الأكثر التصاقا به وبتراثه،‮ ‬وهو ما‮ ‬يستطيعه الأدب،‮ ‬وكما‮ ‬يقول راسل،‮ ‬بأن‮ “‬الأمور التي‮ ‬تجعل الأدب مواسيا أن مآسيه جميعها تقع في‮ ‬الماضي،‮ ‬إنني‮ ‬أرى الماضي‮ ‬كمشهد مشرق حيث النادبون في‮ ‬العالم ما عادوا‮ ‬يندبون على ضفاف نهر الزمن “‮ ‬والحال أن الفلسفة تجعل هذا النهر دائم التجدد،‮ ‬ولا تجعلنا نعيد السباحة في‮ ‬نفس المياه،‮ ‬بسبب قلقها الدائم الذي‮ ‬لا‮ ‬يفتر إلا لكي‮ ‬يكون أكثر توهجا وهدما‮ ” ‬للحقيقة‮”.. ‬ومن هنا نفهم،‮ ‬مثلا،‮ ‬كيف أن الوجه‮ “‬العقلاني‮” ‬للجاحظ اختفى من وراء الوجه الأدبي‮ ‬والفني‮ ‬داخل مجتمع‮ ‬يميل إلى الاحتماء في‮ ‬الماضي‮ ‬ويخشى أن‮ ‬يواجه ذاته أمام رعب أسئلة لا تتوقف عن التناسل،‮ ‬في‮ ‬واقع‮ “‬مُغرَّب‮” ‬لا تحتمله الذات‮ ‬التي‮ ‬لا تجد من مأوى سوى الاحتماء في‮ ‬ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصنع‮ “‬إيهاما بواقع‮” ‬غير الواقع الذي‮ ‬تحياه‮.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق