الفلم اليابانيّ “ما يخصّ شقيقها”

مشكلة يُعاني منها العالم بأسره، وكثيراً ما تقف عائقاً أمام سموّ المجتمع البشري، طرحت سينمائياً مرات كثيرة كما في الفلم الأمريكي التايتنيك، والياباني الدمى على سبيل المثال لا الحصر، ويُطرح مجدداً مع الفلم الياباني "ما يخص شقيقها" من إخراج وسيناريو يوجي يامادا، المنتج عام 2009. الفلم رؤية نقدية للمجتمع الياباني المعاصر، ويضع اليد على عدة نقاط اجتماعية تؤلم الضمير الإنساني سواء في اليابان أو خارجها.

يدور الفلم في سياق من العلاقات الاجتماعية مركزها عائلة تتألف من أم أرملة وأبنتها وشقيق الأم.

يطمح الفلم إلى التأثير في المتلقي من خلال أداتي السخرية والأسى، فعبر الأولى يسعى لدفع المتلقي إلى تجنّب بعض التقاليد اليابانية التي تضع مريديها في مواقف تثير استهزاء الآخرين بهم كما حدث في عدّة مشاهد أثناء حفلة زفاف الابنة (كوهارو). وعبر الثانية يسعى الفلم لتنبيه المشاهد لمقدار الألم الذي تتسبب به بعض التقاليد مثل الزواج التقليدي الذي يتم عن طريق تخطيط الأهل والمعارف، وهي الطريقة التي تزوجت بها (كوهارو)، فجاءت نتائج هذا الزواج كارثياً على الفتاة إذ لم تستطع أن تتواصل مع زوجها بطريقة صحية وسليمة، وإنما كان التواصل بينهما يتم عن طريق كتابة الملاحظات على الورق بناء على طلب الزوج الذي كان يقول : أنه لا يملك الوقت للحديث مع زوجته، أو عن طريق رسائل البريد الإلكتروني التي استخدمتها (كوهارو) لتبلّغ زوجها في أحد الأيام أنها هجرته وتركت المنزل!

المحور الثاني الذي تطرق إليه الفلم هو المثل الأعلى الذي يتبناه الكثير من الشباب الياباني، ألا وهو المال. وهذا المثل الأعلى يدفع الناس لساعات عمل إضافية لدرجة أنّ الزوج قد لا يتمكّن من رؤية زوجته أو حتى إعطائها دقائق قليلة للحوار والحديث كما كان حال (كوهارو) وزوجها الأوّل، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تدمير الأسرة نواة المجتمع الأساسية.

لا يكتفي المخرج هنا بتشخيص المشكلة وإنما يطرح الحل أيضاً، فـ(كوهارو) التي تطلّقت بسبب إهمال زوجها لها وتفضيله المال على الحياة الأسرية تجد بعد طلاقها شاباً يحبّها، وعنده الاستعداد ليضحي بأثمن ما لديه من أجلها وهو ما حدث عندما كان خال (كوهارو) يلفظ أنفاسه الأخيرة في مدينة طوكيو فقام الشاب النجار بترك برنامج عمله لإيصال حبيبته إلى طوكيو في مشهد إيحائي للدلالة على أنّ العلاقات الإنسانية أهم بكثير من الأرصدة والنقود.

وفي الفلم مقابلة أخرى بين المشكلة وحلّها، ففي حين تضعف الأسرة ويتفكك المجتمع في المجتمع المديني بسبب إفرازات العولمة التقنية والاقتصادية وما يتبعها من سرعة وانكماش للزمن واستنزاف للطاقات والمزيد من الإغراءات للفرد والتهميش للأسرة والمجتمع، فأن هناك بيئة أخرى وهي البيئة ما فوق الريفية والتي جرى أغلب أحداث الفلم فيها ما زالت صامدة تجاه العولمة وتداعياتها وإن كان هناك خوف وحذر بين السكان المحليين من الأثر التي قد تُحدثه العولمة إذا ما تمكنت من غزو جغرافيتها. والبيئة الما فوق ريفية هي ضواحي المدن الكبرى والعواصم. وينبه الفلم المتلقي بأن تلك الضواحي هي أحد الحصون التي تحفظ الأسرة من تداعيات النظام العالمي الجديد.

الفكرة الأساسية في الفلم والتي شكلت عموده الفقري تجسدت في شخص شقيق الأم الذي يعرف باسم (تيتسورو)، وهو بطبيعة الحال خال (كوهارو). في هذه الشخصية تتضح مشكلة مؤرقة للكثير من المجتمعات وهي مشكلة تعارض الحرية مع التقاليد. و(تيتسورو) من الأشخاص الذين يرفضون التنازل عن حريته. وفي المجتمعات التقليدية من لا يتنازل عن حريته لمصلحة التقاليد والعادات فإن المجتمع يسحب منه الجنسية الاجتماعية ويعطيه بدلاً عنها الاغتراب، وهذا ما حصل عليه (تيتسورو) إذ أصبح مغترباً ليس عن مجتمعه فحسب بل عن عائلته أيضاً، فهذا أخوه يعلن بعد أحد المواقف أنه لا يريده أن يُدفن في مقابر العائلة، وعمة (كوهارو) ترفض مجيئه إلى حفل زفاف ابنة أخيها. ودخل (تيتسورو) نتيجة لذلك صراعاً على أرض الذات، ويسأل نفسه : هل أخسر حريتي وأكسب وجودي في المجتمع، أم أكسب حريتي وأفقد ذاتي في متاهات الاغتراب الاجتماعي. وعلى غير العادة يختار (تيتسورو) الحرية، لكنه في نفس الوقت يريد إبقاء صلاته مع عائلته على الأقل، وبشكل خاص مع أخته الكبرى وابنتها. لكن الأمور لا تسير كما يريد (تيتسورو) ويقع في عزلة اجتماعية خانقة لا يجد فيها متنفساً لولا زوج أخته (قبل أن يموت) الذي يعطيه شرف تسمية ابنته (كوهارو). وكان ذلك الحدث الوحيد الذي أعطى (تيتسورو) الإحساس بالوجود داخل المجتمع، لذا نراه في اللحظات الأخيرة لموته يرفع أصبعيه بإشارة النصر، التي كانت تعني أيضاً الحرف الأوّل لأسم (كوهارو) باللغة اليابانية في إشارة رمزية منه بأنّ وجوده الاجتماعي لم يكن سوى ذلك الاسم!! وباستثناء هذا الأمر لا يوجد أمر آخر في حياة (تيتسورو) يُشعره بذاته ووجوده في المجتمع.

لكن هل يتوقف الأمر ههنا؟ هل الطلاق هو مصير العلاقة بين الحرية والتقاليد؟ وعلى طريقة محاربة المجتمع للعظماء طيلة حياتهم وتكريمهم قبل مماتهم بلحظات أو حتى بعد مماتهم بسنين وعقود وقرون، فإنّ إرهاصات الموت التي بدأت تظهر على (تيتسورو) ووقوفه على حواف الهلاك كان كفيلاً أن يلين قلب الأخت التي عادت لتفتح مع أخيها قنوات الاتصال، أمّا الابنة (كوهارو) فيبدو أنّ الحب الجديد الذي غمرها من طرف الشاب النجار قد غير رؤيتها للكثير من الأمور ومن بينها رغبتها في رؤية خالها. وحتى العمّة بدّلت قناعاتها تجاه (تيتسورو) بعد أن عاشت بنفسها معاناة العزلة والوحدة في عمر الهرم والشيخوخة، بمعنى أنّ الأمور قد تغيّرت تحت تأثير الألم والأسى، ولا ندري لماذا لا يُحاول البشر أن يتعلّموا من غير ألم أو حزن؟!

الفلم صولة جديدة ضدّ تقاليد المجتمع البالية، ودفاع جديد عن حرية الإنسان وتقبله كما هو دون رغبة استبدادية في فرض الآراء والأنماط والسلوكيات على الآخرين. والفلم في الوقت الذي ينتقد فيه المجتمع ويبرز عيوبه ونواقصه فأنه يلقي الضوء على نقاطه الإيجابية وينبه إلى ضرورة الحفاظ عليها ولا سيما ما يتعلّق بالأسرة والحب والعلاقات الاجتماعية الحميمة كالتي كانت سائدة في تلك الضاحية من ضواحي طوكيو.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق