الفن في خطر / فاروق يوسف

 

فنون ما بعد الحداثة (التجهيز والفيديو والتصوير الفوتوغرافي والحدث والاداء الشخصي والمفاهيم والبيئة) اجتاحت معظم مساحات العرض الفني في الكثير من المدن العربية. فنون هبطت بالمظلات من غير أن يمثّل حضورها استجابة لحاجة ثقافية محلية، ألا يستدعي حضورها المكثف والمكلف مالياً سؤالاً مرتاباً من نوع: مَن يموّل قاعات تعرض فناً لا يُباع؟ في حالتنا، يبدو التمويل العربي للفنون نوعاً من الرياء المفضوح. فالمؤسسة المالية العربية لا همّ لها سوى تركيع المواطن العربي وتقييده بالديون.

 

في الماضي كانت التحولات الفنية الجذرية تستقوي بروح التمرد اليائسة والماكرة والعصية على التدجين الثقافي والاجتماعي. السوريالية فعلت ذلك. قبلها الدادائية، والانطباعية قبلهما معاً. اما الآن فإن الفنون الجديدة صارت تستقوي بسلطة المال. هناك اليوم مال كثير هو في خدمة كل حركة فنية تريد الذهاب بالفن بعيداً عن مواقعه المستقلة ثقافياً واجتماعياً. ما معنى ذلك؟ هل صار المال معنياً برعاية التحولات الفنية الثورية إلى هذه الدرجة؟ ولكن هل المال في حاجة إلى الفن ليخدمه، ليعبّد نياته مثلاً بالخطى السعيدة كذباً؟ هناك لعبة غامضة ليس في إمكان أحد أن يتمكن من استيعاب أصولها. مهلاً. لنلاحظ أن هناك فصولاً كثيرة من المشهد الفني قد تغيّرت. فصول لها علاقة بالمعنى الذي تنطوي عليه فكرة تمرد الفن: لماذا؟ ومن أجل مَن؟ وكيف؟ وضد مَن؟ الفصل الأكثر اثارة في الموضوع يكمن في أن الفن لم يعد في إمكانه أن يتحرك بمعزل عن التمويل الذي تسدده المؤسسات راضيةً مرضية. وفي هذا الرضا ما يجعلنا نشعر بأن اللعبة صارت أكثر خطورة من جهة شموليتها الاخلاقية. سؤال اخلاقي: كيف يمكننا ان نراهن على ان يلتزم فنٌُّ من هذا النوع قضايا إنسانية عادلة، وهو واقع تحت هيمنة المال؟ هل يوجد مال نزيه ومحايد ومحبّ للخير؟ أيمكن أن ينحاز هذا الفن إلى المستهلك في لحظة انفجار؟ علينا أن نتذكر: في الماضي كان الفنانون فقراء. الآن أصبح الفنانون متسولين، يبحثون عن التمويل المباشر أو من خلال طلبات يقدمونها عبر شبكة الاتصالات العالمية (انترنت). لا فرق. في الحالين هناك جهات جاهزة لتقديم المال، لكن مقابل ماذا؟ هذا هو السؤال الذي يصعب تفاديه.

يقال ان هناك فائضاً من الاموال (سيولة نقدية) يجري استيعابه من خلال الفنون. لا نتساءل: لِمَ لا يجري استيعاب ذلك المال من خلال دعم الغذاء والمشروعات الصحية والتربوية في أماكن مختلفة من العالم تعاني شحاً واضحاً في الغذاء ونقصاً مريعا في مجالي التعليم والعناية الصحية؟ ولكن لنتساءل ببراءة: لِمَ هذا النوع من الفنون بالذات يحظى بالدعم كله، فيما فنا الرسم والنحت لا يجدان فرصة ولو فقيرة للعرض (لا نطمع بالدعم المادي)؟ واقعيا يمكننا القول إن هناك حرباً واضحة يشنها الاطراف كلهم من أجل إقصاء هذين الفنين من التداول العلني، من سوق الفن ومن مواقع العرض الافتراضي. ما من أحد من ذوي الشأن الرفيع ينصت إليك إذا كنت نحاتاً أو رساماً، بغض النظر عن قيمة ما تفعل. أما، لو كان لديك مشروع نظري يمكن أن تنفذه، لكن بعد أن تحصل على تمويل ضخم، فإنك ستجد الآذان كلها مصغية اليك. أخبرني صديق انه اتصل بواحدة من راعيات الفنون في لندن وقال لها: أنا رسام. لم تدعه يكمل كلامه بل قالت له: "سأمنحك خمس دقائق للقاء بعد سنتين". ألا يمكننا القول هنا إن هنالك عنفاً مبالغاً فيه يجري من خلاله تقديم الفنون الجديدة باعتبارها البديل التاريخي من كل الفنون المكرسة؟! ما من شيء قبلها. وكما يبدو، فإنها ستسلّمنا إلى الفراغ. يجري ذلك كله، بمباركة المتاحف الكبرى في العالم وصالات الفن الممسكة بخيوط الأحداث الممتدة من هونغ كونغ إلى نيويورك. ما من شيء يفلت. المعجزة مؤجلة. 

 

 

فنون مطرودة لكن بصمت

 

انتقلت تلك الظاهرة مثل عدوى خطيرة الى البلدان العربية. ثقافتنا رخوة ومليئة بالثقوب. منذ سنوات ونحن نرى في بيينالَي القاهرة والشارقة ما يعيد انتاج المشهد العالمي ببغاويا: بيينال البندقية لا يعرض سوى اعمال التجهيز والانشاء والمفاهيم والفيديو والاداء الجسدي والحدث. لن نكون أقل من ذلك.  هناك صالات فنية عديدة صارت تمتنع عن عرض الرسوم والمنحوتات. ولكن كيف تمول تلك الصالات ذاتها إذا كانت تعرض أعمالاً غير قابلة للبيع؟ سؤال مشروع. فما من أحد في إمكانه أن يتوقع أن تلك الصالات تحولت فجأة نوادي خيرية لا يهمها الربح. هناك لغزٌ ما، في ما يجري. مَن يدفع ومَن يقبض؟ ولكن لنعد إلى الوقائع، ربما تعيننا على الفهم:    

بعد دورة 1999 لم يعد بيينال الشارقة معنياً بمصير الرسم والنحت في البلدان العربية. كان ذلك الاجراء ضربة قاصمة تلتها ضربة أشد قسوة جاءت هذه المرة من القاهرة. بيينال المدينة العريقة قرر هو الآخر الامتناع عن استقبال اعمال الرسّامين والنحاتين العرب. صار اللقاءان الفنيان الدوليان الوحيدان اللذان يقامان في بلاد العرب، ملعبين لتجارب الفنون الجديدة وحدها. من الواضح أن سلوكاً فوقياً من هذا النوع كان محاولة لشراء رضا المستثمرين الأجانب. لعبة تجارية أُقحم الفن فيها لغايات تقع خارج أهدافه. ولكن هل علينا أن نمحو النيّات الطيبة نهائيا؟ علينا ان نفكر طويلا من أجل الاجابة عن مثل هذا السؤال الساذج. كما أرى، فإن أضرار ذلك التحول كانت فادحة. لقد خسر الفن العربي نافذتين واسعتين كان يطل من خلالهما على العالم، مقابل أن يستعرض فنانون قادمون من مختلف انحاء العالم تجاربهم في فنون "ما بعد الحداثة" أمام جمهور لم يدخل إلا لتوه عصر الحداثة الفنية. المفاجئ أن كل ما جرى أحيط بصمت عظيم على مستوى التداول الصحافي والثقافي، كما لو أن الأمور جرت في سياقاتها التاريخية المضبوطة.

 

 

لا نقد ولا نقّاد

 

شيء من العنف الثقافي لا يمكن انكاره قد وقع، من غير أن يتصدى له أحد. لقد حدثت كل هذه الامور، وهي امور جوهرية، من غير أن يقول نقّاد الفن العرب، وهم المعنيون بشكل خاص، كلمة حانقة ومفسرة واحدة. ما معنى ذلك الصمت؟ لقد انكشفت يومها واحدة من أكبر أكاذيبنا الثقافية، وهي في المناسبة أكثر من أن تحصى. لم يجد العنف الذي مارسته المؤسسة الفنية بروح الهيمنة الشمولية مَن يتصدى له، لا لشيء إلا لأننا في الحقيقة لم نضع النقد الفني في سياقه الحقيقي من العملية الفنية. سأكون واضحا أكثر فأقول: لم يكن لدينا نقد ولا نقّاد. الموهوبون في الكتابة عن الفن كانوا محض حاملي ذائقة جمالية ولم يكونوا صانعي تحولات أو على الأقل مبرمجي حدث فني، كما كانت حال بودلير وأبولينير، ولم تنتج الثقافة العربية مؤرخ فن بمستوى هربرت ريد مثلاً. ظل النقد ملحقاً بالإنتاج الفني وظل النقاد محض كتّاب شروح وصفية يغلب عليها التعبير الانطباعي. لذلك كان الانقلاب المصيري الذي شهدته الفنون العالمية منذ تسعينات القرن الماضي وانتقلت عدواه الينا أكبر من الجميع. بل هو أكبر من أن تفهمه، كما أظن، المؤسسات الفنية العربية التي احتضنته وهي صاغرة.

لقد سجد الجميع أمام لغة الميديا الجديدة.

أتذكر أن شاباً بحرينياً موهوباً اسمه أنس الشيخ كان قد سبق الجميع، على الاقل في الشرق العربي، إلى الشغف بفن الفيديو. كانت محاولاته المبكرة تضعه على هامش الفكرة التقليدية السائدة عن الفن، غير أنها كانت تقدمه مختلفاً وأصيلاً في تمرده. غير أن تجربة ذلك الفنان وسواه ممن لم يبحثوا عن تمويل أجنبي لمشاريعهم الفنية، ظلت حبيسة محليتها. لم يلتفت إليهم أحد. كما لو أن ما فعلوه ينتسب هو الآخر إلى الفنون التقليدية التي يجب نفيها بعيداً عن المشهد. هناك شيء ما إذاً يجري في الخفاء. شيء له علاقة بما يمكن أن أسميه بـ"الاحتكار"، وهو كذلك فعلاً، على المستوى الانساني كما على المستوى الثقافي. فما لم يقع الفنان تحت هيمنة احتكار مؤسسات في عينها، فلن يكون له وجود في المشهد الفني. سيكون مصيره: خمس دقائق بعد عامين. ولكن ما علاقة صالات العرض الفني العربية بكل هذا؟ أجازف في القول ان الدوامة التي التفّت حول بيينالَي الشارقة والقاهرة قد نجحت في الاستيلاء على الكثير من قاعات العروض الفنية في بيروت ودمشق وعمان والقاهرة وتونس والمنامة والدوحة والدار البيضاء. ما يدعو إلى الريبة فعلاً، ان فناً لا يباع صار محط اهتمام تلك القاعات.     

فن تحت السيطرة

هناك إذاً مؤسسات مالية راعية لذلك النشاط كله. مؤسسات لا تفكر في الربح المالي بقدر ما تسعى إلى التبشير بفن يقع تحت السيطرة. فن يكرس فوضى المفاهيم ويعلن تسويات لا تستقيم مع المفاهيم الاخلاقية الثابتة. لقد رأيت أعمالاً لفنانين عرب تعالج مشكلة البيئة في الوقت الذي يعاني فيه مواطنوهم شتى أنواع الظلم والاستبداد والقهر ومصادرة الحريات والفقر والمهانة ونهب الثروات وكمّ الافواه. كما تسود في أعمال الكثير من فناني ما بعد الحداثة نزعة لإحياء الماضي الشخصي من غير أن يكون لذلك أي دلالة جمعية. قل أي شيء لا يجمعك بالآخرين وامض. وهي حيلة يمارسها الفنانون للحصول على الأموال.     

سيكون علينا في مواجهة كل ما يجري، أن نخترع لغة نقدية جديدة. لغة يكون في إمكانها أن تتطهر من ضعفها وعفنها وتخلف ذائقتها الجمالية وضمور حيلتها المعرفية. كانت لغة النقد القاصرة هي مصدر غفلتنا عما يجري من حولنا، وستكون لو أننا حررناها من قيودها عوناً لنا لفهم كل المقاربات التي تتم من خلالها ازاحة الفن من مكان الى آخر.

سنستيقظ على فوضى عظيمة. لا بأس. ذلك أفضل من أن نستمر في عافية كاذبة. علينا أن نعترف ان الفن في خطر كما البشرية تماما. 

عن ملحق جريدة النهار البيروتية 17/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق