“الفوضي الشاملة”:السيناريوهات الأسوأ للأزمة في سوريا / رابحة سيف علام

مع اتساع نطاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا، وترافق ذلك مع اتساع حجم القمع الأمني والعسكري من جانب النظام الحاكم بشكل قد يتعارض مع أي إصلاحات مطروحة للنقاش، يبدو المشهد السوري مرشحا إلي مزيد من التصعيد السياسي والميداني علي حد سواء. ومع هذا، فلا يمكن التنبؤ بدقة بمجري الأحداث في سوريا خلال الشهور القادمة، نظرا لتعقد المشهد الداخلي، وامتلاء المشهد الإقليمي بعدد كبير من الفاعلين الذين تتباين غايات كثير منهم فيما يتعلق بتطور الأحداث.

 

ويمثل فهم بنية النظام السوري وآلياته المدخل الأول الضروري لفهم مسار الأحداث والاحتمالات التي يمكن أن تنتهي إليها. ويتميز النظام السوري بأنه نظام قمعي ومؤدلج يقوم علي أساس إداري هرمي، يأتمر بأمر الرئيس فحسب، ويتكون من أضلاع ثلاثة هي الجهاز الحكومي، والجهاز الأمني والعسكري، وحزب البعث. ويعتمد النظام بالأساس علي الطائفة العلوية التي لا تشكل أكثر من 10% من حجم السكان، والتي صدرها الرئيس الراحل حافظ الأسد بشكل أساسي في تدعيم أركان نظامه، واستمر ابنه بشار جزئيا في هذا النهج. من ناحية أخري، يقوم النظام في شقه الاقتصادي علي تحالف ضيق بين طبقة احتكارية تتمركز حول أسرة الرئيس. أما الشق العسكري، فيقوم بالأساس علي نظام أمني معقد ومتعدد الأذرع، تتمثل في أجهزة أمنية لا تتبع وزارات بعينها بقدر ما تتبع رئيسها، وتتحدد درجة فعاليتها وقوتها بمدي قرب رئيسها، من رئيس الجمهورية. ففي عهد الأسد الابن، أصبحت نقطة الارتكاز في أجهزة أمنية شديدة الولاء للرئيس، معظم رؤسائها من الطائفة العلوية إلا فيما ندر، وتأتمر جميعها بأمر الرئيس، وتقع تحت الرقابة الوثيقة لشقيقه ماهر الذي يقود قوات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة من القوات الخاصة.

 

أما علي المستوي السياسي، فقد توحدت المعارضة السورية للمرة الأولي في تاريخها تحت مظلة إعلان دمشق في أكتوبر 2005 . وتتوزع قوي إعلان دمشق بين معارضين في الخارج هم بالأساس من الإخوان المسلمين، نظرا لتعذر نشاطهم الداخلي بشكل كامل لوجود قانون يقضي بإعدام أي منتم للإخوان المسلمين، ومعارضين في الداخل يلاقون تضييقا أمنيا شديدا واعتقالات متكررة، ويتمثلون في 12 حزبا كرديا وعدد من الأحزاب اليسارية، فضلا عن القوي الليبرالية التي شاركت في معظمها فيما عرف بمنتديات الإصلاح في فترة ربيع دمشق خلال عام .2001 وأسفرت الاحتجاجات الشعبية عن ظهور معارضة جديدة من شباب المتظاهرين، الذين شكلوا “تنسيقيات” في مختلف المناطق، اتحدت فيما بينها فيما يسمي “اتحاد تنسيقيات” الثورة. وكان لهذا الاتحاد وجود لافت للانتباه في مؤتمر المعارضة السورية في أنطاليا بتركيا في مايو 2011 . وهو ما عبر عن تغير نوعي في شكل القوي السياسية السورية، إذ تكونت هذه التجمعات علي أساس التوزيع الجغرافي، مع تجاهل شبه تام للانتماءات الطائفية والأيديولوجية.

 

ومع ذلك، فإن ضبابية مستقبل البديل المحتمل للنظام السوري يبقي قائما، خاصة في نظر الأطراف الدولية والإقليمية. كما أن التحول النوعي الذي قد يحدث في مسار الأحداث ليس رهنا فقط باتساع نطاق الاحتجاجات، ولكنه يتوقف إما علي تطور اقتصادي أو عسكري. التطور الاقتصادي قد يطرأ إذا تخلي عدد من كبار التجار، خاصة من السنة في دمشق وحلب وبقية المدن عن النظام، وانضموا للمحتجين بما يوجد عصيانا مدنيا واسع النطاق يترافق مع أزمة اقتصادية خانقة تجبر النظام علي التنازل أو التراجع عن القمع. أما التطور العسكري، فيكمن في انقلاب وزير الدفاع أو رئيس الأركان أو كليهما علي حكم آل الاسد.

 

والخيارات التي يمكن للنظام اللجوء، بشكل مقصود ومتعمد، إلي أحدها، أو المزاوجة بين عدد منها في الوقت ذاته، تتضمن إجراء إصلاحات داخلية واسعة في إطار صفقة داخلية، أو مواصلة القمع وتصعيده، أو السعي إلي إثارة أزمة خارجية، أو الوصول إلي صفقة إقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل تدعم بقاءه. أما النتائج المترتبة علي أي من هذه الخيارات، فإنها ستبقي مرهونة ليس فقط بتوازن القوي بين الأطراف المتصارعة داخل سوريا وتماسك كل منها، ولكن أيضا بتدخلات إقليمية ودولية، آخذة وتيرتها في التصاعد والتوسع، مما يفتح المشهد السوري علي احتمالات عدة قد لا يمكن لأي طرف بمفرده حسمها أو ضبط اتجاهها.

 

ويلزم هنا توضيح أن إدراك الأسد لحجم الأزمة سيحكم خياراته. ومثلما يبدو، فإن الأسد ونظامه لايزالان يريان الأزمة حدثا عابرا يمكن تخطيه دون تقديم تنازلات جوهرية. وإذا ما اضطر النظام إلي تقديم تنازلات، فسيفضلها إقليمية وليس داخلية قد تجبره علي تغيير جوهره، وبالتالي احتمال انهياره تلقائيا. من جهة أخري، قد يلجأ النظام عمدا، أو يستدرج بحكم تطور الظروف، إلي التضحية ببعض أطرافه كي يتخفف من بعض أحماله. هذا الخيار ذاته قد يكون مدخلا لانفتاح علي قوي أخري داخل سوريا، أو محاولة لحسم الصراع وفقا لمنطق المباراة الصفرية. إلا أن ذلك الخيار يحمل كذلك مخاطر انفجار النظام من الداخل، إذا لم يحسن إدارة عملية التخلص تلك من بعض عناصره، ويحشد لها دعما داخليا وإقليميا يوازن أي صراع قد تولده. وحال عدم نجاح هذا الخيار، فإن ذلك قد يعزز من احتمال تشظي المشهد السوري ليصبح مشهدا فوضويا يتضمن وجود أطراف عديدة متصارعة، ربما يكون النظام أو ما بقي منه أحدها، دون أن يحوز أي منها السيطرة علي أغلب مكونات المشهد أو القدرة علي ذلك.

 

وفي إطار الاعتماد علي الاقتراب المنهجي لنظرية “البجعة السوداء”، فإننا يمكن أن نرصد احتمالين لمستقبل الأزمة في سوريا يحققان الشروط الأساسية لهذه النظرية. حيث إن كلا منهما كان غير محتمل بشكل كبير قبل تفجر موجة الاحتجاجات الشعبية في المنطقة، فضلا عن أن كلا منهما سيكون حال تحققه ذا تأثير جسيم في الأوضاع داخل سوريا والإقليم، وكذا فإن تداعياتهما يصعب ضبطها أو التنبؤ بها بشكل محكم. أحد هذين الاحتمالين قابل للتحقق في المدي القريب، وهو سيناريو قد يتعمده النظام لضمان بقائه عبر إثارة حرب إقليمية، والآخر هو انفلات الأوضاع عن حدود ضبط أي طرف وسيطرته، وصولا إلي حالة فوضي شاملة في المديين المتوسط والبعيد.

 

الاستقرار عبر حرب إقليمية :

 

يفترض هذا السيناريو إمكان تحقق توافق إقليمي علي بقاء النظام السوري الحالي، عبر إثارة مواجهة عسكرية خارجية محدودة ترمم جزءا من شرعيته، وتنتهي بتوافقات إقليمية واسعة. ويستند هذا السيناريو إلي أن النظام السوري مؤدلج بشدة، فهو لا يستطيع أن يحيا طويلا بشرعية متآكلة، كما هو الحال اليوم، ومن هنا فقد يسعي سريعا إلي ترميم شرعيته عبر خوض مواجهة سريعة وقصيرة مع إسرائيل. ومن جهة أخري، لدي إسرائيل مصلحة في بقاء نظام الأسد الذي أبقي جبهة الجولان باردة طوال أربعة عقود، ومكنها دوما من الهروب من استحقاق السلام الفلسطيني إلي الخيار السوري. كما أن النظام السوري، رغم موقعه الممانع الذي اتخذه، كان دوما جاهزا للتفاوض والمساومة، وحتي التنازل لضمان مصالحه وبقائه. وهكذا، فرغم أن إسرائيل قد تستفيد بشكل أكبر من الفوضي في سوريا علي المدي البعيد، من حيث تدمير القدرات السورية وتمزيق نسيجها الديموغرافي، فإنها لن تحتمل آثارها المهددة لحدودها علي المدي القصير. فإسرائيل قد تساعد في عملية ترميم شرعية الأسد، عبر الدخول في نزاع حدودي سريع يتزامن مع حملات دعاية إعلامية واسعة لإعادة تفاعلات المنطقة إلي مربع الصراع العربي-الإسرائيلي بدلا من مربع الثورات العربية. ويعزز هذا الاحتمال قلق إسرائيل من قيام نظام جديد في سوريا يميل للمزاج الشعبي المناوئ لإسرائيل، والمطالب باسترجاع الجولان، أو قيام نظام يسيطر عليه إسلاميون، أو نظام ضعيف يحول البلاد إلي مرتع للجماعات المتطرفة والمسلحة التي تعبر الحدود إلي إسرائيل، أو الجولان السوري المحتل علي الأقل، دون رادع أو ضابط.

 

ومن هنا، قد تكون هذه المواجهة السريعة بين إسرائيل وسوريا عنوانا لافتتاح جولة مفاوضات سرية أو علنية، يحظي بموجبها الأسد بتخفيف الإدانة الغربية لممارسات القمع التي يمارسها ضد شعبه، وتنال فيها إسرائيل مكاسب جزئية علي طريق السلام، كالتضييق علي وجود حماس في سوريا، أو تخفيض لحجم السلاح العابر من إيران إلي حزب الله. والأهم ابتعاد سوريا عن تحالفها مع إيران. رغم ذلك، فهذا السيناريو سيبقي هشا وغير قابل للحياة طويلا، إذا لم يصحبه دعم إقليمي ودولي وتعبئة قوي داخلية لتأييده.

 

ويمكن أن نلمح عناصر أولية لهذا الدعم الإقليمي والدولي من خلال توافق مصلحة قوي إقليمية ودولية مختلفة علي بقاء نظام الأسد، ولو مرحليا. فمن جهة، ستتبع الولايات المتحدة هوي إسرائيل في بقاء الأسد، لخطورة أي بديل

آخر علي برودة قضية الجولان السورية. ومن جهة ثانية، استطاعت سوريا خلال الشهور الأخيرة أن تتجاوب مع المطالب الأمريكية بخصوص العراق، وتم ضبط الحدود السورية-العراقية، وهو يشكل حلقة تفاهم مهمة بين

الطرفين. فآخر ما تتمناه الولايات المتحدة أن ينفجر الوضع في العراق، إذا ما تسللت العناصر المتطرفة إلي العراق عبر سوريا، بما يضر بشكل مباشر بوضع قواتها في العراق. من جهة ثالثة، فإن سقوط سوريا في دائرة العنف أو الفراغ الأمني المترتب علي سقوط النظام سيرمي بالبلاد – وفقا للتصور الأمريكي – إما للمتطرفين الإسلاميين أو السيطرة الإيرانية أكثر مما هي الآن. فوقوع سوريا بين العراق ولبنان، وفي كليهما نفوذ إيراني متنام من جهة،

وأهمية موقع سوريا الجغرافي لإمداد المقاومة في لبنان من جهة أخري، سيجعل هدف إيران، إذا ما سقط نظام الأسد، هو تأسيس نظام جديد متحالف معها أو الفوضي. ولذا، فالأمريكيون والإسرائيليون قد يميلون بقوة نحو خيار بقاء الأسد حتي ينهار في ظروف أخري غير الحراك الشعبي الديمقراطي الحاصل الآن، كي يتمكنوا من ضمان بديل له يحقق مصالحهم.

 

ومع إمساك نظام الأسد بأوراق إقليمية ترتبط بأطراف كثيرة في لبنان وفلسطين والعراق وحتي تركيا، فإن النظم المجاورة تبدو مترددة أو حتي غير محبذة لانهيار هذا النظام المؤثر في الإقليم ككل. وفي هذا السياق، تبدو

السعودية، ومن ورائها دول الخليج، أكثر المتضررين من الثورات العربية، وبالتالي ربما تفضل هذه الدول بقاء نظام الأسد. كما قد تخشي السعودية علي وجه الخصوص من سيطرة السنة علي الحكم في سوريا، بما يطرح نموذجا منافسا للنظام السعودي في المنطقة. من جهة ثانية، من شأن حرب إقليمية مصغرة أن تعزز من وضع حلفاء السعودية في لبنان، إذا ما نجحت سوريا في استدراج حزب الله إلي اشتباك حدودي مع إسرائيل دون مبرر لبناني حقيقي، الأمر الذي يعزز من فرص 14 آذار علي حساب 8 آذار التي ستبدو أكثر ارتهانا للخارج من المصلحة اللبنانية الداخلية.

 

إلا أن شرط الدعم الإقليمي والدولي هذا ليس مكتملا، حيث إن تحققه في ظل ترتيبات إقليمية، تقبل بها الولايات المتحدة وإسرائيل وبدعم خليجي، سيؤدي إلي إثارة أطراف إقليمية عدة قد تتهدد مصالحها، خاصة إيران وحزب الله، فضلا عن أن كلا من تركيا والعراق يتوقع أن يترقبا مآل تلك الصفقة قبل أن يدعماها بشكل كامل. وأبرز مواطن الضعف في هذا السيناريو سيتمثل في صعوبة توقع تجاوب المعارضة الداخلية في سوريا بشكل إيجابي معه، إذا لم

يفض إلي عودة الجولان السوري المحتل، وهو ثمن من غير المؤكد استعداد إسرائيل لدفعه في الوقت الحالي، خاصة لنظام أصبحت قدرته علي البقاء – حتي في حال تجاوز الأزمة الحالية – محل شك كبير. بعبارة أخري، فإن

الطبيعة المؤقتة لأية ترتيبات في إطار تلك الصفقة هي في حد ذاتها قد تكون سبب عدم فاعليتها وبالتالي انهيارها. وهنا، قد تصبح الحرب الإقليمية مدخلا للفوضي أكثر منها مدخلا للاستقرار، سواء داخل سوريا أو عبر الإقليم.

 

الفوضي الأمنية :

 

علي الأرجح، فإن التظاهرات في سوريا في طريقها للاتساع وليس للانكماش، رغم القمع الأمني الكبير والممنهج، ومن هنا فإن سلمية التظاهرات ليست مرشحة للاستمرار، لأن اتساع حجم العنف الأمني للنظام يستعدي فئات جديدة كل يوم وبصورة أسرع من وصول خطاب التظاهر السلمي إليها. ومن هنا، فالدوائر العشائرية أو العائلية، أو حتي التجمعات الطائفية، قد تستدرج سريعا لفخ عسكرة الاحتجاج، وحينها سيواجه النظام السوري معضلة حقيقية، لأن العسكرة لن تطول فقط جنوده الصغار، وإنما قد تطول قادته الكبار أيضا علي طريقة النموذج اليمني.

 

ومن هنا، يمكن افتراض انفجار النظام السوري من الداخل وفق أربعة نماذج كما يلي:

 

1- إقصاء بشار لشقيقه ماهر الأسد، وهو سيناريو مماثل لما سبق أن حدث بين حافظ ورفعت الأسد، رغم اختلاف الظروف بين الموقفين، إلا أن بشار يجيد لعب دور الزعيم العاقل الهادئ المتفهم، وماهر هو السفاح الدموي ذو

البأس، كما سبق أن كان الأمر بين حافظ ورفعت الأسد. ومن هنا، فإن إقصاء ماهر من جانب بشار سيأتي في إطار استجابته للضغوط الإقليمية والدولية بتقديم بعض التنازلات، ومنها إقصاء الجناح الذي استخدم العنف المفرط مع المتظاهرين، تمهيدا لعمل انفراجة في الحياة السياسية السورية. وستتطلب تلك المناورة كذلك تصعيد بعض القوي المعارضة التي سيتم ضمها إلي هيكل تحالف جديد ينبني عليه النظام. فمن الممكن أن يضم بعض أجنحة المعارضة المنظمة الحالية، خاصة من السنة، لإضفاء مزيد من الشرعية علي النظام، وفي الوقت نفسه شق صف أقوي البدائل المنافسة لحكمه. فقد يضم مثلا بعض الأفراد من رموز الإخوان المسلمين أو الزعامات الكردية. كما سيمكنه هذا الاختيار من تمهيد الطريق لدي القوي الإقليمية – خاصة السعودية وتركيا- التي سبق أن طالبت بإجراء هذا النوع من الانفتاح علي المعارضين بما يمكن من الوصول لحل وسط ويجنب البلاد حالة الفوضي الشاملة. وبالمثل، سيؤدي ذلك إلي فتح قنوات الاتصال من جديد بين دمشق وواشنطن والعواصم الأوروبية، ويمكن النظام من جني ثمار اقتصادية محتملة في مقابل هذا التعديل في بنيته.

 

غير أن إقصاء بعض رموز الجناح المتشدد، عبر النفي أو حتي التصفية الجسدية، قد يخلف حالة واسعة من العمليات الانتقامية وزعزعة الاستقرار الأمني في أنحاء سوريا كافة، خاصة لدي الحدود، من أجل افتعال مشكلات إقليمية تعكر صفو الصفقات الإقليمية التي سيعقدها جناح بشار الأسد، لاسيما أن ماهر الأسد هو المسيطر الفعلي علي الذراع الأمنية الأقوي للنظام وعلي الفرقة العسكرية الأفضل تدريبا وعتادا في الجيش. وبالتالي، فإن النظام السوري المعدل – بعد تطعيمه برموز من المعارضة والانفتاح السياسي المحسوب – قد لا يكون مؤهلا أمنيا لإدارة هذه المرحلة الحرجة بجهوده العسكرية الذاتية، بما قد يحتم عليه الاستعانة ببعض التشكيلات العسكرية من دول الجوار لضبط الوضع الأمني. وفي هذا الإطار، قد تكون تركيا وإيران وحزب الله وحماس مرشحين للعب أدوار أمنية أكبر في سوريا، خاصة عند الحدود، مما يدخل البلاد في حالة من الفوضي الأمنية.

 

بعبارة أخري، فإن هذا السيناريو يعني إفراغ وعود بشار الأسد الإصلاحية من مضمونها، ولكن بعد إزاحة أخيه ماهر، وحرق رموز المعارضة المنافسة لحكمه، ومن ثم إعادة بناء تحالف جديد لحكم بشار. هذا التحالف سيحاول

اعتماد المعادلات الإقليمية القديمة نفسها، وسيشمل بناء نظام أمني قمعي جديد موال لبشار الأسد وحده، وتصعيد بعض الوجوه الموالية له علي حساب الوجوه الموالية لشقيقه التي قد تخضع لمحاكمات بتهم الفساد والعنف المفرط ضد المتظاهرين، مما يمكنه من تبييض ساحته لدي الشارع الغاضب والقوي الدولية. كما سيوسع من دائرة الفئات التي ستسفيد من النظام، ويوسع كذلك نسبيا من نمط تلك المنافع لشتمل مطالب سياسية وليست اقتصادية فقط، بحيث يكون شكل النظام أقرب إلي النظام المصري قبل قيام الثورة، ولكن مع هشاشة كبيرة في الوضع الأمني.

 

2- إقصاء ماهر لبشار الأسد، سواء عبر عزله بالكامل، أو عبر تهميش وجوده وظهوره الإعلامي، وإحكام القبضة الأمنية الوثيقة علي الاحتجاجات الشعبية، وتنفيذ مجازر واسعة النطاق، واستخدام الأسلحة الثقيلة بشكل مكثف ضد

المدنيين في المدن والقري التي شهدت احتجاجات واسعة، الأمر الذي سيفجر احتجاجات أكبر وبشكل متزامن في أكثر من مكان، فتعجز الفرقة الرابعة وحدها عن التعامل الأمني مع كل المناطق، فتستدعي المزيد من فرق الجيش.

من شأن ذلك أن يهدد بإحداث حالة من التمرد الجماعي بين جنود وضباط الجيش بما يضغط بشكل متصاعد علي القيادات العسكرية.

 

3- احتمال حدوث تمرد عسكري ضد حكم آل الأسد، ويرتبط ذلك بالسيناريو السابق مباشرة، وبطلاه قد يكونان كلا من وزير الدفاع علي حبيب، وقائد الجيش داود راجحة، أو أحدهما، خاصة أن أيا منهما لم يتورط بعد بشكل

مباشر في القمع الأمني للمتظاهرين، وكلاهما تم تعيينه حديثا في يونيو 2009 . وهكذا، ففي حال حدوث انشقاقات في صفوف الجيش وجهاز الدولة ككل، قد يقدم كل من حبيب وراجحة، أو أحدهما، علي الأقل علي توجيه ضربة

نوعية لرأس نظام الأسد، علي غرار النموذج اليمني، تخرجه قسرا من المعادلة، أو توفر له خروجا آمنا إلي المنفي، علي غرار النموذج التونسي.

 

وفي هذا الموقف، من المرجح ألا تستمر إيران في دعم الجناح المتهاوي من النظام، وهو جناح الأسرة الحاكمة، بل قد تحول دعمها إلي الشق المتمرد من الجيش السوري، باعتباره القادر واقعيا علي الاستمرار في الحكم، نظرا

لكثرته العددية، خاصة إذا ما كانت له زعامة عسكرية واضحة كوزير الدفاع أو رئيس الأركان. وربما يكون حزب الله نفسه هو الذي سيهندس انتقال إيران من حلف الأسد إلي حلف قيادات الجيش المتمردين، وذلك بحكم قربه

الميداني من الأحداث، ووعيه بتراجع شرعية الأسد ونظامه، ورغبته في إبقاء التحالف الوظيفي مع سوريا، أيا كان حاكموها.

 

ومع تناقص قدرة النظام السوري علي السيطرة علي تطور الأوضاع ولجوئه المكثف للعنف، قد يرفع عنه حلفاؤه الغطاء، خاصة الحلفاء الأقوياء بالفعل كحزب الله، فلا يمكن أن يتمسكوا بدعم نظام يتهاوي في المدي المنظور، بل

سيكيفون أوضاعهم للتحالف مع النظام الجديد. وبالتالي، قد يكون حزب الله نفسه هو المنظم الحقيقي لعملية تبدل الزعامات في النظام السوري، والمكيف الأيديولوجي لها، عبر “اتهام نظام بشار الأسد بإجراء صفقة مع الغرب

وإسرائيل من أجل البقاء في الحكم مقابل تقديم تنازلات ضد خط المقاومة، فما كان من قيادات الجيش السوري إلا أن انتفضوا لصيانة الكرامة الوطنية”…الخ.

 

في ظل سيناريو إزاحة حكم آل الأسد هذا، يمكن توقع ألا تقبل عدة جهات أمنية محسوبة علي النظام مثل هذا الأمر، وتلجأ إلي تنفيذ عمليات انتقامية ضد الشعب، خاصة الأقليات من العلويين والشيعة والمسيحيين لإشعال أتون

الحرب الأهلية، لتثبت أن نظام الأسد وحده كان قادرا علي كبح الفزاعة الطائفية في المجتمع السوري. وهذا الانتقام قد يمتد أيضا إلي لبنان، خاصة في دوائر حزب الله في الجنوب، ولكن أيضا في الشمال، حيث تعيش الأقلية

العلوية ضمن أكثرية سنية في طرابلس وما حولها.

 

ومن هنا، فإذا لم تكن المعارضة السورية قد توحدت تحت أهداف واضحة وبرامج عمل تفصيلية تمكنها من الدخول في شراكة مع قيادات الجيش المتمردين علي آل الأسد، فإن سوريا قد تقع بالفعل في فوضي اقتتال طائفي. وفي المقابل، يمكن للمعارضة – إذا نجحت في التوحد وكسب ثقة قيادات العسكر – أن تسهم في نقل البلاد من خانة النظم القمعية إلي فرصة حقيقية لبناء دولة حديثة علي أسس ديمقراطية من رحم فوضي أمنية قصيرة الأمد. وسيكون ذا النظام عرضة لضغوط إقليمية ودولية ضخمة، بما قد يجعله ضبابيا في سياسته الخارجية، تفاديا لأي صراع يفرض عليه مع أي طرف.

 

4- استمرار نظام الأسد في التماسك وتلقيه الدعم من حلفائه الإقليميين، بما يمكنه من تصعيد العنف الأمني والعسكري ضد الأهالي في مختلف المناطق، فيفتعل النظام حربا أهلية طائفية مصغرة عبر عصاباته المسلحة، كي يثبت

شرعيته في كبح مخاطر الطائفية، الأمر الذي قد يغرق البلاد بالفعل في حملات اقتتال طائفي أوسع من قدرة النظام علي تطويقها والتلاعب بها، خاصة إذا دخل علي الخط تسلل السلفيين الجهاديين السنة من العراق والأردن لنصرة الطائفة السنية. وفي هذه الحالة، لن يستمر الحراك الشعبي في سلميته، بل سيتم استدراجه إلي السقوط في فخ الاستقطاب الطائفي المسلح، أو خيار العسكرة علي غرار النموذج الليبي، مما يغرق البلاد في دورة دموية تضعف النظام والمجتمع الأهلي والاحتجاجات الشعبية علي حد سواء. ولكن في هذه الحالة، لن يكون التدخل الدولي العسكري معلنا عبر الناتو أو الأمم المتحدة، بل سيكون علي الأرجح تدخلا استخباراتيا يستفيد من هشاشة الوضع الأمني لاختراق الداخل السوري.

 

وفي هذا الإطار، قد تشهد الساحة السورية حرب مخابرات طاحنة بين إيران وإسرائيل، يتنافس فيها كل منهما علي توجيه دفة الأحداث لصالح قيام نظام جديد متماسك موال له علي حساب الآخر. ووفق هذا السيناريو، قد لا تكون

إيران حريصة علي إعادة تنصيب نظام الأسد، إذا ما فقد سيطرته الفعلية علي الأوضاع الأمنية في سوريا، بل ستكون أكثر حرصا علي تشكيل نظام جديد موال لها بشكل أكبر، سواء كان نظاما دينيا متطرفا أو علمانيا معاديا

للغرب وإسرائيل. وهنا، لن تكون المعارضة السورية قادرة علي مواكبة التطورات الأمنية بنفس سياسي فقط، بل قد تنحو إلي تشكيل ميليشيات تقوم علي أساس طائفي أو ثوري يساري عابر للطوائف، مع شبه استبعاد للتيار

الليبرالي.

 

من جهتها، لن تكتفي تركيا بلعب دور الهلال الأحمر إزاء نزوح السوريين إلي أراضيها، بل قد تطور من وسائلها وصولا إلي تنفيذ عمل عسكري محدود لإيجاد منطقة عازلة بين حدود البلدين، كي لا تواجه بتدفق بشري سوري قد تعجز معه عن صد أي فخ قد ينصبه النظام المتهاوي في دمشق لها، انتقاما من تحول موقفها. كما ستعمل جاهدة علي اختراق الأوساط الكردية السورية، كي لا تنتقل أي عسكرة في تنظيماتهم إلي الداخل التركي، بل علي الأرجح أنها ستبني معهم عبر الحدود علاقات اقتصادية وأمنية تضمن بها ولاءهم لها لحين قيام نظام قوي جديد في سوريا.

 

تعريف الكاتب:باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عن مجلة السياسة الدولية – عدد تشرين الأول / أوكتوبر، 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق