الفنان السوري العالمي عمر حمدي ( مالفا ): “أنا الكل والكل أنا”

ولد عمر حمدي في قرية “تل نايف” التابعة لمحافظة الحسكة الواقعة أقصى الشمال الشرقي من سوريا وفتح عينيه منذ اللحظة الأولى ومن خلال الظلمة على باقة من الألوان الحالمة ترقد بهدوء إلى جانب رأسه … هكذا تصف جانيت كوركيس زوجته السابقة لحظة مولده: (توقفت الصرخات حينما استنفدت إمكانية الضبط وخيّم وجع الليل الشتّوي على وجه الأم المسكينة وهي غائبة عن الوعي والوالد بعيد … عين ساهرة على الحدود خلال أدائه الخدمة الإلزامية … كان ذلك ليلة رأس السنة الميلادية 1949، توقّف فرح العالم بأسره لحظة الولادة وراحت عينا الطفل تبصر الظلمة بهدوء … ) ص 44

ينتمي عمر حمدي إلى جيل السبعينات (المرحلة الذهبية في تاريخ الفن التشكيليّ السوريّ) ويصنفه النقاد اليوم كواحدٍ من أهمّ الملونين في هذا العصر وقد قيل فيه إنه يجسد الحركة الحيّة في الرسم الانطباعيّ والتجريديّ، يمتصّ كلّ شيء ويفرز ما يريد. ورغم أنه عاش طفولة أقلّ ما يقال فيها أنّها كانت بائسة ومجدبة لم يكن فيها شيء يسمح بالتنبؤ بمصير عمر الطفل:

” وحيدا أدسّ ملامحي في جواز سفر مزور، تتسارع نبضات اللون الطرية في حركة الفرشاة، وهي تتلمس عينيّ باحتمالات مبهمة.. أحدّق في البعد: كلّ شيء يرقد هادئا إلاّ الخوف.. وفي حنوّ، أعبر تلافيف اللحظة الساخنة، فأتناسخ أياديَ مسقية بالحناء بيوتا من الطين، نعاجا بلا أسماء، نايا بلا صوت، وأطفالا تشدهم رائحة الخبز.. أركض للمرة الأخيرة باتجاه السراب المسافر في الظهيرة، ومع امتداد الأفق اللانهائي، أتعرّف على ملامح جديدة للوطن، أتعرّف بأنّ البحر حوار مالحٌ.. وبأن أتحوّل إلى طير، لأرسم الطيران.

أتأمّل هذا القدر في الأزرق، أتذكّر أنّ سطوح قريتي لا تزال خضراء، موجة باردة تقتل فيّ نعاس البراءة المهرّبة في عينيّ يتلاشى الوطن في جسد القيمة الحبلى، وهي تلامس برحمها الذهبيّ حوافّ السماء، تزداد المسافة بيننا، نبتعد، فنتقارب أكثر.” فقد توصّل إلى بناء مجده الشخصيّ بطريقة نادرة … سكن عمر حمدي في فيينا بإطارها الصغير المحتكر لعدد وافٍ من الفنانين واستطاع رغم ذلك الوصول إلى الساحة الفنية المخيفة في الغرب والتي احتاج إلى سنوات من التعامل مع صالات العرض ليشكّل فيها اسما متميّزا وتغدو فيينا بعد ذلك الاستراحة والهدوء.

ولأنّ الفنّ في العصر الحديث يعاني من اختلاط المفاهيم والقدرات والاهتمام مقتصر على ما هو آنيّ مكثّف مثير وشاذّ، وأن يجد النقاد وصالات العرض فنّانا لا يزال يحتفظ بمفاهيمه البدائية المحافظة وبقدراته اللونية كمالفا لا يعني سوى قدرة كبيرة ليست في وقتها، وهذه القدرة هي التي تؤمّن الحضور المتميز له.

عمر حمدي يفترس اللون بنهم، نجده وديعا يودع أحلامه على جسد امرأة أو كناسك يتأمّل البحر، يفاجؤك بالرؤيا والكلمة، ثم يقودك إلى الحلم وإلى الذكرى، ولا شيء يحمل ملامحه مثل اللون.

” وتمرّ جنازة لحين، يتيم الصدى، يدغدغ بقايا امتلأت برائحة التبغ والألوان، ومن جديد تمرّ معزوفة الخوف، تتمدّد بدايات فجر كئيب، ولون يملأ عيني بقليل من الدفء قدماي المتعبتان من الدوار في مدينة تمارس يقظتها باكرا، تزحف إليها من كل المداخل وجوه ثكلى بالتعب المستبد، وعلى حواف صوت المطر، تتمايل الذاكرة الخضراء، في فراغ ينتحر بلون واحد ” يعيش عمر حمدي متنقلا بين عدة بلدان فهذه الأمكنة والبلدان تشكل أشارات كبيرة ترافقه منذ تعرفه على نفسه بأنه سيكون فنانا، ولأن ولادة الاغتراب في داخله كانت المحرض الأساسي للهروب والكشف لأن العلم كبير، ولأن الفن يحمل غناه من حجم هذه التجربة، تجربة السفر واكتشاف الاختلاف.

{{يقول في أحد حواراته:}}

“اللون …اللون… كلّ شيء هو لون … يولد مع فتحة العين وينتهي في المكان الذي ولدت فيه، كانت الفراغات اللونية كبيرة، تتحرك مع غبارها رقع لون صغيرة من ثياب وسجاد ولحف، وكأنها إيحاءات لصدى قديم، نخشى على غيابها..‏ إلا أنّ اللون يبقى حتى اليوم كلما بدأت أواجه المساحة البيضاء، متاهة كبيرة، متاهة الخبرة والإضافات الجديدة، شيء غير قابل للانتهاء، لا شيء ينتهي، كذلك اللون، هذا السر الأبدي للحياة، سرّ لا يمكن الوصول إليه بدون أن تمنحه كل ما عندك.. وابعد من ذلك أمام هذا الضياع الكبير وتلك المرحلة المعقدة في حياتي، كنت وحيداً مثل اليوم.. اعشق الطبيعة لأنها الحياة، والتفاصيل واللون والمعجزة والأساس لكل التطورات التي حصلت في تاريخ الفنون الإنسانية.‏ أما عن التحولات من اتجاه إلى آخر، فأنا أتحول في كل لحظة.. للضرورات التي ذكرتها، ولا أعمل كتجريدي أو خليط تجارب فنية، وإنما اكتشف هذا السر في الفنان عبر تجربة حياتية طويلة وشاقة عبر كل الولادات القسرية مع اللوحة الجديدة، أن تكون في النهاية بلا هوية، أفضل بكثير من هوية غير قابلة للاستمرار أو للحياة، لأن الفن هو ذلك البحر الكبير وأنا المغامر بالدخول، لأتعلم السباحة..‏

يقول مالفا “هذا هو عمر حمدي، ولن أكون يوماً سجيناً لتجربة أو اتّجاه تشكيليّ محدّد يقول فيه البعض بأنني هكذا.. بل أنا الكل والكل أنا.‏”

عمر حمدي “مالفا” مثل صوت يخرج من الوادي يتوزّع ويتمدّد إلى الأعلى، يحاول أن يقدّم كلّ شيء دفعة واجدة في اللون وإمكانياته اللا محدودة من حركة وتداخل وأبعاد، وقيم السطح التي تشكلها الفرشاة العريضة بحركتها المشبعة بالحسّ وتميّزها بالحيوية والتوتر الذي ترافقه السكينة، تتنفس المساحات المغلقة، أو المساحات ذوات الحشد الحيوي وكأنها أكوام بشر، أو الانفعالي للحركة، حقول من الزمن، موزّعة فراغ مفتوح، انفصامات داخلية، تناثر بقع ضوئية، أو جسدية”رأس، أو جسد”متعة الدخول إلى الأحمر، وبحذر خاص مع الأصفر، بعد أن تمنحك امتدادات داكنة، متدرجة القيم في مساحات واسعة، يشارك أجواءها الرمادي أو الزهري، حالات لها خلفيات مسالمة، شاعرية، أوعاطفية، أو عدوانية.”

يؤكد مالفا أنه لا التزام في الإبداع.. والتراث حسّ، وهذا الحس يتطلب المقارنة، وبذلك يبقى اللون الغربي أو لغة الحداثة اللونية في التجريد، إضافات مهمة في حياته،..‏ “علينا أن نبدأ بترميم الفراغ الذي توقف عن الحياة في حضاراتنا الكبيرة، عندها نكون قادرين على أن نشارك في صياغة عوالم حقيقية للتطور.. والاستمرارية.. كثيرة هي الجدران التي تقف أمام طموحاتنا، وبالبكاء على الفراغ لا يكفي.. لنحمل هذا التاريخ الذي لا يزال ينبض في داخلنا إلى العالم بلغة عصرية ومتحضرة في عصر كهذا، عصر قابل لكل الاحتمالات.‏”

أما بالنسبة للإيحاءات الهندسية، فهي تحمل دلالات نفسية تشكلت في الطفولة وتراكمت مع العمر حتى دخل بلا حسابات من فترة إلى أخرى، إلى تحديد بعض الكتل إلى مربعات، وليس مستطيلات، لأنه لا يحبّ المستطيل، ثم نراه يخرج من هذا الإطار الإيحائيّ للمربع إلى فضاءات حرّة متداخلة ومعقّدة في الحلول والمتابعة البصرية الممتعة.‏

إنّه يعشق الخوف ولحظات الظلم واللاإنسانية التي عاشها في مسيرة حياته، لأنّ ذلك وحده علّمه أن يكون رساماً، وأن يكون إنساناً وبهذه الإنسانية في أعماله وفي داخله يرفع قلبه على يديه، يمنحه لمن لا قلب له.‏

يعتبر عمر حمدي العمل الفنّيّ بطبيعته جانبا من التراث الإنسانيّ، وهو جزء من الثقافة التأمّلية في حياتنا، وأهمّية العمل الفنّّيّ لم تكن يوماً باغترابه عن القراءة الجماهيرية مهما اختلفت اتجاهاته وتقنياته..‏ لأنّ اللوحة في النهاية تبدأ من إنسان لتستمرّ في إنسان آخر، في الفنّ كلّ شيء يصبح جميلاً، وهذا الجمال هو جزء من تجربته إن كان مباشراً أم لا.‏

يقيم عمر حمدي منذ أكثر من ربع قرن في العاصمة النمساوية فيينا متفرّغا للعمل الفنّيّ بشكل كامل ويقدّم نفسه بقوّة في أهم المعارض والملتقيات الفنية الدولية …

{{معارض خاصة:}}

مختارات من معارضه الفردية:

1976 صالة الشعب بدمشق.

1977 المتحف الوطني بحلب.

1979 فيينا، البنك النمساوي المركزي – آرت غاليري بشيكاغو، غاليري ليتسون بتينيسي ناشفيل – غاليري كرال بسان فرانسيسكو – وغاليري آرنوت بنيويورك.

1990 غاليري اتيليه – وغاليري سيليستة بفيينا ودار الفن بكوتينكن بألمانيا.

1991 غاليري فرانكين شتاين ببرلين.

1992 غاليري فيندلي بنيويورك وباريس.

1993 غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا

{{معارض مشتركة}}

مختارات من معارضه المشتركة:

1972 – 1977 مشاركة بمعارض الخريف السنوية في المتحف الوطني بدمشق والمعارض الدورية لنقابة الفنون الجميلة بصالة الشعب.

1980 – 1992 مشاركة بمعارض الاتجاد العام للفنانين النمساويين داخل النمسا وخارجها.

1989 قصر المعارض بفيينا – والمهرجان العربي الأول للفنون – دار الفن بكوتينكين بألمانيا.

1985 – 1993 مشاركة بالمعارض العالمية السنوية للفنون بفرانكفورت، ألمانيا.

1989 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في مدريد، اسبانيا.

1990 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في ميلانو، إيطاليا.

1991 المشاركة بمعرض آرت جونكسيون الدولي في نيس، فرنسا.

1992 المشاركة بمهرجان بولونيا للفن المعاصر، ايطاليا. ومهرجان فيرونا للفن الأوروبي. ومعرض دار الفن في النمسا، والمعرض العالمي في اسبانيا، والمعرض الفني في مهرجان المحبة والسلام في اللاذقية، سورية.

1993 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في بودابست، هنغاريا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق