الفنّ واليوتوبيا… هل ثمّة مستقبل في انتظارنا؟


 

 


سوف أبدأ هذه المقالة بثلاثة نصوص أعجبتني، ووافقت خيطا إشكاليا في نفسي به سوف أحاول الدّفاع عن أفق اليوتوبيا في الجماليّات بوصف الفنّ يوتوبيات للحلم بعوالم مغايرة…

النصّ الأول: من الكلمات والأشياء لفوكو… يقول : “على أنّ اليوتوبيات تعزّينا. ذلك أنّه إذا كانت لا تملك مكانا حقيقيا، فإنّها تزدهر في مكان خارق وصقيل وتفتح مدنا ذات جنّات فسيحة وحدائق حافلة بالزّرع وبلدانا سهلة حتّى لوكان دخولها وهميّا… فاليوتوبيات المتغايرة تُقلق دون شكّ لأنّها تلغم اللغة سرّا… لأنّها تمنع من تسمية هذا وذاك… لأنّها تحطّم الأسماء العامّة… لأنها تدمر سلفا النحو… إنّها في الخط المستقيم للغة… في البعد الأصلي للقصة… إنّها تطلق الأساطير وتطبع بالعقم غنائية الجُمل…”

…….

النص الثّاني لجاك رنسيار :

“ليس ثمّة مستقبل في انتظارنا وينبغي بالأحرى أن نحذر من السّقوط في أشكال من المستقبل قد مضت بعدُ… لكن لا شيء يدعو إلى التشاؤم… لا يزال لدينا الكثير من العمل في انتظارنا بالنّسبة إلى من يريد ألاّ يموت غبيّا… وتبّا للمتعبين”…

النص الثّالث لرورتي :

“علينا أن نقبل بلا كلل على اختراع يوتوبيات جديدة بلا هويّة…”

هدفنا هنا هو محاولة خلق وضعيات تأويليّة تسمح بالدّفاع عن فكرة اليوتوبيا ضدّ حدث نهاية اليوتوبيات… وهو حدث أعلن عنه هانس جوناس… إذا يمكن اعتبار كتاب مبدأ المسؤوليّة بمثابة آخر نقد فلسفي حاسم لنموذج اليوتوبيا بما هو استشراف للمستقبل… وكتاب جوناس يراهن على إتيقا في حجم الأزمة الايكولوجيّة التي سبّبتها التكنولوجيا المتقدمة… وهو كتاب مضادّ تماما لكتاب ارنست بلوخ “مبدأ الأمل” باعتبار أنّ بلوخ هو آخر يوتوبي وهو يجسد اليوتوبيا الماركسيّة بامتياز… وفي الحقيقة ثمّة نقاش فلسفي واسع النّطاق حول فكرة التقدم التنويرية… هل لا تزال قادرة على الصّمود في ظل الأزمة الايكولوجية والاتيقيّة الحالية… أم أنّها فشلت بعدُ تحت ضغط النقّاد الجذريين للحداثة من نيتشه إلى دريدا؟

في هذا الكتاب يعتبر جوناس أنّ آخر يوتوبيا ينبغي التحرّر منها هي يوتوبيا الثورة الماركسية… وهي يوتوبيا تقوم على شعار لا يعجب جوناس… وهو : “إطعام الأفواه الفاغرة” أي “الأكل أوّلا والأخلاق ثانيا”… وفي ذلك ابتذال لقيمة الأخلاق… ويعتبر أنّ الوعد الماركسي بالعدالة الاجتماعية بين البشر هو تبشيرية فارغة تخبئ في جوهرها عنصرا اسكاتولوجيا ولاهوتيا… وإنّه بالتالي ينبغي تحرير الماركسية من نفسها اليوتوبي بوصفه “اسكاتولوجيا معلمنة” و”دين آخر” ..

سوف يقتنع الفلاسفة المعاصرون إذن بنهاية اليوتوبيا بوصفها تنتمي إلى السرديات الكبرى للمشروع الحديث…

وأبرزهم ليوتار

الذي يعرّف ما بعد الحداثة بعصر نهاية السرديات الكبرى والدخول في عصر براغماتية الذرات اللغوية… ليوتار يوقع نهاية المشاريع الثورية في المعنى الماركسي لتغيير جذري للعالم وبداية عصر الشهادة بالكتابة على اللاإنساني بما هو سمة العصر الحالي … وفي الحقيقة توقيع نهاية اليوتوبيا في معنى الحلم بتغيير جذري للعالم قد أنجزه أدرنو بإعلانه عن فشل كل أشكال المصالحات والجدليات الموجبة والأنساق السعيدة : المصالحة الهيجلية بين العقل والواقع… ويوتوبيا الثورة الماركسية وفكرة التقدم الأخلاقي التنويرية…

اذا كان هابرماس في كتاب القول الفلسفي في الحداثة قد ميّز بين دربين هما : مشروع استئناف الحداثة عبر اتيقا النقاش… ومشروع “جمالوي” عدمي لنقد جذري للعقل الحديث افتتحه نيتشه واستمر منذ أدرنو وإلى دريدا… فإنّ اليوتوبيا ظلّت حيّة في الخطّ الجمالي رغم نهايتها في الخط السياسي والاتيقي… جماعة الاتيقا يتدبرون الشأن العمومي… وجماعة الاستطيقا يراهنون على الإبداع وعلى خلق خطوط مقاومة وإفلات وتحرر من أشكال العولمة والهيمنة وتحويل كل شيء إلى بضاعة…

إنّ اليوتوبيا في الفنّ لا تكمن في رسالة خارج عن الآثار الفنية… ذلك أنّ الفنّ لم يعد مطالبا منذ أدرنو بتبليغ رسالة أو فكرة أو برنامج ولا بالدفاع عن أيّة إيديولوجيا… فاليوتوبيا محايثة للفنّ نفسه… أي أنّ كل أثر فني إنّما هو وعد بالسّعادة… إنّه يعد دوما بمعنى ما حتى وإن كان هذا المعنى هو ضرب من اللامعنى… لكن هذا المعنى أو اللامعنى لا يكون ممكنا إلّا متى كان في قطيعة مع ما يحيط به… يقول دولوز في بداية كتابه “منطق الإحساس “: “إنّ الصفحة لا تكون بيضاء البتة… وأنّ اللوحة لا تكون أبدا فارغة… إنّما هي مؤثثة سلفا بالأشكال وبإغراءات محيط ما ينبغي عليها أن تتحرر منه “.

يتعلق الأمر إذن دوما بيوتيوبيا محايثة للأثر الفني… لكن ههنا مفارقة تخترق كل أثر فنيّ بوصفه ظهورا فحسب… فهو إذ يكتفي بظهوره العرضي ينتهي دوما إلى الاندثار السريع… هي يوتوبيا ليس فيها من غاية غير الدعوة إلى الإبداع… ورسم فضاءات تخييلية لمقاومة تصحر الواقع… ليس في الفنّ أيّة اسكاتولوجيا…

ليست اليوتوبيا غير ما تحرره فينا الآثار الفنية من رغبات… وفي الحقيقة بوسعنا أن نميز هنا بين نماذج فلسفية لأشكال من اليوتوبيا الجمالية : أدرنو واليوتوبيا السالبة… دولوز ويوتوبيا الترحال… ليوتار ويوتوبيا الذرات اللغوية… ورورتي والتهكم الليبيرالي.. (وآخرون)…

1)أدرنو : هو من أنقذ إمكانية اليوتوبيا في الفنّ بعد أن سقطت في السياسة… ولنذكر فحسب بأنّ الأمر يتعلق لديه بما يسميه يوتوبيا سالبة تدافع عن قوّة النفي الجمالي الكامنة في كل أثر فني جذري بوصف الفن أطروحة مضادة لمجتمعات الهيمنة. ولنقل أنّنا هنا إزاء “جماليات القبيح” التي تدافع عن حداثة جذرية قائمة على الآثار الفنية الطلائعية من قبيل موسيقى شونبارغ ومسرح براشت وأدب كافكا وأشعار بودلير ورسوم بيكاسو…

وتقوم هذه اليوتوبيا السالبة على الآثار الفنية بوصفها مونادات بلا نوافذ لم تخلق للتواصل أو للتأويل أو المتعة أو التذوق المطبخي… إنما هي ألغاز تحاكي قبح العالم وتفضح فظاعته… لا مجال لتأقلم الفنّ مع نظام مجتمعات الهيمنة والتشيئة… اليوتوبيا السالبة تعتبر الفنّ وعدا بالسّعادة وهو وعد قد وقعت خيانته سلفا… إذن لا رسالة للفنّ غير إدخال الفوضى على نسق العالم ومقاومة أشكال تشويه الحياة فيه… وهنا علينا أن نشير إلى أنّ هذه اليوتوبيا السالبة لأدرنو هي يوتوبيا مضادة لما يسميه “بالعدميّة الثوريّة” التي سقطت فيها استطيقا بنيامين تحت راية ما سماه روشليتز بالرائع اليهودي المضاد للحداثة… على عكس بن يامين الذي يرى أنّ التقدم هو الكارثة فإنّ أدرنو يرى في الأثر الفني قدرة على النفي الجمالي لحداثة تحول فيها العقل إلى أداة للهيمنة على الأفراد .2.دولوز والتّرحال الجمالي :

يتعلق الأمر بنوع مغاير من اليوتوبيا الثوريّة للصيرورة بدلا عن اليوتوبيا السالبة القائمة على نموذج الجدلية الهيجلية… وهي يوتوبيا نعثر على معالمها ضمن كتاب ألف مسطح لدولوز وغاتاري 1980… نحن إزاء نموذج الترحال الجمالي داخل المدينة من أجل خلق فضاءات صقيلة داخل الفضاءات المخدّدة… التمييز بين الصقيل أي نمط وجود الفنّ والمخدّد أي نمط تخطيط المدن والهيمنة عليها… الفنّ يلعب دور إمكانات رغبة وصيرورات وكثافات من أجل الفتك بالفضاءات التي تخدّدها الدول وتستولي فيها على أجساد البشر وعلى حياتهم…

اليوتيوبيا هنا تغير من عنوانها ومن مفاهيمها ويولد معجم جديد : الريزوم ضدّ الشجرة والمسطح ضدّ الكتاب وخطوط الهرب ضدّ العلامة والبنية والرّغبة ضدّ المعنى… والجسد بلا أعضاء ضد الجهاز العضوي… الفنّ ليس ههنا من أجل التأويل ولا من أجل التفسير ولا من أجل التواصل بل هو من أجل التجريب… تجريب إمكانيات حياة وإمكانيات سفر وترحال من أجل الفتك بالجذور حيثما ثمّة جذور… ليس ثمة مستقبل ولا ماضي… نحن نعيش الصيرورة ونصنع المستقبل دوما هنا والآن من أجل أن نهجره نحو إقليم آخر لاختراع الحرية… إنّ الفنّ لا ينفك في هذا الترحال الجمالي عن الهتك والفتك بالجذور وبالذاكرة… فنحن إزاء يوتوبيا تحرر البشر من كل أشكال الاستيلاء على رغباتهم وعلى حرياتهم بدءا بالجذر مرورا بالعلامة الألسنية والمعنى الهرمينوطيقي وصولا إلى الوجه وكل الأجهزة بما في ذلك أجهزة الدولة…

بوسعنا اعتبار ألف مسطح لدولوز وغاتاري بمثابة يوتوبيا من نوع خاص جدا ليس فيها مجال للحديث عن ماضي ولا عن مستقبل ..يوتيوبيا بذاكرة قصيرة بل بذاكرة فنيّة حيوية مرحة مضادة للذاكرة التاريخية الكئيبة.

ينتهي الكتاب على تنبيه مثير جدّا… يلمّح فيه دولوز إلى ضرورة أن نبقى ريبيين دوما إزاء نموذج اليوتيوبيا نفسه… أي ضدّ الاعتقاد بيوتوبيا قائمة على الأمل في إنقاذ البشر… ذلك أنّ كل اعتقاد في أمل النجاة إنما هو من جوهر لاهوتي. رُبّ يوتوبيا تدسّ لنا اللاهوت الأبيض في الإعجاز اللغوي… يقول دولوز في آخر كتابه مع غاتاري ألف مسطّح : “لا ينبغي أن نعتقد أنّ فضاء صقيلا بوسعه أن ينقذنا… حسب المرء أن يسكن المدينة كهّافا أو مترحّلا”…

3) ليوتار و يوتوبيا الشهادة : (1983 88)

انتهى عصر السرديات الكبرى ولا أحد بوسعه أن يثق من هنا فصاعدا بفكرة التقدم الأخلاقي لكانط ولا بجدلية الروح لهيجل ولا بيوتوبيا الثورة لماركس ولا بتأويلية المعنى للتأوليين… لقد دخلت الإنسانية ما بعد الحداثة ضمن عصر سماه ليوتار بعصر “براغماتية الذرات اللغوية”… إنّ الأمر يتعلق بالخروج من أفق “الانسانوية” إلى عصر لاإنساني بامتياز… نحن إذن إزاء ظاهرة مضادة للنفس اليوتوبي التقليدي والدخول في شكل مغاير من اليتوبيات الصغرى…

هو عصر “صارت فيه كل الأعمال الثورية عاطلة عن العمل”… اليوتوبيا الجديدة التي يقترحها ليوتار تقوم على مقاومة اللاإنساني وذلك بالشهادة عليه عبر الفنّ كآخر أدب للمقاومة… داخل ما بوسعنا تسميته وفق عبارة لليوتار بيوتوبيا “الذرات اللغوية” ستنحصر مهمة الفكر في صناعة الجمل من أجل الشهادة على الخلاف الذي يولد مع كل جملة في صميم اللغة نفسها… ما هو الخلاف؟ “إنّه حالة عدم استقرار ولحظة اللغة التي ينبغي فيها لشيء ما أن يأتي إلى الجملة… لكنه لم يقدر على ذلك بعدُ… إنّ هذه الحالة تتضمن الصمت… وهي جملة سلبية تدعو إلى جمل أخرى من حيث المبدأ “…

بحيث أنّ ما تبقى من يوتوبيا هو الإقامة داخل اللغة وصناعة الجمل من أجل إنصاف جمل وقع إسكاتها… إنّ يوتوبيا فن الجمل تتخذ من “الفنّ الميدان الشرعي الوحيد لإنقاذ شرف الفكر”… فحينما تنهزم السرديات الكبرى أي اليوتوبيات الكبرى لا شيء يبقى غير الجملة في وحدتها بلا مرجع ولا ضامن بعد أفول الخطاب الكوني… هذه اليوتوبيا تقوم على عدة شروط :

أ) أنّ التفكير والسياسة والمعرفة غير ممكنة إلا داخل اللغة…

ب)لا أحد يفلت من سلاسل الجمل التي لا تنتهي…

ج) ليس ثمة أي خطاب كوني يقيك من الحيف الذي يترصدك داخل أنظمة الجمل

د) لقد انتهت كل أشكال العبور الموعودة إلى مآزق دموية ولم تنتج السرديات الكبرى غير “اكتئاب المتفرجين”…

4) رورتي والتهكّم الليبيرالي : 1989

في سياق هذه الريبية الفلسفيّة الجديدة التي انخرط فيها أنصار اليوتوبيات الصغيرة منذ أدرنو ودولوز وغاتاري وليوتار ينخرط وبشكل مغاير التهكم الليبيرالي للفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي… وهو يقترح علينا التهكم الجمالي من أجل التضامن مع المتألمين في العالم… التهكم هو هنا مضاد تماما للنزعة الكونية الكانطية… يقول رورتي : “علينا أن نقبل بلا كلل على اختراع يوتوبيات جديدة… وذلك هو معنى التدفق المتواصل للحرية بدلا عن الاتفاق حول حقيقة واحدة موجودة سلفا”…

إنّ أهم معالم هذه اليوتوبيا الليبيرالية هي :

 1) ضرورة تحويل الفلسفة إلى جنس أدبي أي الدّفاع عن ثقافة شعرية وأدبية… يقول رورتي : ” لو أردتم من الأجيال اللاحقة أن تتذكركم اجتنبوا الرياضيات وانظموا الشعر “.

2) من أجل الحفاظ على أمل اجتماعي علينا أن نحكي حكاية ما… فالسرد وفن القصص هو الشكل الوحيد لليوتوبيا أي للتضامن مع المظلومين والمهمشين…

3) ليشرع كل منا للتو في كتابة قصته… ذاك هو معنى التهكم الليبيرالي…

4) ضرورة مواجهة الطابع العرضي لعقائدنا ورغباتنا من أجل الحدّ من آلام البشر… فنحن لذلك نحتاج إلى سرديات صغرى من أجل الارتقاء إلى ثقافة ما بعد ميتافيزيقية ما بعد دينية وما بعد فلسفية…

5) غير أنّ اليوتوبيا الليبيرالية تشكو من وهن فلسفي لأنّها تقلص من أفق آمال المتهكمين الذين لم يعد بوسعهم الحلم بتغيير العالم بل فقط وعلى حد عبارة رورتي : “ليس للمتهكم الليبيرالي غير الأشياء الصغيرة الفانية وما عليه إلا أن يعيد ترتيبها عبر وصفها من جديد” ……..


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق