الفنّ التشكيليّ والكآبة البيضاء

{{للكلمات ألوانها:}} للكلمات ألوانها، للألوان طقوسها ومناسباتها. بعض الكلمات ارتبط، على نحو حتميّ، بلون. وبعضها ارتبط بألوان. وبعضها بفوضى الألوان. فوضى: إمّا أنها بهيجة تستدعي كلمات من قبيل الكرنفال والإكليل، أو أنها فاجعة في إحالاتها المباشرة إلى الشرر والدم والحجارة والأشلاء والضوء الحادّ. ازدواج القيمة هذا، بين احتمالين؛ سيظلّ يشير إلى وجود مساحة، أي وجود إمكانية لتجلّي استمرار وقوع حادثات كثيرة. من بينها مثلاً، حادثة ولادة عشرات الفنانين التشكيليين والفنانات في قطاع غزّة! فلعلّهم، في بداياتهم تلك، وهم يعيشون مناسبات الوطن وارتباكاته، شيءٌ من حرارة ليوناردو دافنشي وحسّه الصادم لذائقة أبيه السائدة ورغباته. إذ يذكر الكسندر إليوت في كتابه “آفاق الفنّ”، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، في فصل “مرايا الموت والحياة” أنّ أب ليوناردو جاء ذات يوم إلى البيت بلوحةٍ مستديرة صغيرة واقترح على ابنه أن يرسم عليها شيئاً ما. فكان أوّل ما فعله ليونادو هو أنه سوّى اللوحة وصقلها، حتى أخذت تقع كالمرآة. وفي الأسابيع القليلة التالية راح يجول في الحقول، ويعود كلّ مساء بخفافيش وعظايات وأفاع وفراشات، وفي خلوة حجرته راح يركّب وحشاً مصغراً من أشلائها المُجمّعة ثانية. فوحوش الأساطير إن هي في الغالب إلا تجمّعات لمخلوقات معروفة. أكمل ليوناردو وحشَه البشع الصغير، علّقه بخيوط من سقف غرفته المعتمة، ونسخ صورتَه على اللوحة، كما لو أنه جمّدَه في مرآة، ثم تخلّصَ من الجثّة المُركّبة. بعد ذلك أعتم الغرفة، إلا من شعاع خافت واحد أسقطه على اللوحة المنتهية، ودعا أباه إلى الدخول ليراها: وإذا بأبيه يهلع لما يرى. فقال ليوناردو مبتسماً:”هذا العمل يُؤدّي الغرض الذي صنعت اللوحة له. ولوحة الفنانين التشكيليين هي “فلسطين”، الكلمة الواحدة، بكل ما يكدها ويعلها. فعلى نحو عاطفيّ، تحافظ ذهنية الفنّ ورغبات الحركة الدارسة، على تشكيل المسافة، سدّ الفراغ، وتوثيق ملامح المراحل، في جسد؛ كما هي في كلمةٍ يظلّ معنى اسمها محكوماً بالنتائج، أي بإيقاعات الألوان والطقوس، والارتباط المعلن فوق رخاوة حجر النصّ والتأويل. ولسنا في غنى عن القول إنّ ممْكنَ الفنّ ضعيف أمام السياسة المُعّرفة بـ”فنّ الممكن”.

فـ”فلسطين”، بفعل قوى ظاهرة وخفيّة، لم تعد كلمة واحدة، في هذه المرحلة، ولا اسماً واحدا، ولا لوحة واحدة لجثّة واحدة، ذلك أنّ الممكن السياسيّ، كونه ولادا للفوضى، يصيب البصر بفتفتة الأشياء وفورة اللون! السوداوية، الانفصام، الارتباك، الحدّية، الشُجّة، انكسار الشعاع على خيط المدى، وإبداء الشكّ والتردّد؛ أشياء حاضرة في اللوحات، كمجلى للوصف الوطني، أكثر منها إشارة أو حكماً نقديّا على تكوينات أعمال الفنانين التشكيليين الشباب، وهي في بداياتها. أمّا مع الشعر، فالارتباك موقف يشدّ القصيدة إلى نضجها. عندما كلّفتُ، بعد حرب غزّة الأخيرة بنحو شهرين، بكتابة وتقديم كلمة افتتاحية لمعرض ضمّ نحو ثلاثين فنّاناً وفنّانة، من مختلف مناطق قطاع غزّة كنت أدرك أنّ مشاهد المأساة لمّا تزل حيّة في أذهان المهتمّين وسائر المدعوّين، ولتجنّب أن تكون الكلمة إعلاميةـ في وصفها الحرب والانقسام في شكل صريح ومؤلم؛ ولإدخالهم قصد إشراكهم في العملية الجمالية للفنّ التشكيلي؛ أخذت أؤاخي بين الشعر والفنّ التشكيليّ وأتلطّف في وصف الخسارة والأسى، عرّفت الحرب بأنّها انفراط مسبحة في يمين مسنّ.. انكسار سرب كؤوس في يد عروس خجلى وقلقة تمشي في ممرّ يفضي إلى فارس أحلامها.. مخاصمة الشتلةِ الشعلة.. وإمكان أن تسقط الشمس دفعة واحدة في بئر مهجورة، بل هي، واقعاً، ومن طريق المجاز، تبادل القمر مأزق الوقوع بين فكيّ ذئب الليل الواحد. ورغم تبادل الشمسِ والقمرِ مأزقَ الوقوع بين فكّي الذئب الواحد على الأرض الثكلى؛ يقول لنا الفنّ التشكيليّ في قطاع غزّة، أنّ لديه من المبادرة ومحاولة الإعمار الروحيّ ما يجعله بطلاً يغتنم لحظات تجلّيه من فاجعة افتراس الذئب لأصل الضوء وسماويته.

ويغتنم من مشهد السقوط ذاته قطعاً من ضوء تشكّل المعنى كعنوان يتعالى بإيقاعه في الفنّانين والفنّانات، على الواقع. في مسعىً فنّيّ يُومئ بإعادة الاعتبار لحقيقة أنّ ثمّة من لديهم القدرة على لملمة الجراح والإفصاح عن الإرادة وتدشين الأمل في فضاء الشرفة واللوحة، والمساهمة في إعادة البناء بطاقة مدخرة في الأرواح رغم احتلال “الكآبة” لمساحة محتومة ترعب العين. وتلك “الكآبة” في صفتها “احتلالاً” للمساحة والعين، للخارج والداخل، كان محكوماً عليها، سيكولوجيا، أن تأسر البصر وتقوده تلقائيّاً؛ ليرى كلّ شيء قاتماً، وأسودَ. وكلمة “حداد”، هي الأخرى، سرعان ما تزحف وتُعذّي انتشار سطوة الأسود كلون يلتحم بالأزرق حتى يصيره، وكوعاء لطقس تملؤه فوضى الألوان وشراستها ومسخ الأبيض شحوبا أمْيَل إلى الرماد! لوحات الشابات تنطوي على هذا الميل الشديد إلى الكآبة والاغتراب المجبول بحرارة نظرات مفؤودة في فقدانها المتّشح بالأسود وتنويعاته الحارّة. وربما لم يدرين، بدورهنّ، أنّ من عادة نساء المغرب، ارتداء النقيض الناصع، في مشهد طقسيّ، من الرأس حتى الحذاء؛ تعبيراً عن عمق الحداد وشموله إزاء فقدان المرأة زوجها. وقد تقترب لتتقاطع هذه الرؤيةـ في جانب ما، مع حاسّة يعقوب القرآنيّ، الذي ابيضّت عيناه من الحزن على يوسف. والمعنى موجود في بطلة رواية “كأنّها نائمة” لإلياس خوري، “ميليا” التي رأت نفسها بيضاء في المنام، ولم تفهم من أين جاءها هذا البياض كنقيض، يشير إلى عروس المعرّي: “ليلتي هذه عروس من الزنج… عليها قلائد من جمان”. {{كآبة بيضاء:}} على أيّة حال، لا أخفي أمنية قديمة، لطالما تبدّت غبطةً أمام لوحات الأصدقاء، في أن أكون فناناً تشكيلياً يسهر على ضبط إيقاع اللون من دون رجّات زائدة ومن دون درجات صائتة. تعويضاً، هذا ما أحاوله في مناسبة نقدية مفترضة كأن أسمّى قصيدة أو لوحة “كآبة سوداء”، وأعلّق: ما من إضافة جديدة، لأنّ إلصاق اللون، كصفة، بالكلمة، هو بمثابة مناسبة فجّة ويجب محوها، ففيها من الإسراف البصريّ والصوتيّ ما يعيب البلاغة “والفنّ. والآن، وقد لجأتُ إلى النقيض كي أمحو وأفكّ الارتباط القديم بين الكلمة ولونها؛ أجول في مناسبة منفاي الجديد على الثلج. لا أحتفل برؤية الثلج، بل أتدافع داخل ذاتي لأعي معادلي الموضوعيّ وأراه “كآبة” بيضاء من غير ظلّ، ولكن بكثير من سوء الواقع الذي دعا، على سبيل الاهتمام بفلسطين، شاعراً من غزّة إلى “كرنفال” لوديف الفرنسي، ثمّ تركه في مهبّ ارتباكاته وحيرته إزاء فوضى المشيئة في فلسطين، وأعاده إلى أمنيته القديمة بأن يكون تشكيلياً، وأمدّه بطاقة جديدة ليكتب ويكاتب الله من مخيّلة الجبل.

هذا المرتبك الذي عاش الانتفاضة وتحوّل سبورة مدرسة “الأنروا” من الأسود إلى الأخضر، والذي أعيته سيادة تفسير ألوان الراية الفلسطينية تفسيراً أيديولوجياً وسياسيّا. لم يكتب شعر الحنين إلى أيّ شيء خارجي، بل إلى معنى الخلاص الكامن في بدء الأشياء. الحنين الذي عرفه كان لازمة أنطولوجية في عزفه الشعريّ، تحت الأقفال. وكان غنائية التجاوز التي رفع فيها البراءة والإثم؛ لكي يقول: إنّ الحياة أوسع من فوهة المدفع، وأن التحدّي أمامه الآن هو أن يرسم النور بالماء على صفيح لامع، أن يرسم بخيوط القطن دمية على الثلج، وأن يخبّئ نجمته في يد الدمية!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق