الفنانون والحراك الثوري: مصر وسورية مثالين / وحيد عبد المجيد

 

لم يأخذ فنانون سوريون عبرة من حال بعض أقرانهم المصريين النادمين الآن في عزلتهم على موقفهم ضد شعبهم وثورته. يبدو شعورهم بالعار أقوى من أي أثر قد يترتب على إدراجهم ضمن «قوائم العار» المتداولة في مواقع الكترونية عدة.

 

بادر عدد منهم بالاعتذار. وبينهم من اضطروا إلى الاعتراف بجهلهم السياسي أو تبرير موقفهم بأنهم لم يدركوا ما حدث أو لم تتضح لهم الصورة.

 

وتفيد استطلاعات الشهرين الأخيرين أن الاتجاه العام يميل إلى قبول اعتذار فنانين وقفوا مع نظام حسني مبارك حين اندلعت الثورة ضده، ولكنهم لم يهاجموها بخلاف آخرين ناصبوها العداء وذهب بعضهم بعيداً في التطاول على شبابها.

 

ومع ذلك، يكرر فنانون سوريون الآن ما فعله بعض هؤلاء الذين سقطوا في اختبار الثورة. ومثلما شارك فنانون مثل أشرف زكي وغادة عبد الرازق ومحمد لطفي وآخرون في التظاهرات الصغيرة التي أيدت مبارك قبيل تنحيه واعتبرها كثير من المصريين جزءاً من «الثورة المضادة»، قاد المطرب سامو زين تظاهرة لتأييد بشار الأسد أمام مبنى السفارة السورية لدى القاهرة وهتف مع المؤيدين: (الله – سورية – بشار وبس).

 

ولم تكتف الفنانة سلاف فواخرجي باستخدام اللغة نفسها التي لجأ إليها فنانون مصريون في هجومهم على المتظاهرين، بل زادت اتهاماً للمناضلين السوريين الذين يطلون عبر فضائيات عربية بأنهم «خونة»! كما خرقت المطربتان نورا رحال وصفاء سلطان أعلى سقف بلغه فنانون مصريون وقفوا مع نظام مبارك ضد الثورة، إذ قدمتا أغنيتين في حب نظام الأسد. وتقول أغنية رحال في مطلعها: «ما بتكفي أيام السنة نقول بحبك».

 

وربما لم تعرف هاتان المطربتان ما فعلته الفنانة شيرين عبدالوهاب التي أعلنت ندمها على الأغاني التي غنتها لمبارك قبل الثورة وليس خلالها، واعتبرتها وصمة عار في حياتها. وعندما أثير السؤال عن موقفها، نزلت إلى ميدان التحرير مؤكدة وقوفها مع الثورة.

 

وربما لم تر المطربتان السوريتان أيضاً حال المطرب تامر حسني عندما ندم متأخراً على موقفه وتوجه إلى ميدان التحرير لتقديم اعتذاره لأبنائها الذين رفضوا استقباله، فانهالت الدموع من عينيه على رغم أنه لم يتحد مشاعرهم بإعلان حبه لرئيس انتفضوا ضدّه.

 

وما أبعد المسافة التي تفصلهما، ومن حذا حذوهما، عن الفنان سميح شقير الذي أهدى أطفال مدينته درعا وغيرهم أغنية «يا حيف» التي اعتُبرت «أغنية الثورة السورية». وهي مؤثرة يقول في أحد مقاطعها: «زخ رصاص عالناس العزل يا حيف/ وأنت ابن بلادي وتقتل بولادي».

 

وتحظى هذه الأغنية بالشعبية كأغنية المطرب اليمني المعروف أحمد فتحي «يا معتصم» التي اعُتبرت «أغنية الثورة اليمنية»، ويقول في مطلعها: «يا معتصم يا صانع الحلم الجميل المرتسم/ لو سال دمعك أو دمك اشمخ برأسك وابتسم».

 

وعلى رغم أن الفنان الليبي حميد الشاعري لم يقدم أغنية للثورة الليبية، فقد وقف معها منذ يومها الأول وشارك في تنظيم قوافل مساعدات لشعبه معلناً أن «القذافي عار على العروبة ولا بد من محاكمته». غير أن الشاعري يعيش في مصر وليس في ليبيا، واتخذ موقفه الشجاع في الخارج لا الداخل.

 

ولذلك كان سهلاً عليه الوقوف مع شعبه، بخلاف الفنانين السوريين الذين يبدو وضعهم صعباً. وهذا ليس الفرق الوحيد، لأن قمع النظام السوري للثورة لا يُقاس بما فعله نظام القذافي ولا يزال.

 

غير أن هذا الفرق قد يبرر موقف فنانين سوريين سعوا إلى اتخاذ موقف متوازن بين النظام والشعب، ولكنه لا يوفر أي عذر لآخرين ذهبوا إلى أبعد مدى في مهاجمة شعبهم وتحولوا إلى جوقة تعزف الحان البهجة في مواكب جنائز الشهداء.

 

فقد حاول فنانون كبار كدريد لحام وجمال سليمان ومنى واصف وباسم ياخور بلورة موقف وسطي يؤيّد أي حراك سلمي يحقق كرامة وحرية المواطن ويرفع مستوى معيشته ويطالب بإعلان حداد وطني في سورية على أرواح الشهداء ومحاسبة كل من تسبب في إراقة الدماء، ولكنه يشيد في الوقت نفسه بالخطوات الإصلاحية التي أعلنها الرئيس الأسد ويطالب بالإسراع في تنفيذها.

 

وربما يكون هذا موقفاً معقولاً في ظروف سورية يحافظ على حد أدنى من كرامة الفن وأهله وعلى مقدار من الاحترام لرسالته التي لا يعرف فنانون آخرون شيئاً عنها. فبالمقارنة مع مصر مثلاً حين اندلعت ثورتها، يعتبر مستوى القمع في سورية أعلى بشكل ملحوظ كمّاً ونوعاً، والرقابة الإعلامية عليه محصورة في صور كاميرات الهواتف المحمولة، بخلاف مصر حيث كان وجود وسائل الإعلام مؤثراً بما يجيز القول إن ثورتها كانت على الهواء باستمرار.

 

كما أن حركة الثورة نفسها في سورية بطيئة. فهي لم تحقق على مدى شهرين إلا أقل مما أنجزته ثورة 25 يناير في أسبوعها الأول. فقد اضطر الأسد إلى تشكيل حكومة جديدة بعد نحو أربعة أسابيع، فيما مبارك أُرغم على ذلك بعد أربعة أيام فقط.

 

وهذا فضلاً عن أن اختلاف التكوين المجتمعي يتيح للنظام السوري فرصة لوضع سيف الحرب الطائفية على عنق الثورة. وقد يكون في هذا الاختلاف تفسير للفرق الكبير بين خريطة مواقف فناني البلدين. فالموقف المؤيد للمتظاهرين يبدو نادراً في سورية بخلاف مصر التي انحاز عدد كبير من فنانيها إلى الشارع منذ البداية، وشارك بعضهم في فعاليات الثورة وأصيبت الفنانة جيهان فاضل برصاصة في قدمها. وأمد هؤلاء ثورة 25 يناير برافد ثقافي كان له أثره في تأكيد طابعها الديموقراطي المدني التقدمي.

 

ولكن هذه الثورة أظهرت في الوقت نفسه مدى ضحالة كثير من الفنانين ثقافياً، وليس فقط سياسياً، وتدني وعيهم العام واستغراقهم في مصالحهم وانفصالهم عن المجتمع الذي صنعهم وجعلهم نجوماً. كما كشفت فنانين وفنانات كباراً كونوا ثروات طائلة من جيوب بسطاء الناس. فكانت مواقف فنانين بحجم عادل إمام ويسرا وليلى علوي وإلهام شاهين ونادية الجندي وأحمد السقا وغادة عبد الرازق مناقضة لرسالة الفن ودوره في المجتمع. ولكن آخرين رفعوا شأن الفن وأكدوا ارتباطه بالمجتمع مثل عمر الشريف وصلاح السعدني وعمرو واكد وخالد الصاوي وفردوس عبد الحميد وشريف منير وتيسير فهمي وأحمد عيد وغيرهم كثير.

 

وقد يـكون واجـباً على هـؤلاء الذين يـفـخر كـثير من العرب في كل مكان بموقفهم تجاه الثورة المصرية أن يساندوا ثورات شعوب عربية أخرى يعرفهم كل مواطن من أهلها ويحترم فنهم ودورهم ورسالتهم وينتظر منهم أن يأخذوا زمام المبادرة في هذا الاتجاه.

 

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة البيرويتية 24/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق