الفوضى بين حيرة الدّيمقراطي وفشل الدّيكتاتور

من يُتابع الأحداث الجارية في مصر الآن وردود الأفعال الشّعبيّة بشأنها يستشعر وجود لغة متضاربة، فمن ناحية ثمّة شعور أن لا عودة للنّظم الاستبداديّة، ومن ناحية أخرى ثمّة من يرى أنّ النّظام لم يتغيّر والاستبداد باق كما هو بل زاد فسادا وعنفا، ومن ناحية ثالثة هناك من يرى أنّ الثّورة أفضت إلى مستنقع لا سبيل إلى الخروج منه إلاّ بوجود سلطة قويّة (وهو التّعبير المخفّف للدّيكتاتوريّة) يكون في مقدورها ضبط النّظام واستعادة “هيبة الدّولة”.
لو اعتبرنا أنّ هذه اللّغة لا تعبّر فقط عن رغبات، بل عن فرضيّات نابعة من قناعات سياسيّة أو مشاعر اجتماعيّة، يمكن أن نرصد ثلاثة فرضيّات:

فرضيّة الحتميّة الدّيمقراطيّة
فرضيّة بقاء النّظام على حاله
فرضيّة المستبدّ العادل.

الفرضيّة الأولى:

أي “الحتميّة الدّيمقراطيّة”، فهي مبتغاة وثمّة الكثير من المؤشّرات على أنّ عودة النّظم الاستبداديّة بشكلها السّابق أمر بات مشكوكا فيه. ومع ذلك فإنّ عدم قابليّة النّظم السّابقة للعودة أو الاستعادة لا يعنى بالضّرورة أنّ البدائل ستكون ديمقراطيّة.
فالدّيمقراطيّة لا تتأسّس على وجود المستبدّ أو غيابه ولكن على مجموعة كبيرة من المحدّدات والشّروط الثّقافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة. وللأسف فإنّ هذه المحدّدات والشّروط كما هي قائمة الآن لا توفّر الإطار الكافي لتأسيس نظم ديمقراطيّة.
ومع أنّ أنصار فكرة الحتميّة الدّيمقراطيّة يراهنون على الوقت، بمعنى أنّ الثّورة يجب أن تأخذ وقتها استشهادا بالثّورة الفرنسيّة، إلاّ أنّ غالبيّة المجتمع يشغله الحاضر والآن.

أمّا الفرضيّة الثّانية:

أي “بقاء النّظام على حاله” فإنّها لا تخلو من وجاهة إذا ما نظرنا إليها بنيويّا، أي بقاء ذات الأنظمة التّعليميّة والقانونيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة. بل إنّ الأمور باتت أكثر تردّيا وانحطاطا. ولكن ما لا تصمد أمامه هذه الفرضيّة هو المجال السّياسي والذي يشهد تحوّلات على صعيد الحراك وأشكال التّمثيل السّياسيّ وطبيعة الاحتجاجات الاجتماعيّة ودور الإعلام بكافّة أشكاله.
وبالتّالي فإنّ السّياسيّ قد يرى أنّ الحال قد تغيّر، أمّا المواطن العادي البعيد عن هذه الدّوائر فلا يرى أنّ الحال قد تغيّر، كما أنّ الغالبيّة لم تستفد كثيرا ممّا يراه السّياسيّون ودوائرهم بوصفه تحوّلا، بل على العكس فإنّ غالبيّة المواطنين عليهم أن يدفعوا ثمن هذا التّحوّل مادّيّا ونفسيّا.

أمّا الفرضيّة الثّالثة:

والأخيرة، فهي فرضيّة “المستبدّ العادل”، وتطلّعات المصريّين إلى وجود فرد أو مؤسّسة قويّة تعيد ضبط الأوضاع والسّيطرة على الانفلات الأمني، واستعادة هيبة الدّولة. وبالطّبع فثمّة تطلّع لأن تتولّى القوّات المسلّحة هذه المهمّة وهو تطلّع يرتكز على قناعات لدى البعض، وعلى رومانسيّة لدى البعض الآخر، وعلى إحباط لدى الكثيرين.
وهذه الفرضيّة تعارض الفرضيّة الأولى وتتواصل مع الفرضيّة الثّانية. بمعنى أنّ الحتميّة الدّيمقراطيّة غير ممكنة وأنّ الرّهان على الزّمن مجرّد تبرير سياسيّ لإعطاء معنى للثّورة المصريّة، وبما أنّ الوضع لم يتغيّر وآل إلى الأسوأ، فإنّ معيار نجاح السّلطة الحاكمة، ليس ديمقراطيّتها ولا انتماءها الإيديولوجي وإنّما قدرتها على السّيطرة الآن وليس مستقبلا. وهنا نجد أنّ الكثير من معارضي سلطة الإخوان لا يعارضونها لأنّها سلطة “إخوانيّة” ولكن لأنّها سلطة “فاشلة”.
ولكنّ المشكلة أنّ هذه الفرضيّة يشوبها الكثير من الرّومانسيّة وتجاهل التّحوّلات الفعليّة التي حدثت على الصّعيد السّياسي والاجتماعي، والتي تجعل من فكرة المستبدّ العادل، فكرة هشّة وربّما أكثر هشاشة ممّا كانت عليه في السّابق، ولو تحقّقت سنبتلى بمستبدّ ولن يكون عادلا.

في الحقيقة إنّ الوضع معقّد، فالبعض يريد ديمقراطيّة لم تتوفّر شروط وجودها، والبعض يريد ديكتاتوريّة فقدت الكثير من شروطها.
وهكذا تنتعش الفوضى بين حيرة الدّيمقراطي وفشل الدّيكتاتور.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق